أخبارإسلامثقافة

مناقب سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لسيّدنا الحافظ ابن الجوزي

سيّدنا الحافظ ابن الجوزي: “مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب”، دراسة، وشرح، وتقديم الأستاذ سعيد محمّد اللّحام، دار مكتب الهلال، بيروت، لبنان، 2003، من 304 صفحة.

مقدّمة لابدّ منها:

قرأت الكتاب بتاريخ: الخميس 23 جمادى الثانية 1440 هـ الموافق لـ 28 فيفري 2019، وأنهيت قراءته، والتّعليق عليه في حينه. ولم أعد إليه من يومها.

والقراءة اليوم بين يدي القارىء الكريم بعد إعادة تنظيمها، وترتيبها، وإضافة، وحذف.

قرأت الكتاب يومها وأحداث الجزائر سنة 2019 تشغل الجميع.

تعتبرهذه القراءة نتيجة لأحداث الجزائر، وغليان الشارع، ومحاولة لتأصيلها عبر انتقاد السلف لولاة الأمر.

مقدّمة القارىء المتتبّع:

سبق لصاحب الأسطرأن قرأ الكثير لكتب سيّدنا الحافظ ابن الجوزي رضوان الله عليه، ولخص عدّة كتب، وعرض وجهة نظره عبر مقالات عدّة.

يوجد في صفحة الكتاب اسم محقّق، وفي داخل الكتاب يوجد اسم محقّق ثاني. وهذا العبث لا يليق بسيّدنا ابن الجوزي، ولا يليق بلبنان المعروف عنها الصرامة في طبع الكتب، راجين من “دار، ومكتبة الهلال” اللبنانية تدارك هذا الضعف.

الكتاب عبارة عن سرد ودون تحليل لحياة سيّدنا عمر بن الخطاب كما هو شأن كتابات الأوّلين.

أبدع سيّدنا الحافظ بن الجوزي في نقل شهادات سيّدنا علي بن أبي طالب، وأسيادنا آل البيت رضوان الله عليهم في ذكر مناقب سيّدنا الصّديق، وسيّدنا عمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم جميعا.

حبّ أسيادنا آل البيت لسيّدنا عمر بن الخطاب واضح بيّن، وقد جاءت أمثلة كثيرة تعبّر بجلاء عن هذا الحب، والتّقدير، والاحترام.

تدخلات الحافظ ابن الجوزي كانت نادرة جدا، لكن يبدو -فيما أزعم- أنّه عقّب على أمور ليست ذات بال، وصمت عن أمور ذات بال.

يتطرّق الكتاب لخصال عظيمة كثيرة فريدة لسيّدنا عمر بن الخطاب لمن أراد أن يعود إليها ويطبّقها على نفسه، ومجتمعه، ودولته ان استطاع إلى ذلك سبيلا.

يمكن للقارىء الكريم استخراج الحالات التي انتقد فيها سيّدنا عمر بن الخطاب رحمة الله ورضوان الله عليه من طرف المجتمع باعتباره ولي الأمر. وكيف كان السلف الصالح ينتقد ولاة الأمور علانية، ودون خوف.

مظاهر حب أسيادنا آل البيت لسيّدنا عمر بن الخطاب – معمر حبار

حدّثنا سيّدنا علي بن أبي طالب عن سيّدنا عمر بن الخطاب فقال:  ذاك امرؤ سماه الله الفاروق فرق بين الحق والباطل. سمعت سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: “اللّهم أعز الإسلام بعمر”. 32

عن سيّدنا علي بن أبي طالب قال، قال سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “اتقوا غضب عمر فإنّ الله يغضب إذا غضب”. 43

ثناء سيّدنا علي بن أبي طالب على أسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب رضوان الله عليهم جميعا: 52 – 53

قال سيّدنا علي بن أبي طالب عن أسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب: “هما حبيباي، وإماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ومن اقتدى بهما عصم، ومن اتّبع آثارهما هدي الصراط المستقيم، ومن تمسّك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون” 52.

عن عبد خير قال: “سمعت عليا رضوان الله عليه يقول: إنّ الله جعل أبا بكر وعمر، رضوان الله عليهما، حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة، سبقا والله سبقا بعيدا وأتعبا من بعدهما أتعابا شديدا” 52-53.

قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لايحبهما إلاّ مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلاّ شقي مارق. فحبهما قربة، وبغضهما مروق. مابال أقوام يذكرون أخوي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ووزيريه، وصاحبيه، وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، فأنا برىء ممن يذكرهما بسوء، وعليه معاقب. 53

عن زيد بن علي، رضي الله عنه، قال: “البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من علي عليهم السلام”. 54

قيل لعلي بن الحسن، رضوان الله عليهما، كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر، من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: “كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه” . 55

عظمة أسيادنا الصّدّيق، وعمر بن الخطاب من خلال زهدهم في الحكم، ورفض التّوريث:

لم يطلب سيّدنا عمر بن الخطاب الحكم لنفسه، بل ترجاه سيّدنا الصّديق بمشورة من أسيادنا الصحابة.

سيّدنا الصّديق لم يسلّم الحكم لابنه وهو أهل، وسيّدنا عمر بن الخطاب لم يسلّم الحكم لابنه وهو الفقيه المجتهد العالم.

تعظيم سيّدنا عمر بن الخطاب لأسيادنا آل البيت:

حبّ سيّدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لأسيادنا آل البيت رضوان الله عليهم واضح تجلّى في استشارتهم، وأخذ رأيهم، وتقديمهم في الرأي والمشورة، وتفضيلهم في توزيع أموال بيت المسلمين، ولم يكن يقطع أمرا دونهم، ودون أخذ رأيهم. ويكفي القول أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب أرسل لليمن لمن يأتيه بكسوة خاصّة لسيّدنا الحسين رضوان الله عليه.

عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب في أنّه لم يضطهد الذين انتقدوه، ولم يصفهم بالخوارج:

تلقى سيّدنا عمر بن الخطاب وهو ولي الأمر انتقادات من حوله، وعلانية، وباستمرار، ومن مختلف شرائح المجتمع. وقد تمسّك برأيه حينا، وتنازل عن رأيه حينا آخر. والأكيد أنّه لم يضطهد أحدا لأنّه انتقد ولي الأمر، ولم يقل لهم لا يجوز نصح ولي الأمر علانية، ولم يصفهم بالخوارج، وهذا وجه من وجوه عظمة سيّدنا عمر بن الخطاب و ولي الأمر.

سيّدنا عمر بن الخطاب الفاتح، والحاقدين عليه بسبب فتوحاته:

أراني أعرف سرّ الحاقدين على سيّدنا عمر بن الخطاب والمتمثّل في كونه قام بتجهيز الجيش لفتح فارس وهو أوّل عمل قام به بعد توليته أمير المؤمنين، وفي اللّيلة التي توفى فيها سيّدنا الصّديق رضوان الله عليه.

عظمة سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كونه قبل انتقادات المجتمع له، وأخذ بها، وتراجع عن بعض قراراته الخاطئة:

ذكر سيّدنا الحافظ ابن الجوزي عدّة أمثلة وعبر صفحات عدّة كيف وقف أسيادنا الصحابة من رجال، ونساء في وجه سيّدنا عمر بن الخطاب وهو ولي الأمر يوبّخونه، ويراجعونه، ويأمرونه، ويهدّدونه بعدم الطّاعة إن لم يتراجع عن قرارات خاطئة اتّخذها في قضايا عدّة وأمام مرأى، ومسمع من النّاس، ومن فوق منبر سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وما كان منه وهو ولي الأمر إلاّ أن تراجع عن القرارات التي اتّخذها وتبيّن له أنّه أخطأ فيها والرعية أصابت. واعترف أمام الجميع، وعلانية أنّه يعترف بخطئه، ويتراجع عنه علانية، وأمام الجميع.

انتقاد المجتمع لولي الأمر سيّدنا عمر بن الخطاب وهو آمن مطمئن:

كتبت على حاشية صفحة 177: “امرأة تنتقد ولي الأمر علانية وأمام الجميع ويسمع لها سيّدنا عمر بن الخطاب وهو ولي الأمر وينزل عند رأيها علانية وأمام الجميع”. وكتبت على حاشية صفحة 184 من الكتاب قائلا: “الشعب يقول علانية وأمام الملإ لولي الأمر سيّدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: “اتّق الله يا أمير المؤمنين” وهو لا يخاف أحدا، وأمير المؤمنين أي ولي الأمر يطيع، وينفذ بصمت، وسرعة.

وكتبت على حاشية صفحة 185: “لاحظ كيف تراجع ولي الأمر عن قرار اتّخذه لأنّ المجتمع انتقده علانية ودون خوف بل عاتبه”.

نقد سيّدنا الحافظ ابن الجوزي:

هناك بعض الروايات التي ذكرها سيّدنا الحافظ ابن الجوزي، لا يمكنني أن آخذ منها، ولا أنقلها، ولا أنصح بها، لما فيها من مبالغة كبيرة أساءت كثيرا.

ما أعيبه على سيّدنا الحافظ ابن الجوزي رضوان الله عليه وهو من آيات الله في الحفظ، أنّه لم يفرّق بين حبّه لسيّدنا عمر بن الخطاب وبعض الخرافات التي لا تليق بسيّدنا عمر بن الخطاب، وبحبّنا له.

أخطأ سيّدنا الحافظ في اتّهام سيّدنا خالد بن الوليد أثناء عزله من طرف سيّدنا عمر بن الخطاب:

جاء في الكتاب أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب عزل سيّدنا خالد بن الوليد من قيادة الجيش بسبب “إنّي أمرته، أن يحبس هذا المال، على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللّسان، فنزعته، وأمّرت أبا عبيدة بن الجراح”.

أقول: أخطأ سيّدنا الحافظ ابن الجوزي واتّهم سيّدنا الصّدّيق ودون أن يشعر، لأنّه هو الذي أصرّ على بقاء سيّدنا خالد بن الوليد على رأس قيادة الجيش حين طلب منه يومها سيّدنا عمر بن الخطاب أن يعزله، فردّ عليه: كيف أعزل سيفا سلّه سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ولا يمكن بحال أن يتشبّث الصّديق بشخص “يأكل حقوق الضعفاء”، ولا سيّدنا عمر بن الخطاب.

أخطأ سيّدنا الحافظ ابن الجوزي حين أهمل ذكر إسلام سيّدتنا أمّنا خديجة رضوان الله عليها:

نقل الحافظ ابن الجوزي أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب أسلم “بعد أربعين أو نيف وأربعين”، ثمّ عدّدهم بالاسم، ولم يذكر سيّدتنا أمّنا خديجة التي كانت أوّل من أسلم من الرجال والنّساء، ولم يذكر ولا امرأة واحدة. وهذا من الأخطاء التي وقع فيها سيّدنا الحافظ ابن الجوزي وهو الحافظ .

من الظلم ذكر أسماء الذين أسلموا من الرجال وإغفال أسماء الذين أسلموا من النّساء خاصّة سيّدتنا أمّنا خديجة التي كانت أوّل من أسلم من الرجال، والنّساء، والصبيان.

درة سيّدنا عمر بن الخطاب: حقيقة، أم مبالغة:

لم أستوعب لحدّ الآن “درة” سيّدنا عمر بن الخطاب التي ظلّ الحافظ ابن الجوزي يذكرها في مناسبة، وفي غير مناسبة، وتمّ تصوير سيّدنا عمر بن الخطاب على أنّه الجبار الذي يقهر النّاس ويضربهم في السّوق، والمسجد، والبيوت، والسّلم، والحرب لأتفه الأسباب بل ودون سبب. ويبدو لي لا بدّ من مراجعة مسألة “الدرة” أي سوط  سيّدنا عمر بن الخطاب حتّى ولو صدر من كبير عظيم كسيّدنا الحافظ ابن الجوزي رحمة الله عليه ورضي الله عنه وأرضاه.

المجتمع العظيم هو الذي ينتقد ولي الأمر، والحاكم العظيم هو الذي يقبل نقد المجتمع له:  

عظمة المجتمع في انتقاد ولي الأمر علانية وأمام الجميع إذا أخطأ وينصفه إذا أصاب. وعظمة ولي الأمر في أن يسمع للناقد ويأخذ برأيه الفاعل، ويمنحه الأمان، ولا يلاحقه، ويحثّه على الانتقاد حين يرى أنّه أخطأ وخرج عن الصواب.

انتقاد ولي الأمر من الإيمان ومن دعا لعدم النقد فقد غشّ. ومن غشّنا فليس منّا.

من قال أنّ ولي الأمر لاينتقد فقد خان أسيادنا الخلفاء، والجزائر، والأمّة، والعرب، والمسلمين:

إنّه لمن الخيانة أن يظلّ الشاعر، والكاتب يتحدّث عن العشق، والغرام، والرموش والجزائر، والأمّة تعيش أحداثا أليمة حزينة. وإنّه لمن الخيانة أن يتحرّك الشارع الجزائري عن وعي، وسلم، وحضارة، ورقي للمطالبة بحقوقه ثمّ يأتي الحركى الجدد يثبّطون عزائمه بقولهم إنّ “المظاهرات حرام لأنّ ولي الأمر السّعودي حرّمها؟ !” و “خروج عن ولي الأمر السّعودي؟!”.

الخميس 7 ذو الحجة 1445هـ، الموافق لـ 13 جوان 2024 

الشرفة- الشلف- الجزائر–

الشلف – الجزائر

معمر حبار 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى