رأي

نزيف

نزيف

(3)

تفقّدتُ الولد ”رفيق دربي“، فلم أجده أمامي. لم يلبث أن جاء الولد ومعه ملاءة سرير ناصعة البياض، ويبدو أنّه قد استعمل علاقاته الشخصية مع بعض المعارف يعملون داخل المستشفى: “تخطاك المعريفة تضيع”. مثل هذا الأمر بات يؤرّق بال المرضى كثيرا في هذه الأيّام.

وبينما نحن نجولوا ببصرنا داخل القاعة العريضة، نتطلّع إلى وجوه نزلائها لعلّنا نعرف أحدا من بينهم، وإذ بالممرّضة تنادي: ”شكون هو مصباح؟ “

جاءت وكيس الدم بيدها، على عجل من أمرها في حالة استنفار ، كأنّها ”تفرّ من قسورة“ . خامرتني فكرة} فقلتُ في نفس: ”مرحبا بك في عائلة مصّاصي الدّماء“.

انتبهتُ إلى شخص يبعد عنّي بضعة أمتار، يجلس فوق كرسيّه المتحرّك، كان قد أشار الى ”ملاكه الحارس“؛ تبيّن فيما بعد انّه ابنه الأصغر المرافق له والذي يحرسه، كما هو الشّأن بالنسبة لكل مريض عاجز.

دفع هذا الأخير بكرسيّ والده نحوي. يبدو من خلال ملامح وجهه أنه في منتصف عقده السّابع، عرّفني بنفسه وأردف يقول وهو يحاول أن يريني قدمه اليمنى التي بلغت درجة من التعفّن لا تطاق.: ”جئتُ أمشي قبل أن يطلب منّي الطّبيب أن أرقد في السرير“. ويقصد أنه لم يكن يعاني من شيء عند قدومه إلى المستشفى، و قبل خضوعه للفحص من قبل الطبيب.

سألتُ الرّجل إن كان يعاني من داء السكّري؟ قال: لا.

قلتُ له: هل تدخّن؟

فأجاب بنعم.

مطأطئ الرأس وعلامات الخجل بادية على محيّاه.

ثم سكت الرّجل وخيّم الصّمت على المكان.

إلى متى هذا الإنكار؟

حال كل إنسان قبل أن تحلّ به النّوازل.

من أراد أخذ العبرة من منبعها الأصلي فليقم بزيارة هذا المكان، فإنّه لايحتاج إلى سماع القصص من أفواه الآخرين.

لو كنتُ مكان هؤلاء الأطّباء لرفضتُ أن أعالج كل من أشم فيه رائحة السجائر.

لماذا كل هذا التعتيم؟

أين المجتمع؟ أين أصحاب المنابر، وأصحاب الضّمائر، أين الوُعّاظ؟

الكل متزرّط في هذه الجريمة النكراء. ومن لم يكن متورّطا، فهو بالضّرورة متواطئ.

كيف استطاعت لوبيّات الفساد اللّعينة؛ بما في ذلك اللّوبي الإماراتي، أن تكمّم الأفواه لولا شرائها للضّمائر.

قتلوا الناس بصمتهم، و بهذا التواطؤ مع مروّجي هذا السم القاتل. حتى إنّه لا يكاد يخلو بيت من البيوت من مدخّن، ولا سرير من الأسرّة في المستشفيات والمصحّات من ضحيّة، من ضحايا هذا الرّهج الفتّاك الذي إن لم يتسبّب لهم في سرطان من السرطانات فهو يقودهم إلى المقصلة أين يتم بتر أجزاء منهم.

يُروى عن حكيم أو مفكّر أو فيلسوف أنّه لم يستطع أن يقلع عن التدخين، فكان يكتب فوق كل علبة سجائر يشتريها ما نصّه: من سرطان رئة إلى ساق مبتورة. فأفلح في حربه وربح المعركة في النهاية.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى