أحوال عربيةأمن وإستراتيجية

مستقبل التوازن والصراع في الشرق الأوسط

 
علي زياد عبد الله
تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم نشوب العديد من دوائر الصراع والانعدام الجزئي للتوازن، وشد وجذب داخل الدول وخارجها، ويتبادر إلى أذهاننا تساؤل مهم لماذا تعاني هذه المنطقة من العالم حالة الصراعات وانعدام الاستقرار السياسي والأمني وما هي التصورات المستقبلية لحالة الصراع والتوازن؟ إذ تكمن أهمية الدراسة بسبب الأحداث والإرهاصات الدولية والإقليمية التي تعصف في المنطقة فظاهرة الصراع الدولي تستفحل بشكل كبير من خلال الانتشار السريع لدوائر الصراع في مختلف أرجاء المنطقة، حيث تقتضي الضرورة الاستراتيجية بأن نعطي سيناريوهات مستقبلية لتوجهات حالة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط لما له أهمية كبيرة على مستقبل المنطقة والتي يمكن من خلالها أن تنعكس على حالة الصراع والتنافس بين القوى المتصارعة. فهذه الدراسة تمتد إلى ثلاثة أبعاد زمنية وهي الأمد القريب والذي يمثل الخمس أعوام القادمة والأمد المتوسط والذي يمثل العشر أعوام القادمة بالإضافة إلى الأمد البعيد والذي يمتد أكثر من خمسة عشر عاما. كما أن الدراسة هذه لا تحدد صيغة متفق عليها من قبل الأوساط الأكاديمية لتوجهات الصراع والتوازن في المنطقة فهي مجرد توقعات زمنية استراتيجية تعتمد على منهجية العصف الذهني في الدراسات المستقبلية، ولتغطية موضوع البحث قسمت الدراسة إلى مبحثين:
– المبحث الأول: مستقبل التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
– المبحث الثاني: مستقبل الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
المبحث الأول
مستقبل التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
يمثل التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط عاملا استراتيجيا مهما حيث تشكل الدائرة التوازنية في السياسة الدولية كما انهها تحدد وضع وشكل العلاقات الدولية بين القوى الفاعلة، فالتوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط يمر بمرحلة مفصلية.
فالصراع الدولي اليوم في أوج مراحله، وبالتالي تقتضي الضرورة التوقف على مستقبل التوازن الدولي في الشرق الأوسط لما له من أهمية وانعكاسات استراتيجية على المنطقة وخارجها بالإضافة إلى يحدد شكل ديناميكية العلاقات الدولية بين القوى الفاعلة العالمية منها والإقليمية. وكما هو معرف في علم المستقبليات فإن مسالة التكهن في مستقبل التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط بسبب سرعة المتغيرات الإقليمية والدولية بالإضافة إلى كثرة المخرجات نتيجة تشابك المصالح بين الأطراف، فمعرفة مستقبل الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط يوضح لنا المسار الذي سوف تتجه إليه الأوضاع في المنطقة من منظار السلم والحرب.
المحور الأول :
سيناريو انحلال التوازن الدولي والإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ونشوب الفوضى الإقليمية
تنطلق فرضية هذا السيناريو من فكرة مفادها أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو انحلال التوازن الدولي والإقليمي فيها مما سينعكس على الأوضاع الإقليمية والتي سوف تؤدي إلى نشوب فوضى إقليمية تعصف بالمنطقة. فمن خلال ملاحظة منحى الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة نستنتج أن دائرة الصراع في توسع دائم وان ساحات الصراع دائما مشتعلة بين القوى الإقليمية والعالمية، وبالتالي فإن التوازن الدولي المنطقة يفقد حظوظه مما يعني استمرار انزلاق المنطقة إلى حالة الصراع والحروب الدائمة. فالمؤشرات الأكاديمية لرصد حالة الصراع تشير إلى تزايد معدلات التصارع الحروب في المنطقة والتي تعني انتشار حالة الفوضى الإقليمية التي تؤدي إلى حالة من الإرباك والإرهاصات التي تصيب النظام الإقليمي الحالي. فرغم الانعراجات التي أصابته ألا أن حالة الفوضى تعني تفكك منظومة المصالح المتبادلة بين الأطراف الإقليمية.
ومن هنا يمكن أن نتطرق إلى أهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1- أن حالة الصراع الدولي والإقليمي الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، هي صفة ملاصقة لملامح المنطقة. فالصراع الدولي والإقليمي قد توجد في هذه المنطقة في فترة ليست بقريبة بل هي أبعد من وجود الدول القومية الموجودة حاليا، وبالتالي فإن مستقبل التوازن في المنطقة هو أمر معروف نظرا للحالة التي تمر بالمنطقة والتي تعد الأخطر عالميا والأكثر عنفا من غيرها من أقاليم العالم، وبالتالي فإن مسالة الصراع سوف تنعكس بشكل سلبي على حالة التوازن التي توصف شكل السياسة الدولية في الشرق الأوسط ([1]).
2- أن تقاطع مصالح القوى العالمية انعكس بشكل سلبي على حالة التوازن الإقليمية في الشرق الأوسط، فالقوى العالمية المنقسمة غذت وسوف تغذي الصراعات المستفحلة في المنطقة، ويمكن وصف الصراع الروسي الأميركي في المنطقة بأنه هو محرك التوازن فهذه القوى التي تدير الصراع من خلال دعم حلفائها الإقليميين في الشرق الأوسط وحثهم على المزيد من التصادم والتصارع وبالتالي فإن أي توازن يوجد هو من رسم هذه القوى([2]).
3 -الاتجاه نحو التسلح وزيادة مخزونات الذخيرة في هذه المنطقة، حيث تزايدت مشاعر الإحساس بالقلق والخطر لدى الخليج من النفوذ والبرامج الإيرانية، وخصوصا البرنامج النووي المثير للجدل والقلق، فضلا عن تكرار المناورات الجوية والبحرية والبرية التي تقوم بها القوات الإيرانية بين فترة وأخرى هجومية كانت أم دفاعية حيث تبقى المناورات المتكررة والمغطاة إعلاميا بكثافة موضع متابعة وترقب شديدين على الضفة المقابلة للخليج. ومع الأحداث في اليمن وسوريا والعراق ([3])، تحولت عمليات التسلح العادية إلى سباق تسلح كبير تشارك فيه معظم دول المنطقة عموما، والخليج وإيران وإسرائيل ومصر وتركيا تحديدا، وتتوقع دراسات، أن تصرف دول المنطقة خلال الأعوام 2013-2015 ما يقرب من سبعين مليار دولار، ويمكن الاسترشاد بهذه الدراسات إلى حد ما لملاحظة درجة التحسب للحاجة إلى المزيد من تطوير القدرات الدفاعية، وتحظى القوات الجوية والدفاع الجوي والدفاع الاستراتيجي ضد الصواريخ أرض – أرض بأهمية استثنائية في عمليات التسلح، كما أن عمليات التوجه لإقامة المزيد من المفاعلات النووية السلمية تثير تساؤلات كثيرة عن قدرة تطويرها لأغراض علمية ذات طابع عسكري، مما يدفع المنطقة إلى حالة من الردع والردع المقابل الذاتي، خارج المظلات النووية للدول الكبرى، وهو ما يعني انتقال المنطقة من المفهوم السلمي الاعتيادي، إلى حفظ السلم بقوة الردع، بما يشبه التوازن النووي الهندي – الباكستاني نسبيا.
4- إرادة بعض القوى الإقليمية في الاتجاه نحو التصادم والصراع الإقليمي في المنطقة، فلا توجد إرادة حقيقية إقليمية من قبل دول الشرق الأوسط بتبني مشروع توازني يقع على عاتقه الابتعاد عن التصادم والتصارع وتغذية الصراعات الإقليمية التي باتت تستفحل في إقليم الشرق الأوسط، وبالتالي بات التوازن الدولي والإقليمي رهين إرادة الدول الإقليمية التي تبتعد عن إرادة التوازن وتحاول فرض أرادتها على الأخرى مما يعني الأخلال الدائم بتوازن القوى في المنطقة وتوليد الكثير من حالة الصراعات الإقليمية.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول:
1- من يحدد التوازن والصراع بشكل عام في النظام الدولي، وبالتالي فان اقتضت ضرورة القوى العالمية إحكام التوازن في الشرق الأوسط فذلك يعني عدم قدرة الدول الإقليمية بتحديد متى تتجه إلى الصراع والتوازن، وبالتالي فإن الصراع والتوازن الدولي في الشرق الأوسط هو امر مفروض من الخارج متى دعت الحاجة إلى كف الصراع وترتيب التوازن بدلا منه.
2 – أن الفوضى الإقليمية التي يبعثها هذا السيناريو تعني بأن تتجه المنطقة إلى حالة الحرب المباشرة بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط والتي يمكن أن تجعل القوى العالمية بان تنغمس في مستنقع هذه الفوضى وهو أمر لا تحبذه القوى العالمية التي تحسب الخسارة قبل الربح في علاقاتها الخارجية، وبالتالي فإن مسالة الانجرار من حالة انعدام التوازن إلى التصادم هو امر غير وارد في سلم أولويات القوى العالمية.
3- مرت منطقة الشرق الأوسط بكثير من حالات توازن القوى في ما بينها، وبالتالي فإن حالة التوازن هي أمر ليس بغريب على المنطقة، حيث عم التوازن في المنطقة لفترات مختلفة كان أخرها قبل دخول الولايات المتحدة الأميركية المنطقة وتحديدا حقبة التسعينات من القرن الماضي حيث جرى التوازن الذي جمع العراق وايران وإسرائيل ودول الخليج بالإضافة إلى وجود الولايات المتحدة والذي انعكس على ظاهرة السلم والحرب بالمنطقة([4]).
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو انحلال التوازن الدولي والإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ونشوب الفوضى الإقليمية هو أمر محتمل الحصول في الأمد القريب والمتوسط، نظرا لمؤشرات الصراع الدولي والإقليمي المتصاعدة والتي تعني انتقال التوازن إلى حالة من اللاتوازن والذي يؤدي إلى المزيد من الفوضى في المنطقة، فظاهرة انحلال التوازن الدولي والإقليمي هي امر واقع تحدث تفاصيلها كل يوم في منطقة الشرق الأوسط من خلال اتساع دوائر الصراع بين القوى المتناحرة.
المحور الثاني:
سيناريو ضبط حال ة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط من خلال قوة إقليمية مسيطرة
انطلق هذا السيناريو من فرضية مفادها أن حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط سوف تضبط بحالة من التوازن من خلال نشوب قوة إقليمية مسيطرة تفرض إرادتها على القوى الأخرى وخصوصا الإقليمية منها، حيث تضبط حالة التوازن في المنطقة من خلال قوة إقليمية تكون بمثابة حاملة للميزان والتي تحكم سير العلاقات الدولية والإقليمية في الإقليم. ففي المنطقة هناك قوى إقليمية مرشحة لتبني هكذا دور كإيران على سبيل المثال والتي تستطيع القيام بهذه المهمة لاعتبارات تتعلق بحجم دورها الإقليمي فالقوة العسكري التي تمتلكها فضلا عن مكانتها الاقتصادية التي لا بأس بها فضلا عن مكانتها في العمق الديني للمنطقة. كل هذه المؤهلات تجعل منها قوى مرشحة لنيل هكذا دور. كما لتركيا حظوظ فاعلة لخوض هكذا معترك حيث إمكانيتها العسكرية الكبيرة فضلا القوى الناعمة التي تمتلكها في الشرق الأوسط والتي تعطيها زخم وجودها في الشرق الأوسط. كما لإسرائيل حظوظ كبيرة في تبني هذا الدور في إقليم الشرق الأوسط حيث تمتلك مقومات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية تجعل منها قوى تضبط سير التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط. فيما القوى الإقليمية الأخرى كمصر والسعودية لا تمتلك بعض المقومات الريادية لإدارة شؤون المنطقة، ويمكن أن نتطرق إلى اهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1- أن حالة التوازن الدولي يمكن أن تضبط بواسطة قوى إقليمية قادرة على إحكام سيطرتها على مجرى التصارعات والتنافرات الدولية والإقليمية. فقيام قوى إقليمية مسيطرة يعني ضعف التواجد الخارجي وتأثيره على حركات العلاقات الدولية هناك. وبالتالي أن حالة التوازن الدولي في الشرق الأوسط التي تعاني حالة من الانحلال الجزئي نتيجة اتساع دوائر الصراع على أكثر من جبهة وبالتالي فإن قيام قوى إقليمية مسيطرة يمكن أن تضح حدا الحالة الانقسام والتشرذم التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر.
2- تمثل ايران قوى إقليمية شبه مسيطرة في منطقة الشرق الأوسط حيث تمتلك مقومات القوة والتأثير تتيح لها فرصة تولي هكذا دور، كما أن الدور الإيراني اليوم بالمنطقة هو دور مؤثر حيث تعد احدى الأعمدة الاستراتيجية التي تحرك سير العلاقات الدولية، ورغم الخلافات الاستراتيجية مع بعض دول المنطقة يمكن لإيران أن تحكم سير التوازن الإقليمي من خلال ابتعادها عن أي مشروع ذي توجهات توسعية، وتحسين العلاقات مع دول الجوار الذي هو مبدأ ضروري وجوهري لانطلاق إيراني مؤثر في إقليم الشرق الأوسط ([5]).
3- تعد تركيا قوة إقليمية صاعدة لها القدرة على ضبط سير التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط حيث تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية بالإضافة إلى قوة التأثير الأيديولوجية. فهي اليوم تتمتع بنفوذ إقليمي واسع يمكن من خلاله أن تكون القوة العامودية في المنطقة. بالإضافة إلى مقوماتها الداخلية تمتلك قوى دبلوماسية من خلال ترابطها الخارجي مع حلف الناتو بالإضافة إلى علاقاتها مع القوى الأوروبية، وبالتالي تمتلك تركيا حظوظا كبيرة لمسك دفة الميزان في الشرق الأوسط.
4- مرت المنطقة بحالة من انضباط التوازن الاستراتيجي من خلال قيام العراق قبل عام 2003 بحمل راية التوازن الإقليمية في المنطقة، حيث تمكن من ضبط دوائر التوازن التي تربط الخليج بإيران مرورا بتركيا من خلال المقومات العسكرية الضخمة التي كان يمتلكها ورغم الوجود الأميركي في المنطقة فقد ظل العراق المحافظ الاستراتيجي على سير عملية التوازن في المنطقة إلى حين دخول قوات التحالف الأميركية بقيادة الولايات المتحدة والتي أدت إلى كسر حالة التوازن ونشوب الفوضى الإقليمية.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول الاتي:
1- لا يمكن فرض حالة التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط من قبل دولة إقليمية وذلك بسبب الصراع الدولي على المكانة في هذه المنطقة، فالتوازن يمكن فرضه من قبل قوى عالمية لا إقليمية لاعتبارات تتعلق بحجم القوة والتأثير التي تمتلكه، ومن خلال دراسة مؤشرات القوة والتأثير للقوى العالمية في الشرق الأوسط يمكن القول أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على مسك دائرة التوازن في الشرق الأوسط. فعندما قللت من تواجدها في المنطقة اتجهت القوى الإقليمية نحو التصارع الإقليمي وبالتالي فهي القادرة على ضبط حركة التوازن في الشرق الأوسط.
2- لا تمتلك ايران قوة إقليمية كافية يتيح لها أن تنفرد في حركة التوازن الدولي لاعتبارات كثيرة أهمها وجود قوة عالمية كروسيا والولايات المتحدة والصين والقوى الأوروبية لها القدرة على أحكام التأثير على ضبط التوازن الدولي دون غيرها من القوى الإقليمية الأخرى وبالتالي فإيران اليوم لا تستطيع أن تتحكم في ضبط دوائر التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
3- رغم القوة التركية الصاعدة في إقليم الشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا إلا إنها غير قادرة على إيقاع التأثير لوحدها لاعتبارات تتعلق بخلافاتها مع بعض القوى العالمية والإقليمية في المنطقة فضلا عن أنها غير قادرة على لعب هكذا دور بسبب أن الدور يتطلب إمكانات أكبر من الإمكانات الحالية للدولة التركية وبالتالي فان مسألة تربع تركية على عرش التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط هو أمر ضعيف في الوقت الحاضر ([6]).
4- انعدام المقبولية بين القوى الإقليمية لتبني هكذا دور حيث لا يمكن لهذه القوى أن تتربع على عرش التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالعداء الإقليمي المستشري بين القوى الإقليمية الأخرى يمنع احدى هذه الدول من تبني هكذا دور. بالإضافة إلى سباق التسلح بين قوى المنطقة والتي تجعل منها متساوية نسبيا في مجال القوى العسكرية الذي يعني تزاحم ومنافسة على تبني هذا الدور مما يدفع بهذه القوى نحو المزيد من التصارع في ما بينها.
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط من خلال قوى إقليمية مسيطرة هو أمر غير محتمل الحدوث في الأمد القريب والمتوسط، لأسباب تتعلق بطبيعة الأحداث القائمة في الشرق الأوسط. كما أن مؤشرات الصراع الدولي في المنطقة تمنع قيام هكذا سيناريو، فالوضع الميداني في الشرق الأوسط لا يحتمل قيام دولة إقليمية تتحكم بضبط حركة التوازن الإقليمي لاعتبارات كثيرة أهمها التنافس والصراع بين القوى الإقليمية والتي تمنع قيام دولة من هذا الإقليم لأداء مثل هكذا دور.
المحور الثالث:
سيناريو ضبط حال ة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط من خلال قوة عالمي ة مسيطرة
يتمحور هذا السيناريو حول فرضية مفادها أن عملية ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط يتم من خلال قوة عالمية مسيطرة تستطيع ضبط حركة التوازن الدولي والإقليمي من خلال ممارسة وظيفة ضبط إيقاع القوة للأطراف الفاعلة في المنطقة، فالتوازن المتأرجح اليوم الذي تعاني منه المنطقة يمكن أن يمر بحالة من الانضباط والذي ينعكس على الصراع والانقسام التي تسود المنطقة، فتستطيع قوى عالمية خارجية أن تمارس دور حاملة الميزان من خلال مخزونها من القوة العسكرية والاقتصادية وطريقة توظيف هذه القوة من اجل ضبط إيقاع التأثير على القوى الإقليمية والعالمية الأخرى التي تشترك في تفاعلاته في المنطقة. واليوم تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تمارس هكذا دور ريادي في الشرق الأوسط انطلاقا لما تمتلكه من قوة عسكرية واقتصادية بالإضافة إلى القوة الجديدة والتي تتمثل بالقوة الناعمة والذكية فتستطيع أن تمارس دور الضابط الاستراتيجي لحركة التوازن الاستراتيجية في الشرق الأوسط. الانسحاب التكتيكي للولايات المتحدة من المنطقة جعلها (المنطقة) الأخطر بالعالم وذلك لكثرة الصراعات والتنازعات بين القوى الإقليمية والعالمية، كما أن القوى العالمية الأخرى كالصين وروسيا وأوروبا لا تستطيع القيام بهذا الدور انطلاقا من المقومات الضعيفة نسبيا كما أنها لا تمتلك الثقة الاستراتيجية التي تعطيها زخما لأداء مثل هكذا دور؟
ويمكن أن نتطرق إلى أهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1 – أن حركة الصراع والتوازن في الشرق الأوسط تمر بمرحلة جدلية وبالتالي من يستطيع التحكم بهذه الحركة هي قوة خارجية قادرة على فرض إرادة على مقتضيات الأوضاع في المنطقة لما تمتلكه من قوة عسكرية وغيرها تؤهلها بأن تمارس هكذا دور. فالولايات المتحدة الأميركية اليوم هي المرشح الرئيس لنيل هكذا دور فهي قوة عالمية تستطيع إحكام السيطرة على مقتضيات الصراع في الشرق الأوسط.
2- أن الشرق الأوسط مر بمراحل عديدة فرضت عليه حركة التوازن والصراع، حيث تمكنت الولايات المتحدة بعد حرب الخليج عام 1991 أن تثبت حركة التوازن الدولي في المنطقة من خلال القوة العسكرية المفرطة والتي استخدمتها ضد الجيش العراقي، فأصبحت هي القوة العالمية من خارج إقليم الشرق الأوسط أن ترسم حركة ضبط التوازن الدولي والإقليمي ([7]).
3- أن ضبط حركة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يسيطر عليها من الداخل الإقليمي، فالعامل الخارجي هو العامل الرئيس الذي كان وما يزال المحرك الاستراتيجي لسير العلاقات والتوازنات والصراعات في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن حركة الانضباط للتوازن الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط سوف تفرض من الخارج المنطقة. كما أن الدول الإقليمية هي القوى الأضعف في الوقت الحاضر وبالتالي هي دائما ما تعتمد على الحلفاء الدوليين من اجل تنسيق سياساتها في المنطقة.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول الاتي:
1 – أن الولايات المتحدة غير مستعدة اليوم بأن تكثف جهودها الاستراتيجية في عملية ضبط حركة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، فتعتمد اليوم على استراتيجية الهيمنة بالشراكة مع الحلفاء الإقليميين في المنطقة لاعتبارات تتعلق بموقف الولايات المتحدة في المنطقة خصوصا بعد إرهاصات حرب أفغانستان والعراق وانعكاساتها السلبية على صورتها لدى شعوب دول المنطقة، وبالتالي اتجهت اليوم إلى الإدارة من الخلف وعدم الغوص في مستنقع الشرق الأوسط.
2 – يحتدم الصراع اليوم في الشرق الأوسط بصفة رئيسة بين القوى العالمية وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين حيث تقف هذه القوى بموقف المعارض للهيمنة الأميركية على مجريات النظام الدولي، وبالتالي هناك استبعاد كلي لحالة هيمنة الولايات المتحدة على ضبط حركة التوازن الدولي في المنطقة لاعتبارات كثيرة أهمها قيام قوى المعارضة العالمية وفي مقدمتها روسيا والصين بمزاحمة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
3 – المعادلة الصفرية التي تسود شكل العلاقات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط والتي تفرض الصراع قبل التوازن لمستقبل الشرق الأوسط، حيث تتناحر القوى العالمية والإقليمية على الهيمنة من اجل الإيقاع بحلفاء الطرف الثاني من اجل وإخراج القوى غير المرغوب بها خارج إقليم الشرق الأوسط، وبالتالي هذا يشكل عامل صراع دائم والذي يدعو إلى المزيد من الانقسام بدل التوازن مما ينعكس على صعوبة ضبط التوازن الإقليمي من قبل أي قوى خارجية ([8]).
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط من خلال قوة عالمية مسيطرة هو أمر مستبعد الحصول في الأمد القريب ويمكن أن يتحقق هذا السيناريو في الأمد المتوسط والبعيد لاعتبارات تتعلق بمجريات الأوضاع الإقليمية والتي تعصف بالشرق الأوسط. فاتساع دائرة الأزمات الإقليمية من سوريا والعراق واليمن والخليج والتي تكون فيها القوى العالمية الطرف المحرك والرئيسي لمجريات الصراع والتنازع ويجعل التوازن الدولي غير ممكن في الأمد القريب لاعتبارات سابقة أما في الأمد المتوسط والبعيد فربما تتوفر الظروف اللازمة ليتحقق هذا السيناريو.
المحور الرابع:
سيناريو ضبط حال ة التوازن الدولي والإقليمية في الشرق الأوسط بنشوب تحالف قوى في المنطقة
ينطلق هذ السيناريو من فرضية مفادها أن ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط يتم من خلال نشوب تحالف قوى في المنطقة حيث تقع على عاتق هذا التحالف أن يضبط حركة التوازن ويمنع الانزلاق إلى حالة اللا توازن والصراع. ففكرة هذا السيناريو تترتب حول قيام مجموعة من القوى الإقليمية والعالمية في الشرق الأوسط بتحالف أو تكتل عسكري أو استراتيجي يضمن تفوق هذه القوى بحيث تستطيع أن تفرض إرادة التوازن بشرط انكفاء الطرف الأخر في المنطقة من اجل ترتيب وضع إقليمي يتوافق عليه الجميع من اجل تقليص دوائر الصراع بين القوى المتنافسة والابتعاد عن محور تنافسي في ما بينها. فهذه الرؤية تضمن السلم الجزئي لاعتبار مشاركة بعض القوى الإقليمية في عملية ضبط التوازن والصراع وبمرور الوقت يمكن أن تشمل دائرة هذا المحور قوى أخرى غير صديقة في السابق وضمها إلى هذا المحور وهو ما يضمن اتساع دائرة التحالف أو المحور التوازني والذي يؤدي إلى انتشار دائرة التوازن إلى خارج إقليم الشرق الأوسط. كما تتمحور فكرة هذا السيناريو حول اتساع دائرة التحالف لتشمل أكبر عدد من الأطراف والتي سوف تنعكس بشكل إيجابي على ضبط عملية الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة.
ويمكن أن نتطرق إلى اهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1 – هناك بوادر هذا السيناريو من خلال ملاحظة شكل التحالفات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، حيث تنقسم المنطقة إلى اكثر من محور ولكن يغلب عليه محوران أساسان هما المحور الأميركي الغربي والمحور الروسي الصيني إضافة إلى الحلفاء الإقليميين مع كلا المحورين، وبالتالي اذا توفرت الإرادة الاستراتيجية لأي من المحورين بالإضافة إلى توفر قوة الأزمة لإزاحة الطرف الثاني وتخليه عن بعض مواقفه في المنطقة.
2 – يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في الشرق الأوسط إداء هذا الدور من خلال توحيد الجهود ووضع استراتيجية واضحة يلتزم بها الجميع بالإضافة إلى توحيد القيادة والتي تكون بيد الولايات المتحدة الأميركية، حيث يستطيع هذا المحور ضبط حركة التوازن الدولي في المنطقة لاعتبارات تتعلق بتفوق هذا المحور على غيره لاعتبارات القوة والتأثير في الإقليمي فضلا عن التأييد الدولي الذي سوف تتلقاه دول هذا المحور بسبب النفوذ الأميركي المتصاعد في العالم([9]).
3 – يمكن لروسيا والصين أداء هذا الدور اذا تم الالتزام ببرنامج موحد يسير عليه الجميع بالإضافة إلى توحيد الهدف والانغماس الاستراتيجي الكثيف في المنطقة فضلا عن وجود القوى الحليفة لهذا المحور والمتمثلة بإيران وسوريا وبعض القوى المحلية، فالعائق الوحيد أمام هذا المحور هو التردد الصيني من الانغماس المباشر في المنطقة لاعتبارات استراتيجية تحسبها الصين وتخشى تداعياتها على إقليمها الشرق أسيوي.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول:
1 – من خلال دراسة ملامح الصراع الدولي في الشق الأوسط يمكن القول أن هذا الصراع هو الأشد عنفا قياسا بالصراعات الأخرى خارج إقليم الشرق الأوسط، ومع وجود اكثر من محور في مستنقع الصراعات يمكن القول أن حالة فرض إرادة محور على الأخر هو امر غير وارد في الوقت الحاضر وفي المد القريب حيث تسيطر الفكرة الصفرية على كلى الطرفين وهو ما ينعكس على حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
2 – يتساوى قوام القوة العسكرية لكلا طرفي الصراع في الشرق الأوسط فهناك وجود عسكري أميركي كما أن هناك وجود عسكري روسي إضافة إلى الوجود البحري الصيني والذي يعني استبعاد فكرة سيطرة محور أو تحالف على الأخر. فكلا الطرفين يخشى الانجرار إلى حرب إقليمية ذات مشاركة عالمية، بالإضافة إلى شبه التوازن العسكري الإقليمي الذي يجتاح الشرق الأوسط.
3 – تتجه الولايات المتحدة بثقلها الاستراتيجي إلى الإقليم الأكثر حيوية في العالم وهو إقليم شرق أسيا، حيث عدلت الولايات المتحدة سلم أولوياتها الاستراتيجية من خلال وضع إقليم شرق أسيا بالدرجة الأولى بدلا من الشرق الأوسط وهذا يعني استبعاد فكرة قيام الولايات المتحدة بتحشيد التحالف الإقليمي لموجهة التحالف الروسي والذي سوف يؤدي إلى ضبط حركة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط ([10]).
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط بنشوب تحالف قوى في المنطقة هو أمر غير متوقع الحصول في الأمد القريب ولكن يمكن أن يتحقق هذا السيناريو في الأمد المتوسط وذلك لاعتبارات عدة أولها عدم وجود قوة عالمية قادرة على تشكيل تحالف يضبط سير التوازن الإقليمي. فالولايات المتحدة تتبع استراتيجية الهيمنة بالشراكة من خلال القيادة من الخلف بواسطة الحلفاء الإقليميين فضلا عن توجهاتها الشرق أسيوية. أما بخصوص روسيا فهي غير قادرة على تحمل هذا العبء الكبير بسبب مقوماتها المحدودة من القوة، أما الصين فهي قوة عالمية غير مستعدة للانغماس المباشر في صراعات الشرق الأوسط لاعتباراتها الاستراتيجية.
المحور الخامس:
سيناريو ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط بقيام تحالفين إقليميين
ينطلق هذا السيناريو من فرضية مفادها أن ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط بقيام تحالفين إقليمين يضم معظم القوى الإقليمية الفاعلة والقوى العالمية الحاضرة، ففكرة هذا السيناريو هي أكثر مثالية من أن تكون واقعية حيث تدور حول قيام توازن إقليمي ودولي في نفس الوقت من خلال توازن القوى المرغوب فيه من قبل القوى الفاعلة يضم كلا من روسيا وحلفائها والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. حيث تعمد هذه القوى المتحالف على الإبقاء على حالة التوازن حاضرا في تفاعلاتها الإقليمية في الشرق الأوسط، فكل طرف يتعامل مع الطرف الأخر باستراتيجية لا تتخطى حدود التوازن المرسوم بين الطرفين، كما أن فكرة التوازن هذه تعتمد على استراتيجية إقليمية يتفق عليها كلا الطرفين وهو ما يعطي حالة من الثقة الاستراتيجية بين كلا التحالفين والذي يعني الاستمرار في ضبط حالة التوازن الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط ويمكن لهذا التوازن أن ينعكس بصورة إيجابية على بعض القضايا الخلافية في الساحة الدولية.
ويمكن أن نتطرق إلى اهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1 – استمرار حالة الانقسام والتشرذم التي تعصف بالشرق الأوسط والتي انعكست بشكل سلبي على حركة العلاقات الاقتصادية والتنمية نتيجة استفحال الصراعات الإقليمية والعالمية والتي أثرت حتى على القوى الدافعة بالصراع. بالتالي تدرك اليوم بعض القوى في المنطقة أهمية استرجاع التوازن المفقود من خلال ترتيب صيغة توازنيه تعتمد على الاتفاق الجماعي بين كلا الطرفين من اجل وقف إمداد دوائر الصراع واللجوء إلى ضبط حركة التوازن الإقليمي والدولي باستراتيجية توافقية ([11]).
2 – وجود محورين مختلفين في الرؤى والتوجهات الاستراتيجية وهو احد أسباب انعدام التوازن الاستراتيجي في إقليم الشرق الأوسط. ولكن الحسنة الوحيدة لهذه النقطة هي وجود محورين يمكن لهما أن يرتبا صيغة توازنيه في ما بينها من خلال الاتفاق الجماعي على وضع بنود ترسم الصيغة التوازنية لمرحلة ما بعد التصارع. فالنقطة الجوهرية لقيام هذا السيناريو هو وجود تحالفين يسودان المنطقة رغم وجود بعض التحالفات الفرعية قليلة التأثير على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط.
3 – رغبة القوى العالمية بالاشتراك في تحالفات استراتيجية يمكن لها التأثير غير المباشر على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط. فرغبة الولايات المتحدة الأميركية على القيادة من الخلف من خلال الاشتراك في تحالفات إقليمية توفر نوعا من المرونة الاستراتيجية للتوجه نحو نوع من التوافق الاستراتيجي مع الطرف الأخر الذي يمثله الطرف الروسي وحلفاؤه. فالرغبة الروسية في الاتفاق على صيغة توازنيه هي اقوى من غيرها فهي اليوم في موقف دفاعي أكثر منه هجومي وبالتالي فإن قيام هكذا تحالفات توازنيه تعتمد على الرغبة الثنائية بالإضافة إلى سيادة حالة من الثقة المتبادلة بين الطرفين.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول الاتي:
1 – اشتداد جبهة الصراع الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط بين المحور الأميركي وحلفائه من جهة وبين المحور الروسي وحلفائه من جهة أخرى. لا يوجد نية حقيقية لهذين المحورين بالاتجاه نحو التوافق والتصالح لإيجاد صيغة من التوافق المشترك بين الطرفين والاتجاه نحو تشكيل تحالف توازني، وبالتالي أن مؤشرات الصراع في المنطقة تنعكس بشكل سلبي على رؤية تشكيل تحالف توازني في منطقة الشرق الأوسط.
2- أن مجرد انقسام القوى العالمية والإقليمية في الشرق الأوسط إلى محورين متناقضين يعني استبعاد فكرة التوازن في علاقات الطرفين. فالانقسام الروسي – الأميركي يمثل بؤرة توتر الصراع الدائمة في المنطقة والذي يغذي الصراعات والانقسامات الإقليمية وبالتالي انعدام فرصة التوجه نحو التحالف التوازني في الشرق الأوسط.
3- أزمة انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة والتي تشكل عامل قلق بين القوى المنقسمة مما يستدعي اتساع دوائر الصراع بين الأطراف وهذا يعني انعدام توجه كلا الطرفين إلى الاتجاه نحو التحالف التوازني الذي يضم تحالفين متوافقين في الرؤى والأهداف في المنطقة ([12]).
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو ضبط حالة التوازن الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط بقيام تحالفين إقليميين، أمر مستبعد الحصول في الأمد القريب والمتوسط. حالة الشرق الأوسط اليوم لا تتوافق مع فكرة قيام تحالف توازني يضم كلا من الولايات المتحدة ومحورها، وروسيا ومحورها. ففكرة هذا السيناريو تنطلق من افتراضات مثالية في تفسير واقع الأحداث الإقليمية في الشرق الأوسط وبالتي لا تنطبق رؤى هذه الفكرة على الواقع الميداني في المنطقة.
المحور السادس :
ضبط حالة التوازن الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط بقيام شبه التوازن الجزئي
تنطلق فرضية هذا السيناريو من فكرة مفادها أن ضبط حالة التوازن الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط يتم بقيام شبه توازن جزئي بين القوى الفاعلة إقليمية منها وعالمية. فتتمحور حول اتجاه القوى المتصارعة في المنطقة إلى إيجاد نوع من شبه التوازن الجزئي والذي يعني دخول الشرق الأوسط إلى حالة من شبه التوازن والتي تقوم على أساسها صراعات إقليمية محجمة بإطار جغرافي معين بحث تتفق عليه جميع أطراف الصراع. فمجرد الاتفاق بين الأطراف يعني توجها نحو شبه التوازن الجزئي، والذي يعني أيضا الاتفاق على حالة توازن في إقليم داخل الشرق الأوسط دون الأخر. كما أن هذه الفكرة يمكن تقويمها في الإقليمية التي تستحوذ على أكثر عدد من الدوائر التصارعين كما في الشرق الأوسط الذي يعني كثرة الدوائر التصارعية فيه.
ويمكن أن نتطرق إلى أهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1 – استحواذ منطقة الشرق الأوسط على العدد الأكبر من الدوائر التصارعية والتي تعني إمكانية قيام أطراف الصراع بإيجاد نوع من حالة شبه التوازن الجزئي بين القوى المتصارعة. فكلما كان هناك أكثر من دائرة للصراع الدولي والإقليمي كانت هناك فرصة كبيرة لإيجاد هكذا نوع من شبه التوازن الجزئي من خلال الاتفاق على توازن في دائرة ما والتصارع في دائرة أخرى في الإقليم ذاته.
2 – القنوات الدبلوماسية التي طالما تواجدت توجد معها إمكانية نشوب حالة شبه التوازن الجزئي، واليوم هناك العديد من قنوات التفاوض الديبلوماسي بين أطراف النزاع، فلا يوجد انقطاع تام للاتصال بين أطراف الصراع في كافة الدوائر، ورغم الطابع الصفري لشكل الصراعات القائمة في الشرق الأوسط فلا زال هناك اتصال مباشر ونقاط حوار وبوادر انفراج لبعض الدوائر التصارعية في المنطقة ([13]).
3 – المناورة الاستراتيجية هي إحدى الدوافع الكبيرة لحث أطراف الصراع للتخلي عن بعض مواقفهم في دائرة ما للصراع من أجل دعم الدائرة الأخرى. فعامل التكتيك له حضوره من أجل التمسك بموقف دون أخر من أجل ضبط إيقاع التأثير والموقف لدائرة أكثر أهمية من الأخرى، حيث تتفاعل دوائر الصراع القائم في المنطقة في ما بينها من خلال الشد والجذب بين الأطراف والذي ينعكس بشكل إيجابي نحو إيجاد صيغة توازنيه لبعض الدوائر التصارعية دون الأخرى مما ينشئ صيغة من شبه التوازن الجزئي في الشرق الأوسط.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول الاتي:
1 – أن حالة شبة التوازن الجزئي بين القوى الفاعلة في إقليم الشرق الأوسط هي حالة هشة من الناحية الجيو أمنية. فإمكانية التخلخل وإعادة الصراع فيها أمر وارد وغير مستحيل، فلا يمكن التعويل على هكذا نوع من التوازن لضبط حركة التوازن والصراع في منطقة حساسة من العالم كمنطقة الشرق الأوسط والتي تعاني أصلا من تصدعات أمنية خطيرة.
2 – يوصف هكذا نوع من التوازن بصيغة مؤقتة وغير دائمة لوجود عامل المناورة الاستراتيجية السريعة من خلال إعادة الصراع مرة أخرى إلى نفس الدائرة المتفق عليها، فهذا النوع من التوازن يستخدم كأسلوب للمناورة الزمنية وكسب الوقت من اجل تأهيل الإمكانيات والرد في الوقت المناسب، وبالتالي هو أسلوب مؤقت لا يمكن الاعتماد عليه بشكل دائم.
3 – من خلال دارسة تفاصيل هذا التوازن لا يمكن أن تنطبق عليه مقايس التوازن الاستراتيجية بقدر ما هو عامل للمناورة والتفاوض الاستراتيجي حيث تقتضي ضرورات بعض القوى أن تلجأ إلى التخلي عن صراع من أجل التأثير على صراع أخر أكثر أهمية من الأول، كما يعاني شبه التوازن الجزئي من ضعف الصيغة الجيو أمنية التي تمثل العماد الاستراتيجي لأي توازن يقوم.
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو ضبط حالة التوازن الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط من خلال قيام شبه التوازن الجزئي هو أمر وقع في الوقت الحاضر. فمن خلال دراسة الأحداث وحيثيات دوائر الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة نجد أن هناك شبه توازن جزئي يسود المنطقة فهناك دوائر صراع متفق عليه من قبل الدول المتصارعة على أن يكون عليه حالة من شبه التوازن الجزئي في حين هناك دوائر أخرى تعاني من تفشي الصراع الإقليمي والدولي عليها.
المبحث الثاني
مستقبل الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
يندرج مستقبل الصراع الدولي في الشرق الأوسط تحت مؤثرات داخلية وإقليمية وعالمية حيث باتت ظاهرة الصراع الدولي ترسم مستقبل معالم المنطقة وشكل تكوين العلاقات السياسة الدولية. فمستقبل الصراع يتحدد مفهومه وفق معطيات البيئة الداخلية ومخرجات المؤثرات الخارجية، كما يصعب إيجاد سيناريو واضح يوصف شكل التفاعلات التصارعية بشكل واضح المعالم وذلك لكثرة الأحداث والمتغيرات العالمية التي تعصف في المنطقة بالإضافة إلى كثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين، ويمكن التطرق وتوصيف شكل ومستقبل الصراع في الشرق الأوسط من خلال السيناريوهات المستقبلية التي تحدد شكل معالم الصراع لفترة لا تتجاوز أكثر من العشر سنوات القادمة وهي كالاتي:
المحور الأول :
سيناريو انحلال وتلاشي ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
ينطلق هذا السيناريو من فرضية قوامها أن الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط متجه إلى طريق الانحلال والتلاشي النهائي، واتجاه المنطقة نحو العلاقات السلمية والتعاون والتعاضد بين القوى الإقليمية المتصارعة. كما ينطلق هذا السيناريو من فرضية التعاون الدولي في الشرق الأوسط والتوقف عن الصراع والتناحر بين القوى العالمية في المنطقة، وبالتالي أن السلام والاستقرار الذي تقتضيه فرضية هذا السيناريو يبنى على أساس السلام الذي ترسمه القوى العالمية في الشرق الأوسط والذي ينعكس بشكل مباشر على شكل الصراع، ومن هنا يمكن أن نتطرق إلى أهم المؤشرات الدافعة باتجاه هذا السيناريو وهي:
1 – اقتناع بعض القوى الإقليمية والعالمية بأن لا جدوى من الصراع والتناحر في المنطقة، فقد اتخذت القوى الإقليمية والعالمية من الحروب التي عصفت بالشرق الأوسط مثلا مخيفا لها فقد كلفت الحرب العراقية الإيرانية الشيء الكثير لكل من الدولتين بالإضافة إلى إرهاصات حروب الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة في أفغانستان والعراق والتي أثرت في مكانة الولايات المتحدة في العالم.
2 – التكلفة الاقتصادية والعسكرية وحتى السياسية التي سببها الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، فالتبعات الاقتصادية والعسكرية التي انعكست بشكل سلبي على القوى التي دخلت في حروب مباشرة تجعل من القوى الإقليمية العالمية تنفر من التدخل العسكري المباشر في ما بينها وبالتالي فإن هذا النفور والحذر من هذه القوى يمكن أن يؤدي إلى انحلال الصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط ([14]).
3 – انتصار أحد محاور الصراع في المنطقة على الأخر والذي سوف يؤدي بشكل طبيعي إلى انحلال الصراع وتلاشيه، وبهذه الحالة يمكن أن يتلاشى الصراع بشكل ديناميكي وسلس والذي يعني فرض إرادة أحد الأطراف على الأخر مما يعني رسم شكل دائرة التنازع بشكل منفرد والذي يؤدي بالصراع إلى الانحلال والتلاشي بشكل كلي.
أما نواقض هذا السيناريو فيمكن إجمالها بالآتي:
1 – انعدام أي بوادر ومؤشرات لانحلال الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
2 – استفحال ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة وانتشار رقعة التصارع بين الأطراف المتناحرة.
3 – انتشار ظاهرة الأحلاف الإقليمية والدولية التخندقات للتصارع والتصادم بين القوى العالمية والإقليمية.
4 – اتساع الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط واتساع التصارع والتناحر بين الأطراف المختلفة.
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو انحلال الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط وهو غير محتمل الحصول في الأمد القريب والبعيد، لاعتبارات تتعلق بمؤشرات تزايد وتصاعد وتيرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط على عدة جبهات تمتد من سوريا والعراق وصولا إلى اليمن والخليج وفلسطين ولبنان.
المحور الثاني:
سيناريو انحسار ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
يتطرق هذا السيناريو من فرضية انحسار ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، حيث يفترض بأن الصراع في المنطقة أيل إلى الانحسار الجزئي وتقلصه دون انحلاله وتلاشيه، فامر تقلص الصراع الدولي والإقليمي يعود إلى طبيعة التوازن بين القوى الفاعلة وطبيعة الصراع القائم نفسه. فهناك صراعات يمكن أن تتقلص بسبب حيثيات الصراع لا تتمتع بأهمية استراتيجية للقوة المتصارعة عليها. فالقضايا المصيرية والحساسة لا يمكن أن يتم التنازل عنها وبالتالي فإن هذا السيناريو ينطبق مع الصراعات غير الحساسة والتي يمكن التفاوض عليها ويمكن أن تحل بشكل ديبلوماسي، فهذا السيناريو يتوقع بأن أزمات الشرق الأوسط سوف تتجه نحو التلاشي والتقلص دون الانحلال من خلال اتجاه القوة الإقليمية والعالمية نحو المفاوضات والأسلوب الديبلوماسي لاقتسام المصالح في المنطقة. وبالتالي يمكن أن نتوقف عند أهم النقاط والمؤشرات المؤيد لفرضية هذا السيناريو في الشرق الأوسط بالآتي:
1 – اقتناع بعض الأطراف الإقليمية والدولية بضرورة الحوار والتفاوض من اجل الحصول على المكتسبات الاستراتيجية، فالتبعات السلبية التي نجم عنها الصراع الدائر في سوريا والعراق واليمن انعكست على داخل القوى الإقليمية في المنطقة، خصوصا في مجال الصراع بين الطوائف الداخلية والذي بدأ ينتشر ويضرب القوى الإقليمية المتصارعة كإيران وتركيا والسعودية.
2 – عدم دخول القوى العالمية والإقليمية بحروب مباشرة في ما بينها في المنطقة والاعتماد على الوكلاء المحليين وهو ما يفسر نفور هذه القوى من اللجوء إلى الحرب المباشرة للحصول على مصالحها الاستراتيجية، حيث تخشى جميع القوى المتصارعة من دخول في حرب مفتوحة والتي تعني الكثير من الخسارة العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية ([15]).
3 – الانعكاسات السلبية التي تسبب بها الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، والذي نجم عنه أثار خطيرة عصفت بالأوضاع الإقليمية نحو الخطر، وتخوف بعض القوى الإقليمية بضرورة الكف عن الصراع والتنافس والاتجاه نحو التوازن والتفاوض.
أما نواقض هذا السيناريو فيمكن تحديدها بالآتي:
1 – من خلال متابعة مجريات الصراع في الشرق الأوسط يمكن القول أن الأحداث في المنطقة تتطور نحو المزيد من التأزم والذي يعني المزيد من الصراع والأزمات الإقليمية.
2 – أن خارطة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط والتي يمكن توصيفها بالصراعات الاستراتيجي هي بالحقيقة لا تقبل التنازل ولا التفاوض السهل بين الأطراف المتناقضة فأطراف الأزمة السورية لا أحد منهم يرغب بالتنازل للطرف الثاني وكذلك الحال في القضية الفلسطينية والأزمة اليمينة أيضا.
3 – أن الأطراف الدافعة للصراع وتحديدا القوى العالمية (الولايات المتحدة وروسيا) تدفع بالوكلاء نحو المزيد من التصادم والتصارع في ما بينهم، أي أن مصالح القوى العالمية تقتضي دون انحسار الصراع فهي تفتح دوائر الصراع في الشرق الأوسط حسب مصالحها وتكتيكاتها الاستراتيجية في المنطقة.
وأخيراً يمكن القول أن سيناريو انحسار ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط هو أمر غير وارد في المستقبل القريب والبعيد أيضا، فالأطراف الإقليمية والعالمية عاقدة العزم على عدم التنازل والتراخي أمام الطرف الأخر وهو ما يعني استبعاد هذا السيناريو والذي يمثل تفسير مستقبلي مثالي لمجريات الأحداث على الساحة الإقليمية.
المحور الثالث :
سيناريو بقاء ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط كما هي عليها الأن
ينطلق هذا السيناريو من فرضية قوامها أن ظاهرة الصراع الدولي في منطقة الشرق الأوسط سوف تبقى كما هي دون أي تغيير في شكل الصراع القائم أو مظهره، ويتمحور هذا السيناريو من حالة من التوازن العالمي بين القوى. فرغم أن الولايات المتحدة تعتبر الدولة الأقوى في العالم إلا أنها بدأت في التراجع مع ظهور قوى عالمية تزاحمها على الزعامة والنفوذ العالمي كالصين وروسيا ومجموعة دول البريكس. وعلى صعيد الصراع في الشرق الأوسط فإن دائرة الصراع سوف تشهد حالة من عدم التغيير وبقاء الأوضاع على ما هو علي نتيجة وجود قوى عالمية مزاحمة للولايات المتحدة في نفوذها الإقليمي. فحالة عدم التغير في الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة تنبع من الركود الاستراتيجي الذي يعصف بالنظام الدولي، فلا يوجد هناك تغييرات جذرية يمكن لها أن تغير في شكل ملامح النظام الدولي والذي سينعكس على دائرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، وانطلاقا من أساس هذه الفرضية يمكن تحديد دواعم هذا السيناريو بالآتي:
1 – أن حالة النظام الدولي التي تسود السياسة الدولية تعاني من حالة من الركود الاستراتيجي أي انعدام وجود قوة خارجة قادرة على اللحاق والتغيير والتأثير القوي على حالة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط.
2 – الاتفاق الفردي لجميع أطراف دائرة الصراع في الشرق الأوسط بضرورة الإبقاء على حالة الصراع الدائر والحذر من الانجرار إلى التغير الكبير والمؤثر والذي يؤدي إلى رد فعال قوي من الطرف الأخر والذي يمكن أن يؤدي إلى انتشار ظاهرة الصراع ودخول حرب كبرى مفتوحة بين جميع اطرف الصراع ([16]).
3 – التوازن النسبي لبعض قوى الشرق الأوسط والذي فرض نوعا من حالة الاستقرار الجزئي والذي أدى إلى إبقاء دائرة الصراع في الشرق الأوسط في مكامنها دون أن تتوسع بالإضافة إلى إبقاء شكل الصراع على حالة الصراع بالوكالة.
4 – التقييم العاقل والحذر للقوى العالمية والإقليمية بأن أي تغيير في دائرة الصراع في الشرق الأوسط سوف يكون له عواقب إقليمية وعالمية كبيرة وبالتالي يتفق جميع الأطراف على الإبقاء على حالة الصراع دون المساس بها.
أما نواقض هذا السيناريو فتتحدد بالآتي:
1 – تحاول الولايات المتحدة أن تغذي الصراعات الإقليمية في المنطقة من أجل ألا ينعكس هذا على مكانتها الريادية في النظام الدولي وبالتالي فإنه كلما كانت الصراعات أوسع واكبر استطاعت أن تخفف الضغوط الاستراتيجية عليه من قبل الدول المزاحمة لها وفي مقدمتها الصين وروسيا.
2 – الدول الإقليمية الراعية للصراع الإقليمي في المنطقة غير قانعة بمكانتها الإقليمية في المنطقة وهي بالتالي تحاول أن توسع من دائرة الصراع من اجل الحصول على بعض المكاسب الاستراتيجية لها وبالتالي تنعكس هذه التوجهات على جمود ظاهرة الصراع وتؤدي إلى تطوره وانتشار رقعته ([17]).
3 – المعادلة الصفرية التي تسود بين علاقات القوى الإقليمية حيث انعدام الثقة والذي شكل صراعا شديد اللهجة انعكس بشكل سلبي على تطور ظاهرة الصراع في المنطقة.
فكل طرف لا يرغب بالتنازل للطرف الأخر وبالتالي هذه الأطراف ساهمت وسوف تساهم بافتعال المزيد من الصراعات.
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو بقاء ظاهرة الصراع بين القوى العالمية الإقليمية في الشرق الأوسط هو أمر وارد في الأمد القريب لاعتبارات تتعلق بطبيعة المتغيرات الدولية المحيطة بالصراع القائم في المنطقة، فكل الدلائل تشير إلى استمرارية الصراع وإبقاء الأوضاع الإقليمية على ما عليها الأن وبالتالي فإن فرضية هذا السيناريو تتمتع بقبول من قبل الباحث نظرا لتوافق نظرة التحليل الاستراتيجي مع مقتضيات الأوضاع الإقليمية والدولية.
المحور الرابع:
سيناريو انتشار ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
ينطلق هذ السيناريو من فرضية قوامها أن ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط تتجه نحو الانتشار والتوسع في الإقليم وخارجه، حيث تستمد دوافع هذا السيناريو من مقتضيات البيئة الإقليمية والدولية والتي تعاني من حالة من التشنج والتصارع بين القوى الإقليمية والعالمية. النظام الدولي في الوقت الحاضر تعاني انعدام استقرار نتيجة التراجع الجزئي للولايات المتحدة الأميركية وصعود قوى عالمية أخرى تحاول أن تزاحم الولايات المتحدة على المكانة والريادة والذي ينعكس بشكل سلبي على ظاهرة الصراع في المنطقة والذي يعني اتجاه الصراع في الشرق الأوسط إلى أبعد من المنطقة. فالتضارب بالمصالح بين القوى العالمية والإقليمية على الصعيد الدولي يدفع بالصراع إلى الانتشار من خلال فتح ساحات الصراع على مختلف الأقاليم الاستراتيجية من العالم، وبالتالي فإن هذا السيناريو ينطلق من المدرسة الواقعة في تفسير شكل العلاقات الدولية الحالية وتفسير حالة السياسة الدولية التي تتجه نحو المواجهة المباشرة، أي أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو توسيع في رقعة الصراعات لتمتد إلى أبعد من هذا الإقليم، ويمكن الاستناد إلى دواعم هذا السيناريو وهي كالاتي:
1 – اشتداد حالة الصراع بين القوى العالمية المتنافسة على الساحة العالمية وخصوصا بين روسيا من جانب والولايات المتحدة من جانب أخر. حيث تثير حالة التشنج بين هذه القوى إلى تفاقم ظاهرة الصراع الدولي بين القوى المتصارعة والذي ينعكس بشكل كبير على انتشار ظاهرة الصراع إلى أقاليم أخرى استراتيجية من العالم غير إقليم الشرق الأوسط.
2 – تفاقم حالة الصراع في منطقة الشرق الأوسط وانتشارها إلى أكثر من دولة حيث انتشر من أفغانستان والعراق إلى سوريا واليمن ولبنان، ومن خلال ذلك يمكن القول أن ظاهرة الصراع تنتشر إلى العمق الإقليمي في المنطقة بالإضافة إلى توجهها إلى خارج إقليم الشرق الأوسط ([18]).
3 – يمكن القول أن الأزمة الأوكرانية هي دليل أخر على أن ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط انتشرت إلى الأقاليم الاستراتيجية الأخرى من العالم، حيث انعكست الأوضاع في الشرق الأوسط بشكل سلبي على انتشار الصراع الذي عصف بإقليم شرق أوروبا.
4 – الحالة الانتقالية التي تعصف بتركيبة النظام الدولي. فالإرهاصات التي وقعت بها الولايات المتحدة نتيجة حروبها في العراق وأفغانستان نجم عنها ظهور قوى عالمية تطمح بمزاحمة الولايات المتحدة على سلم النفوذ والريادة العالمية، وبالتالي فإن القوى أنفة الذكر تدرك أهمية الصراع كمخرج لتحديد قوة القوى العالمية ومكانتها الجديدة في النظام الدولي، أي أن القوى العالمية تجعل من الصراع أداة لتبوء مكانتها في النظام الدولي.
أما نواقض هذا السيناريو فتتحدد بالآتي وهي:
1 – تعد منطقة الشرق الأوسط بمثابة منطقة رخوة من الناحية الجيو أمنية، أي أنها تعاني من حالة من الخلل في منظومة الأمن الاستراتيجي وبالتالي فإن حالة الصراع الدولي التي تعيشها المنطقة هي نتيجة داخلية أكثر منها خارجية، وبالتالي فإن مسالة انتشار الصراع من منطقة الشرق الأوسط هو أمر ضعيف الحصول.
2 – بعض القوى العالمية تستبعد فكرة استحصال الصراع خارج منطقة الشرق الأوسط لأسباب تتعلق بانعدام وجود قوى وكيلة تتحمل عناء الصراع والحروب الثقيلة، وبالتالي فإن ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط هي قرار داخلي إقليمي قبل أن يكون قرار خارجي فالقوى الإقليمية الشرق أوسطية هي التي تتجه نحو الانجرار إلى الحرب والصراعات بدفع من القوى الإقليمية.
3 – تخوف القوى العالمية من الانجرار إلى مستنقع الحروب المباشرة فتفضل حصر الصراع الدائر بينها في مناطق محددة من منطقة الشرق الأوسط، حيث تحذر الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية من الانجرار إلى حرب بشبيه بحرب العراق وأفغانستان والتي سوف تنعكس سلبا على مكانة هذه القوى في النظام الدولي ([19]).
ويمكن القول أن سيناريو انتشار ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط هي محتملة الحصول في الأمد القريب والمتوسط وذلك لتقارب الرؤى مع مخرجات التفاعل الدولي على الساحة الإقليمية والدولية. فالبيئة الدولية تعاني من انقسام واضح بين روسيا وحلفائها والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وبالتالي فإن احتمال نشوب صراع في أي منطقة خارج إقليم الشرق الأوسط هو احتمال وارد الحصول في أي وقت.
المحور الخامس :
انتقال ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي من الشرق الأوسط
يتمحور هذا السيناريو من فرضية مفادها أن ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط تتجه نحو الانتقال من منطقة الشرق الأوسط إلى مناطق وأقاليم أخرى. فالصراع الدولي في المنطقة يتجه نحو الانحلال منها والانتقال إلى أقاليم أكثر أهمية من الشرق الأوسط، حيث تتزاحم القوى العالمية على مناطق اكثر أهمية من الشرق الأوسط كمنطقة شرق أسيا التي أصبحت منطقة تزاحم استراتيجي بين أميركا والصين وروسيا والقوى الإقليمية المتواجدة هناك، بالإضافة إلى منطقة أوروبا الشرقية والتي باتت تحتل اهتمام القوى العالمية المحركة لأغلب الصراعات الإقليمية وبالتالي فإن الأهمية الاستراتيجية لإقليم الشرق الأوسط بدأت تتزحزح من اهتمام القوى الكبرى وهو ما يفسر لجوء أميركا إلى التوجه نحو منطقة شرق أسيا والتقليل من انغماسها في ملفات المنقطة، ومن هنا يمكن التطرق إلى أهم الدواعم والمؤشرات الدالة على صحة هذا السيناريو وهي كالاتي:
1 – ظهور أقاليم استراتيجية اكثر أهمية من إقليم الشرق الأوسط، حيث تتجه بعض القوى العالمية على التصارع نحو أقاليم أخرى وبالتالي يمكن أن ينتقل الصراع من الشرق الأوسط إلى هذه الإقليم بسبب انعدام الأهمية الاستراتيجية لإقليم الشرق الأوسط والذي سينعكس بشكل كبير على دوائر الصراع في المنطقة من خلال انتقال هذه الصراعات إلى دوائر أخرى أكثر أهمية.
2 – اتساع بؤر الصراع في السياسة الدولية الذي يعني لفت الأنظار عن الصراعات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، والاتجاه نحو افتعال صراعات جديدة في مناطق أخرى لضرورات استراتيجية تتعلق بحسابات القوى العالمية ومصالحها. بالتالي أن اتساع بؤر الصراع خارج إقليم الشرق الأوسط يعني انتقال الصراع من دوائر الأزمات الإقليمية إلى دوائر جديدة خارج المنطقة ([20]).
3 – أن مسألة انتقال الصراع خارج إقليم الشرق الأوسط تتعلق بأهمية دوائر الصراع نفسها، أي كلما قلت أهمية المسألة أو القضية المتصارع عليها كلما كانت فرصة انتقال الصراع خارج إقليم الشرق الأوسط كبيرة فعامل الأهمية الاستراتيجية للصراع يلعب دورا كبيرا في انتقال الصراعات من منطقة إلى أخرى.
أما نواقض هذا السيناريو فتتحدد بالآتي:
1 – أن حالة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط لا يمكن لها الانتقال بسهولة دون عواقب تأخر تلاشي حالة الصراع بين الخصوم، بمعنى أن الانتقال لا يعني انحلال الصراع من مكانه السابق وبالتالي حتى إذ ظهرت صراعات دولية وإقليمية في أقاليم أخرى من العالم هذا لا يعني انعدام حالة الصراع في المنطقة.
2 – من خلال دراسة دوائر الصراع الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط يمكن القول أن هذه الدوائر لا تقبل الحال بسرعة كما أنها لا تقبل التفاوض على حيثياتها الاستراتيجية فالصراعات الإقليمية الدائرة اليوم هي صراعات حساسة وبالتالي أطراف الصراع لا نية لهم بحل هذه الصراعات بسهولة وسلاسة.
3 – لا زالت منطقة الشرق الأوسط تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة لدى القوى العالمية المتصارعة فكونها منطقة جيو استراتيجية عالمية تمتلك أيضا مخزون من الطاقة تعتمد عليه أغلب القوى الكبرى في العالم وبالتالي، من المستحيل أن تترك القوى العالمية اهتماماتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وهذا يعني استمرار ظاهرة الصراع الدولي في المنطقة بسبب تصارع القوى العالمية مع وكلائها الإقليميين من أجل اقتسام النفوذ والمصالح في ما بينها.
ويمكن القول أن سيناريو انتقال ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي من الشرق الأوسط وهو أمر محتمل الحصول في الأمد البعيد حيث أن طبيعة الأحداث الدولية تقتضي الانفتاح على كل الخيارات، فيمكن أن ينتقل الصراع الدولي من الشرق الأوسط. ولكن إذا توفرت الظروف الملائمة والتي تجعل من المنطقة طاردة للصراعات الدولية فإن هذا الاحتمال وارد ولكن ليس في الأمد القريب ولا المتوسط.
المحور السادس :
تطور ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط
تنطلق فرضية هذا السيناريو من فكرة مفادها أن ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط تتجه نحو التطور أي اتخاذها وسائل أخرى غير الوسائل المستخدمة في العملية التصارعية بين الأطراف المتناحرة، حيث يتجه الصراع الدولي في المنطقة إلى اتخاذ وسائل مختلفة من خلال تطور الظاهرة التصارعية نفسها. فعلى سبيل المثال كانت الوسائل التصارعية في منطقة الشرق الأوسط تعتمد على الوسائل الإيديولوجية التي تتعلق بالقومية العربية حيث كانت دوائر الصراع مع كل من إيران وإسرائيل تنتهج القومية كوسيلة لتفعيل الصراع وجذب الأنصار بين الخصوم المتفرقة، أما اليوم فالظاهرة التصارعية المنتشرة في إقليم الشرق الأوسط يتمحور حول الدين والطائفة الدينية كوسيلة لتفعيل الصراع بين الأطراف. وبالتالي يفترض هذا السيناريو أن الظاهرة التصارعية يمكن أن تتطور وتتخذ أشكال مختلفة عما هي عليه الأن فيمكن أن تكون الصراعات الدولية والإقليمية ذات وسائل اقتصادية أو غيرها من الوسائل لتفعيل الصراع القائم بين القوى المتناحرة في المنطقة، ومن هنا يمكن الاستناد إلى دواعم هذا السيناريو وهي بالآتي:
1 – التطور القائم بظاهر الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة، حيث اتخذت ظاهرة الصراع في المنطقة منحنيات مختلفة بدءا بالقومية التي كانت محرك الصراع في المنطقة مع ايران وإسرائيل في العقود السابقة وبعد دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان والعراق اتجهت دوائر الصراع إلى تبني الأيدلوجية الدينية كمحرك للصراعات الإقليمية في المنطقة، وبالتالي يمكن أن يتحول الصراع ويتخذ من وسائل أخرى غير الأيديولوجية الدينية ([21]).
2 – أن من يحرك الصراع في المنطقة هو عامل الصراع للقوى الإقليمية والعالمية وبالتالي فإذا اقتضت مصالح هذه القوى أن تتطور ظاهرة الصراع واتخاذها أشكال متغيرة عن الأشكال التي ما عليها الأن، وبالتالي فان التغير وعدم الثبات هي من خصائص النظام الدولي الحالي كما أن التطور في الظاهرة التصارعية نجم عن التطور في السياسات والاستراتيجيات المستخدمة لكل قوى في النظام الدولي وبالتالي يأتي التطور بشكل ديناميكي في السياسة والمنازعات الدولية.
3 – تمثل ظاهرة التطور في الظاهرة التصارعية ركنا أساسيا لتطور حركة الصراعات والحروب بين القوى، فالحركة التطورية للصراع في الشرق الأوسط مستمرة وغير متوقفة، وبالتالي أن التطور في الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط يمر بمرحلة تتجه نحو اتخاذ منحنيات مختلفة غير الموجود حاليا في الصراع القائم في المنطقة.
أما نواقض هذا السيناريو فتتمحور حول:
1 – أن الأطراف المتنازعة اختارت شكل منحنى الصراع القائم في الشرق الأوسط وبالتالي هي وحدها القادرة على تحديد مسارات الصراع وتطوره في إقليم الشرق الأوسط ونقصد هنا الأطراف الإقليمية والعالمية التي تسهم وتغذي الصراع القائم في الشرق الأوسط، فالتطور القائم في منحنيات الصراع يعتمد على إرادة القوى المتصارعة.
2 – يعد العامل الأيديولوجي الديني في الشرق الأوسط من المسائل الحساسة والتي لا تقبل المساس بها من قبل جميع القوى الإقليمية وبالتالي يمثل هذا العامل قوة جوهرية ومحركا استراتيجيا للصراع الدولي القائم في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن القوى الإقليمية والعالمية المتصارعة في الشرق الأوسط تحافظ على الصراع القائم على أساس ديني سعيا منها لديمومة الصراع والحصول على فرص أكبر من المصالح وكسب الراي العام الشعبي.
3 – من خلال تقييم حالة الصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط يمكن القول أن فرضية هذا السيناريو مستبعدة الحصول بسبب ضعف وبطء التطور الذي من المفترض أن يعصف بالصراع القائم في المنطقة، أي لكي يتطور الصراع القائم في المنطقة ويتخذ منعرجات مختلفة عن ما هو عليه الأن يجب أن تمر على المنطقة حالة من التغير السريع والجدي بموازين القوى بالإضافة إلى وجود قوى خارجية من المنطقة تفرض المنحنى الذي تريد ترسيمه لتطور الصراع في المنطقة.
وأخيرا يمكن القول أن سيناريو تطور ظاهرة الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط هو أمر وارد الحصول في الأمد القريب والمتوسط والبعيد، فمسالة تطور الصراع لا تبنى على أسس جوهرية بحيث لا يمكن لأطراف الصراع التنازل عنها وبالتالي، اذا أرادت القوى العالمية والإقليمية تطوير منهجية الصراع الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط عما عليها الأن فعليها أن تتبع إرادة التغير وتضع شكل المنحنى الذي تريد تطبيعه.
الخاتمة
تعاني المنطقة اليوم من انعدام توازن استراتيجي حقيقي، وفي هذه الحالة تسود حالة من شبه التوازن الجزئي بين الأقطاب الإقليمية، وبالتالي فإن هذه الأقطاب قد انجرت إلى الاصطدام الاستراتيجي في ما بينها. فالقطب القوي يحاول التوسع على حساب الأخرين والحفاظ على مكانته، بينما القطب الأضعف يحاول أن يزحزح مكانة القطب الأقوى إقليميا، ولهذا فإن لحالة انعدام التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط سببين استراتيجيين، يتمثل الأول في اضمحلال قوة العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، والسبب الثاني تقهقر الوجود الأميركي في المنطقة، الذي كان يمثل عامل توازن وردع استراتيجيين. كما أن حالة شبه التوازن الجزئي في المنطقة مهدد في أي لحظة بالانهيار، وذلك بفعل التناقضات السائدة حاليا في طور الأحداث في هذه المنطقة الحيوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى