الجزائر من الداخلقانون وعلوم سياسية و إدارية

ما هي التربية و مفهوم التعليم و دور الحكومة

 
عصام خربوش
سعيا وراء الانضباط المنهجي في إنجاز البحوث والدراسات، لابد من رفع كل لبس يشوب المفاهيم الأساسية ضمن الإشكال الذي يحتاج إلى فك خيوطه المتشابكة. وفي هذا الصدد، ترتكز النظريات في علوم التربية عبر العالم على عدة مفاهيم أساسية كالتربية والتعليم والمنظومة التربوية، موضوع هذا المقال.
* مفهوم التربية
تحمل كلمة التربية معناها اللغوي وآخرا اصطلاحيا، فمن الناحية الأولى، تعني التربية الزيادة والنمو، وتدل أيضا على الرعاية والإصلاح. أما اصطلاحا فهي تنطوي على تعدد في معانيها، وهو نابع من طبيعة فهمنا الذي يختلف باختلاف العصور والحضارات.. وهكذا، “فإن مفهوم التربية لدى المربين قد يضيق ليركز على مستوى واحد، هو الجانب العقلي والمعرفي أو يتسع ليشمل أكثر من جانب فيصبح مفهوما عاما وشاملا، يقصد به تنمية الكائن البشري وترقيته حتى يبلغ كماله الممكن بشكل متكامل، أي دون إغفال لأي جانب من جوانب شخصيته. فرعاية الجسم و تنميته لا تقل أهمية عن تنمية العقل وتهذيب الخلق والروح معا. وبذلك تتجسد التربية من خلال نمو الكائن البشري لتصل به إلى درجة الكمال الممكن جسميا، عقليا، وجدانيا، اجتماعيا.. وهذا هو المدلول الشامل للتربية في فكرنا التربوي المعاصر”.
حسب ” إيميل دوركاييم “، تقتصر التربية على ما يمارسه الراشد من تأثير على الطفل أو المراهق لكي يندمج في المجتمع، فهي تهيئ الوسائل الخاصة بالتكوين ونماء العقل وتهذيب الإحساس والارتقاء بالأخلاق عند الطفل أو المراهق. وذلك بتوجيهه اعتمادا على إمكانياته ككائن .
يبدو أن دوركاييم – بحصره للفعل التربوي بين علاقة ثنائية راشد/ مراهق أو طفل- يجعل من التربية صناعة تعيد إنتاج نفس المنتوج، وهذا له معناه الواضح، هو أن “تطور البشرية سيبقى ملازما لنفس النقطة”.
ويوجد نوعان من التربية، نوع أملته ضرورة الاستجابة لغايات محددة، أي أنه عمل ممنهج ومنظم في إطار قوانين ووفق مناهج وخطط دراسية عبر مراحل متدرجة. وكل ذلك يتم في إطار سياسة تربوية معينة.
أما النوع الثاني، فقد ظهر بدوره لتلبية حاجيات معينة، لكنه يختلف عن النوع الأول في كونه عرضي وتلقائي، كما أن أثره أشد وقعا، لأن مصادر الفعل التربوي هنا هي مؤسسات مجتمعية متعددة ولكل مؤسسة تأثيرها الخاص كالأسرة، الدين، الرفاق،المؤسسات الثقافية، التأطير السياسي والنقابي…
* مفهوم التعليم
من الصعب الوقوف على الحدود التي تفصل بين معنى التربية وما يعنيه التعليم، إلا أن الأولى تبقى أعم وأشمل من الثاني، فالعلاقة بينهما هي علاقة الكل بالجزء. فإذا كانت وظيفة تعليم المعارف تهتم بالظواهر عند المتعلم، فإن وظيفة التربية هي تحيط بجوهره أي ذاته ككل.
في هذا السياق ،يذهب “أوليفي روبول” إلى أن مصطلح التعليم مشتق من “علم” أو “درس”، ويدل على تربية مقصودة، و أنه نشاط يمارس في مؤسسة أهدافها واضحة ومناهجها مرموزة بإشراف محترفين في الميدان. ربى و علم هما إذن نشاطان مختلفان.
ويصنف التعليم إلى عدة فروع بحسب معايير محددة ندرجها كما يلي :
• من حيث الجهة التي تتولى الإشراف، ينقسم التعليم إلى تعليم عمومي تشرف عليه الدولة أو سلطة عمومية، وتعليم خاص تحت إشراف شخص طبيعي أي أحد الأفراد أو شخص معنوي خاص كالشركات الخاصة والجمعيات…
• من حيث العامل الزمني، هناك التعليم الأولي الذي يوجه للبراعم غير البالغين سن التمدرس. و كذا التعليم المدرسي الذي يضم ثلاثة مراحل، هي طور التعليم الابتدائي وطور التعليم الإعدادي، حيث يشكلان ما يطلق عليه – في العديد من البلدان مثل المغرب- بالتعليم الأساسي، ثم التعليم الثانوي، وكطور أخير، التعليم الجامعي أو التعليم العالي بصفة عامة.
• من حيث الموضوع، فإن التعليم إما يكون تعليما عاما، يشمل مواد دراسية متنوعة أو تعليم له طبيعة تقنية.
وينضاف إلى هذه الأصناف، صنف آخر وهو تعليم الكبار الذي يعد عملية تكيف ثقافي واجتماعي وسياسي ومهني مستمرة مدى الحياة.
* مفهوم النظام التربوي
يعرف معجم التقويم التربوي النظام أو النسق بأنه “كل مؤلف من عناصر متساندة ومترابطة، وهي في تفاعل مستمر. وكما أشار ” مينون ” إلى ذلك “فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن نسق حقيقي، إلا إذا كان الفعل الخاص لمختلف العناصر نتاجا للتفاعلات بين تلك العناصر، تلك التفاعلات التي تخضع لمنطق خاص بها” .
وفي ضوء هذا التعريف يتبين بأن المنظومة تتشكل من عناصر لها وظائف محددة تعمل بحكم طبيعتها الخاصة على بلورة و إنجاز الفعل ذاته، وفي حالة وجود خلل ما على مستوى أحد عناصر المنظومة أو الوظائف التي تضطلع بها، فإن ذلك ينعكس على أدائها العام بشكل أو بآخر.
ومن البديهي أن تكون المنظومة التربوية على جانب كبير من التعقيد، إذ تتعدد مؤسساتها لتشمل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام… وهي مؤسسات اجتماعية تؤلف مصدرا لتدفق القيم وصياغة نماذج السلوك والتصرف داخل المجتمع، فالتفاعلات التي تحصل بين مكونات المنظومة التربوية تنتهي في الأخير إلى تكريس تيار معين موسوم بخصائص البيئة الثقافية التي تلف هذه المنظومة. ”
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى دراسة أساليب التنشئة وصلتها بالشخصية القومية وتقويمها لتحقيق الملائمة السليمة بينها. واعتماد هذه الدراسة كأساس لبرامج توجيه الآباء والأمهات في أصول التنشئة السليمة، وجعل التربية المدرسية مجالا من مجالات هذا التوجيه” . و إذا كان هدف المنظومة التربوية هو بناء قالب ثقافي ما، فإن غاية المنظومة التعليمية هي تنمية قدرات ومعارف ومواهب المتعلمين بقدر يتسع ويضيق حسب مفهوم التربية الذي تستند عليه المنظومة التعليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى