أخباررأي

مستنقع النفاق

كاظم فنجان الحمامي

كانت هوايتي في الصغر البحث عن عواصم البلدان وحفظها على ظهر القلب، كنت في الرابع الابتدائي عندما كتبت العواصم الآسيوية على ورقة، متفاخرا بمعلوماتي أمام التلاميذ، فشاهدها مراقب الصف، وكان يكبرنا سنا، فاخذها مني، وكتب عليها عبارة (اعداء العراق)، ثم ذهب بها إلى معاون المدير، وقال له أنظر ياسيدي ما الذي كتبه هذا الطالب المشاكس، فغضب المعاون وانهال عليَّ بالضرب المبرح. .
كانت ميليشيات (المقاومة الشعبية) تجوب الأحياء السكنية وقتذاك، ولم تمض بضعة أعوام حتى تغير النظام الحاكم، فتطوع بعض أبناء قريتنا للانضمام إلى صفوف الحرس القومي، ثم تغير النظام مرة اخرى بعد أعوام، فتطوعوا في صفوف (الشرطة السرية)، ثم عاد الحرس القومي بصيغة (الجيش الشعبي)، فأعلن معظم ابناء القرية الانضمام اليهم. .
احيانا تتكرر الوجوه نفسها فتتغير الوانها. في تلك الاعوام كان الجار يرفع التقارير الحزبية الملفقة ضد جاره بتشجيع من السلطة الحاكمة، والطالب يلفق الاتهامات لزميله في المدرسة، وكانت أحكام الإعدام تهدد الذين يتداولون النكات الساذجة، أو يطلقون التصريحات العفوية، أو الهاربين من الخدمة العسكرية. .
كان جارنا (عين) يمضي الليل كله في خياطة الاكياس التي يلبسونها للهاربين المشمولين بأحكام الإعدام. في حين كان الرفيق (ميم) من أشد المتعاونين مع رجال السلطة، لكنني شاهدته بعد زوال النظام يقود في البصرة احدى الميليشيات المسلحة، فقد أطلق لحيته وكوى جبهته، وظهر لنا وكأنه في حفلة تنكرية. .
أذكر أيضاً ان موظف الموانئ (ابو ضياء) رفع تقريرا ضد اخي (حسن)، زعم فيه انه من عناصر الحرس القومي، وكان حسن بعمر 14 سنة. كان (ابو ضياء) يكره حزب البعث قبل ثورة 17 تموز، لكنني فوجئت في الثمانيات عندما علمت ان (ابو ضياء) نفسه صار من الاعضاء الناشطين في صفوف الحزب، بينما غيّب الموت اخي حسن بتهمة الانتماء لحزب الدعوة. .
لكل نظام من انظمة الحكم في العراق أفواجه وقواعده المسلحة، التي يتغير اسمها من حقبة إلى أخرى، وفي كل حقبة يندفع الناس لإظهار ولاءاتهم المتلونة للسلطة الحاكمة تماما مثل حرباء تتلون في مستنقع النفاق . .
للأخلاق والقيم أهمية كبيرة في تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي، يتم فيه احترام القواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع، فإذا ضعف الالتزام الخلقي بين أفراد المجتمع، بدأت المتاعب والاضطرابات السلوكية، وبدأ الشك بالقيم والثقافة المحلية كذلك، حتى يصبح تحقيق الذات وحيازة الاعتراف الاجتماعي متعارضين مع احترام القواعد الأخلاقية السائدة. .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى