أخبارقانون وعلوم سياسيةقانون وعلوم سياسية و إدارية

مهنة المحاماة في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي.

سبق أن نشر لنا مقالا حول موضوع: “المتقاضي الرقمي”، الذي تطرقنا فيه إلى الاشكالات النظرية والعملية الناتجة عن مواكبة المتقاضي العادي لإمكانيات الثورة الرقمية في التقاضي رقميا دون الاضطرار للتواجد المادي بالمحاكم.
كما سبق أن نشر لنا بتاريخ: 27/06/2022، مقالا حول موضوع:”المحامي الآلي (الانسآلة)” بالموقع الرقمي لجريدة العمق المغربي، والذي تطرقنا فيه إلى واقع استبدال الدماغ البشري للمحامي، بالدماغ المبرمج للروبوت ، هذا الأخير الذي سوف ينافس في الأداء الوظيفي لأعتى المهام (القضاء والطب والتعليم…).
لم يعد بوسع المحامي أن يتجاهل الإمكانيات الهائلة الناتجة عن الطقرة الرقمية التي عرفت قوة وجموحا منذ بداية الألفية الثالثة، إذ أصبح العالم الافتراضي الذي تتيحه الثورة الرقمنة وتترجمه وظيفة الذكاء الاصطناعي، أمرا واقعا لا مفر من مواكبته واستغلال محاسنه وتفادي مساوئه.
كثيرة هي الأصوات المهنية، المقاومة لمواكبة التطورات الحديثة، والمكتفية بأداء مهام المحاماة بوسائلها التقليدية، من حيث تقديم الخدمات كوكلاء خصومة استنادا لبنود متخلفة عن الركب تتضمنها مقتضيات القانون المنظم لمهنة المحاماة والنظام الأساسي لكل هيئة أو نقابة محامين، في مقابل تطور الرسانة التشريعية التي ضمنت مقتضيتها القانونية ما يصب في التعامل الرقمي في المجال التعاقدي والتجاري والتنظيم القضائي والمساطر والإجراءات القضائية في إطار ما يسمى برقمنة المرفق العمومي ةتجويد خدماته وترسيخ فكرة “الدولة المنصة”.
لازال المحامي التقليدي المتعامل بشكل عاطفي، يرفض الانخراط في موجة التكوين العلمي واللغوي والتكنولوجي، كما يكره الإشهار عبر شبكات الوسائط الاجتماعية، ويستنكف عن إنشاء منصة رقمية تعرف به وبمكتبه وبالاختصاصات المهنية التي يجيد القيام بها، فتجده يكتفي باسمه الشخصي والعائلي ورقم هاتفه الثابت، المكتوب باللوحة الاشهارية المعلقة على باب مكتبه، كما يستعيض على مواكبة الثورة الرقمية، بتقديم بطاقة الزيارة بشكلها الورقي بدل البطاقة الممغنطة الذكية، مبررا ذلك كله، بوفائه للمنافسة الشريفة ولفكرة تكافئ الفرص.
إن توجس المحامي من مواكبة الثورة الرقمية، يتطابق بشكل دقيق مع الشركات التي تعاني بما يسمى بـ “الاضطراب الرقمي”، الذي يحول دون منافستها للشركات ذات النشاط الرقمي، هذه الأخيرة التي تسوق لنفسها ولمنتجاتها عبر الوسائط الرقمية، محققة بذلك مكاسب مادية ومعنوية هائلة .
إننا في عالم التقاضي عن بعد، سواء من خلال ارسال المقالات والمذكرات عبر المنصات الرقمية، أو أداء الرسوم القضائية بواسطة البطاقات البنكية الممغنطة في عصر الأصول المشفرة والعملات الرقمية، كما أننا مواجهون بواقع تبليغ المتقاضين ودفاعهم عن طريق الرسائل النصية للهواتف الذكية، وبالترافع الشفوي والمعتقل يظهر عبر الشاشة وهو قابع بالمؤسسة السجنية.
لا يمكن أن يتطور كل شي من حول المحامي، ويظل هو المهني الوحيد الوفي للأساليب والأدوات التقليدية، في ممارسة مهنة المحاماة بشكل متخلف عن الركب، وهو يعلم أنه سوف يكون عرضة للدهس من طرف شركات محاماة واستشارات قانونية عالمية، مدججة بسلاح العلم واللغات والإمكانيات التكنولوجية، إذ سوف يجد نفسه يرضى بالفتات أو بأقل من الفتات.
يقال: “أن المحامي يجيد بشكل مألوف الدفاع عن موكليه، لكنه غالبا ما يفشل في الدفاع عن مصالحه الشخصية، وما مقاومته للثورة الرقمية ورفضه الانتفاع من المميزات التي تمنحها له، للظفر بمهنة تمكنه من تقديم خدمات عنوانها السرعة والنجاعة والكفاءة، إلا دليل على فشله في الدفاع عن مصالحه المهنية.

محمد أوبالاك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى