أخبارمجتمع

ماهي نظرية الجندر ؟

نظرية الجندر

نظرية الجندر (١)

جوديث بتلر
ترجمة: حسام جاسم (٢)

ما هي نظرية الجندر (gender)؟
هناك العديد من النظريات المختلفة حول الجندر، ونظريتي هي واحدة فقط.
ففي بعض الأحيان، الأشخاص الذين يكرهون الجندر للغاية يطلقون علي اسم الشخص الذي اختلق هذا الأمر ولكن هذا في الواقع ليس صحيحًا.

وكما تعلمون، من وجهة نظري، كل شخص لديه نظرية حول الجندر، وما أعنيه بذلك هو أن كل شخص لديه افتراضات معينة حول ماهية الجندر أو ما ينبغي أن يكون عليه.
وفي مرحلة معينة من الحياة، نسأل أنفسنا، “واو، من أين أتى هذا الافتراض؟” أنا في هذه المرحلة أقل اهتمامًا بمن نظريته صحيحة ومن نظريته خاطئة لأن الاعتداء على الجندر هو أيضًا اعتداء على الديمقراطية. حيث نحن نمتلك القوة والحرية لنصنع حياة أكثر ملاءمة لأنفسنا، وحيث يمكن للأجساد أن تكون أكثر حرية في التنفس، والتحرك، والحب دون تمييز ودون خوف من العنف.

أنا جوديث بتلر (Judith Butler)، أستاذة متميزة في كلية الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. أقوم بتدريس الأدب والفلسفة والنظرية النقدية، وأنا مشهورة جدًا بكتابي عن الجندر: “قلق الجندر” و”الأجساد التي تهم” منذ أوائل التسعينيات. حيث تمت ترجمة أعمالي إلى أكثر من 27 لغة.

الجنس والجندر: ما الفرق؟
أصر على أن ما يعنيه أن تكون امرأة،
أو في الواقع ما يعنيه أن تكون رجلاً أو أي جندر آخر، هو سؤال غير مقيد ومفتوح الطرف.

لدينا مجموعة كاملة من الاختلافات، ذات طبيعة بيولوجية، لذلك لا أنكرها، لكنني لا أعتقد أنها تحدد هويتنا ومن نحن بطريقة نهائية.

وفي قلب هذه الخلافات والجدالات يكمن التمييز بين الجنس والجندر. ولكن ما هو هذا التمييز؟ وكيف نفكر في ذلك؟

الجنس بشكل عام هو فئة مخصصة للمواليد وله أهمية في الشأنيين الطبي والقانوني. اما الجندر فهو مزيج من المعايير الثقافية والتكوينات التاريخية والتأثير العائلي والحقائق النفسية والرغبات والشهوات. ولنا رأي في ذلك.

التعلم من الإبادة الجماعية:
تأثرت حياتي المبكرة بفترة الستينيات والحركات الاجتماعية التي تشكلت خلال تلك الفترة.

لقد نشأت في الجانب الشرقي من كليفلاند، وكنت جزءًا من مجتمع يهودي، وبمرور الوقت عندما كنت في المدرسة الثانوية، كنت ناشطة سياسية. لكنني كنت أتلقى أيضًا دورات جامعية في الفلسفة.

في العشرينات من عمري، أدركت أن اليهود لم يكونوا وحدهم من اعتقلهم النظام النازي وأبادهم.
ولكن كان هنالك أشخاصًا من مجتمع الكوير (queer)، ومثليين/مثليات، وأشخاصًا ذوي إعاقة، وأشخاصًا يعانون من أمراض، وعمال بولنديين، وشيوعيين.
وكان إحساسي هو أن المرء بحاجة إلى توسيع العدسة ورؤية أن الكثير من الناس قد تعرضوا لسياسات الإبادة الجماعية وفهم أن هناك أشكالًا مختلفة من الاضطهاد.
وظللت مقتنعه بأن المرء يحتاج إلى معرفة التاريخ للتأكد من عدم تكراره، وأن المرء يريد العدالة ليس فقط للجماعة التي ينتمي إليها، ولكن لأي جماعة تعاني بطريقة مماثلة.

نظرية الكوير (queer) في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين:
في السبعينيات والثمانينيات، كنت جزءًا من حركة الأشخاص الذين كانوا يعيدون التفكير في الجندر خلال تلك الفترة. حيث كانت نظرية الكوير مستجدة. وكان هناك مناقشات معقدة مع النسوية. ولم تكن قضايا العابرين جندريًا (Trans) قد ظهرت بعد كجزء من واقعنا المعاصر، لذا كانت تلك لحظة طرحنا فيها أسئلة مثل: “ماذا صنع منا المجتمع، وماذا يمكننا أن نصنع ونكوّن من أنفسنا؟

كان هناك العديد من الأنواع للحركة النسوية التي كنت أميل إلى معارضتها. حيث ترى إحداها أن النساء في الأساس أمهات وأن الأمومة هي جوهر الأنوثة. ثم يعتقد نوع آخر أن النسوية كانت تدور حول الاختلاف الجنسي، لكن الطريقة التي حددت بها الاختلاف الجنسي كانت دائمًا بشكل إفتراضي للمغايرين جنسيًا (heterosexual). وكلاهما صدمني على أنهما مخطئان. فلقد كنت ملتزمة للغاية بفكرة أنه لا ينبغي التمييز ضد الأشخاص على أساس ما يفعلونه بأجسادهم، أو من يحبون، أو كيف يتحركون، أو كيف يبدون. كل ما كنت أقوله هو أن الجنس الذي تم تعيينه لك عند الولادة والجندر الذي تعلمت أن تكون عليه، لا ينبغي أن يحددا كيف تعيش حياتك.

أفكار كبيرة في تطور نظرية الجندر:
في بعض الأحيان، يشير الناس إلى كتاب “قلق الجندر” باعتباره بداية لنظرية الجندر، لكن العديد من الاشخاص قبلي قاموا بالتأليف عن الجندر، غايل روبين (Gayle Rubin)، وجولييت ميتشيل (Juliet Mitchell)،
وحتى سيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir) نفسها.
حيث كانت سيمون دي بوفوار فيلسوفة وجودية وفيلسوفة نسوية كتبت كتاب “الجنس الآخر” في الأربعينيات من القرن الماضي. النقطة الأساسية فيه هي أن المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك، وأن الجسد ليس حقيقة (واقعية). حيث فتحت إمكانية وجود اختلاف بين الجنس المخصص لك والجنس الذي ستصبح عليه.

في حين كانت غايل روبين عالمة أنثروبولوجيا (ولا تزال عالمة أنثروبولوجيا)، وكتبت مقالًا مؤثرًا للغاية بعنوان “الاتجار بالنساء”. وما حاولت قوله هو أن الأسرة عبارة عن بنية مهمتها إعادة إنتاج الجندر، وأحد أهدافها هو إبقاء علاقات المغايرة الجنسية (heterosexuality) تبدو طبيعية حقًا. وعلى الرغم من أنها كانت جزءًا من الأنثروبولوجيا النسوية في ذلك الوقت، إلا أنها سمحت لنا بالبدء في التفكير في الجندر كشيء يمكن إعادة إنتاجه وصياغته وصقله، وأن هناك أنظمة وأطر ينتمي إليها الجندر.

كان هناك بُعد آخر لعمل روبين وهو التحليل النفسي، وهو أمر مثير للاهتمام.
لقد قالت بشكل أساسي، “حسنًا، ربما يكون هناك قدر كبير من القمع لكي تصبح رجلاً والكثير من القمع لتصبح امرأة،” وهذا أحد الأشياء التي يتعين علينا القيام بها للتوافق مع المعايير الجندرية الحالية هو استبعاد كل تلك الاحتمالات للوجود، والشعور، والفعل، والحب التي لا تتماشى مع المعايير الجندرية التي تحكم حياتنا.
إذن الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، كان لهما جميعًا مكانتهما في تلك اللحظة قبل ظهور كتاب “قلق الجندر” على الساحة.

الجندر هو ” أدائي/ إنجازي”: ماذا يعني ذلك:
أعتقد أنه في الوقت الذي كتبت فيه “قلق الجندر”، تعامل الناس مع الجندر كما لو كان حقيقة طبيعية أو واقعًا اجتماعيًا، لكنهم لم يتعاملوا معه كشيء يمكنهم صنعه وإعادة صنعه.

الأداء والانجاز مهم إلى الحد الذي يجعلنا نمثل هويتنا، وأي شخص في دراسات الأداء يعرف في الواقع أن هناك عروض نقوم بها في حياتنا ليست مجرد أداء، وليست مزيفة.

عندما تمت صياغة الأدائي (performative) لأول مرة ككلمة، كان الفيلسوف جي إل أوستن ( J.L. Austin ) يحاول فهم الألفاظ القانونية المباحة. لذلك عندما يقول القاضي: “أعلنكما زوجًا وزوجة”، تصبحان زوجًا وزوجة بمجرد حدوث هذا الإعلان. وهذا ليس مزيفًا، لقد حدث ذلك.

الآن، ماذا لو قلنا أنه من خلال تفعيل حياتنا كجندر معين، فإننا في الواقع ندرك هذا الجندر من جديد، ونجعل شيئًا حقيقيًا يحدث.

عندما بدأ المثليون والمثليات في الظهور أو عندما بدأ الأشخاص العابرون جندريًا في العيش بشكل علني، تغير شيء ما في العالم. من خلال الظهور والتحدث والتصرف بطرق معينة، تغير الواقع، وقد تغير.
نحن نشهد تغيرًا في المصطلحات، لم نعد نتحدث عن الأسرة، والمرأة، والرجل، والرغبة، والجنس بنفس الطريقة.
حتى قاموس كامبريدج يقر بأن شيئًا ما قد تغير.

حسنًا، عندما نتحدث عن الأداء، فإننا نتحدث عن فعل يجعل شيئًا ما يأتي إلى الوجود أو فعلًا له عواقب واقعية. حيث نحن نتحدث عن تغيير الواقع.

معارضة حقوق العابرين جندريًا:
حتى بين التقدميين والليبراليين الذين أعرفهم، قد تكون هناك أحيانًا معارضة فعلية للتفكير في حقوق العابرين جندريًا، أو حقوق المثليات والمثليين، أو حتى حقوق المرأة. يقولون أحيانًا أن هذه مشكلات وقضايا ثانوية أو أنها ببساطة تجعلهم منحرجين ومتضايقين.
“لماذا يجب أن أشير إلى شخص ما على أنه هو، أو هي، أو هم؟” ومع ذلك، على الأقل في الولايات المتحدة، تعلمنا كيفية التحدث عن السود بشكل مختلف أو نتحدث عن النساء بشكل مختلف. وبالتأكيد، ربما كان من الصعب تعلم كيفية استخدام لغة وصياغة جديدة.
ربما كان علينا تعديل عاداتنا. لكن التعثر جزء من التعلم وارتكاب الخطأ هو جزء من التعلم، خاصة عندما نتعلم شيئًا جديدًا.

في بعض الأحيان، يمكننا جميعا أن نكون لاذعين، أليس كذلك؟
بعض العبارات والتصريحات ستثير غضبي وسأصرخ، لكن إذا فعلت ذلك فقط، فلن أجري أبدًا محادثة مع أي شخص.
أعتقد أننا جميعًا نريد أن نكون المركز الأخلاقي لعالمنا، مثل: “هذا صحيح، وهذا خطأ”، “لقد تم إلغائك، أنت لم تلغى”، “أنت معي، أنت ضدي”. لكن علينا أن نسمح لأنفسنا بالتحدي ونقبل الدعوة لمراجعة طرق تفكيرنا لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لنكون منفتحين على الأشخاص الذين يحاولون أحيانًا تقديم مطالبهم لأول مرة، لكي يُسمعوا، ويُعرفوا، ليتم الاعتراف بها.

التصدي للهجوم على الجندر:
الآن، أنا أقل اهتمامًا بالدفاع عن نظرية الجندر.
أنا مهتمه أكثر بإيجاد طرق مبتكرة وفعالة للتصدي ومواجهة الهجوم على الجندر. إحدى المشاكل هي أن العديد من الأشخاص الذين يرفضون السماح للأشخاص العابرين جندريًا بتعريف أنفسهم هو أنهم يشعرون أن تعريفهم لذاتهم قد يزعزع الإستقرار.

حيث فكرة أننا نستطيع تغيير الواقع، تحويل الواقع ليكون أكثر انفتاحًا وشمولًا وأقل عنفًا، فسيكون هنالك عدم استقرار في هذا الأمر وهو أمر مخيف جدًا للأشخاص الذين يريدون فهم جندرهم على أنه ثابت.
لكن هل جندر أي شخص ضروري وكلي، أم أنه انبثاق معقد يحدث لكل واحد منا؟ إن إحساسنا العميق بالذات يتشكل أيضًا مع مرور الوقت، ولا يمكننا دائمًا أن نعرف مسبقًا ما سيكون عليه ذلك.

الحرية هي صراع لأن هناك الكثير في عالمنا الذي يخبرنا ألا نكون أحرارًا بأجسادنا. وإذا كنا نسعى إلى الحب بطريقة حرة، والعيش، والتحرك بطريقة حرة، فعلينا أن نكافح من أجل المطالبة بهذه الحرية.

عندما نعيش في ظل نظام ديمقراطي، فإننا نفترض أننا نعيش وفقًا لمبادئ معينة مثل المساواة والحرية والعدالة، ومع ذلك فإننا نتعلم باستمرار ما هي الحرية، وما هي المساواة، وما يمكن أن تكون عليه العدالة. وهذه التحديات، لأجل الحقوق، كالحركة المناهضة للعبودية، حركة الاقتراع والتصويت للنساء، وحركة حقوق مجتمع الميم (+LGBTQIA)، أعني، كل من هذه النضالات تنطوي على تحدي لأفكار الناس الحالية حول:
من هو المتساوي؟ من لديه الحق في أن يكون حرا؟ وكيف نحدد العدالة؟ نحن، طوال الوقت، نكافح من أجل تحقيق هذا الهدف.

نحن بحاجة إلى إعادة إشغال هذه المفاهيم وإظهار أن الاهتمام بالعدالة العرقية، والمساواة الجندرية، وحرية الجندر هي جزء لا يتجزأ من أي نضال ديمقراطي، خاصة إذا أردنا إعادة التفكير في هوية الناس وما يعنيه بالنسبة لهم أن يعيشوا بحرية دون خوف.

حديث جانبي مع جوديث بتلر بعد انتهاء التصوير:

  • فريق العمل: دعونا ننهي الأمور المتعلقة بالجندر. ما لم ترغبين في أخذ استراحة من الجندر، يمكننا العودة إلى ذلك.
    هل تريدين الحصول على…
    واسمحي لي أن أقدم لكِ النصيحة الأخيرة…
  • جوديث بتلر: طوال حياتي، كنت أرغب في أخذ استراحة من الجندر. لا أستطيع أبدًا أخذ استراحة من الجندر.
    [يضحك الجميع].

الهوامش:
١. المصدر الأصلي للترجمة:
Big think. (2023, June 8). Berkeley professor explains gender theory, judith butler [Video file]. Retrieved from
https://youtu.be/UD9IOllUR4k?si=kHZhCOvE_6I4UT11

٢. حسام جاسم: كاتب مستقل من العراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى