تعاليقرأي

لم يكرهون السوريين؟!

الأصل في الإنسان العاقل، الواعي، المدرك، المتزن عقلياً، وفكرياً.. والذي لديه أدنى معرفة في العلوم الإنسانية، وعلوم الحياة الاجتماعية.. والذي لديه أدنى حدٍ من القِيَم الخُلقية، والوجدان، والضمير.. ولديه أدنى مقدار من المشاعر، والعواطف الآدمية.. ألا يكره أي إنسان آخر لشكله، أو لونه، أو عرقه، أو دينه، إلا أن يكون عدواً لدوداً له، أو محارباً شرساً يريد أن يقتله.

أوصاف الفصيلة التي تنضح بالكراهية للسوريين

غير أن هناك نوعاً من المخلوقات السفلية، المتدنية، تُخالف هذه الطبائع الفطرية الكريمة، وتناقضها، وتعاكسها.. يُطلق عليها:

عبيدُ العبيد، فمن هؤلاء؟!

إنهم فصيلٌ من المخلوقات الفقارية.. شعبة الآدميات!!

لهم أيدٍ يبطشون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها!!!

ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، ولهم ألسنةٌ حدادٌ يسلقون بها أعراض الناس.. أشحةٌ على الخير!!!

ولهم أرجل ٌ يمشون بها في أنفاق، وزواريب الحياة الدنية.. لا يهتدون سبيلاً، ولا يعرفون لهم طريقاً مستقيماً!!!

إنهم عبيدُ العبيدِ، ويبقون عبيداً.. ولو لبسوا كلَ يومٍ، ثوباً من جديد!!!

ولو تزينوا بالحلي، والمرجان، والزمردِ، والعقيق!!!

ولو وُضِعوا على عرشٍ من الياقوتِ، والعسجدِ، والدرِ المنثورِ!!!

ولو مُلِّكوا على شعوبِ الأرضِ من أقصى المشرقِ، إلى أقصى المغربِ!!!

إنهم مهزومون في داخلهم!!! ومخبولون في تفكيرهم، وعقولهم!!!

قلوبُهم خاويةٌ، وأفئدتُهم فارغةٌ!!!

كلُ أمانيهم، وأحلامهم أن يأكلوا، ويتمتعوا.. كما تأكل الأنعام، وتتمتع!!!

ويلهوا، ويلعبوا، كما تلعبُ الصبيةُ الصغار!!!

ويتحكموا، ويسيطروا، ويهيمنوا، وينتفشوا بريشهم على خلائق ضعيفة.. كان قدرها أن تُوضع تحت إمرتهم بطريقة طاغوتية، جبروتية، استبدادية، عسكرية!!!

غير أنهم يختلفون عن الأنعام، والصبية، الذين لا يحملون هماً، ولا حزناً!!!

أنهم دائماً مرعوبون، خائفون، قلقون، مُسَهدُّون!!! لا يعرفون راحةً، ولا أمناً، ولا سلاماً!!!

وهم دائماً حاذرون، متوجسون، مترقبون أية إشارة.. تأتيهم من أسيادهم العبيد، القابعين في الكرملين، أو في قم، أو في البيت الأسود، المسربل بالقطران والحديد!!!

وهم دائماً يتبدلون، ويتغيرون، ويتذبذبون في ولائهم، وتبعيتهم، وعبوديتهم.. بين هؤلاء، وأولئك!!!

إنهم يبيعون إنسانيتهم، وآدميتهم، وضمائرهم، ودينهم، وخُلقهم، وكل ما يملكون من قيم الحياة – إن كانوا يملكون – لمن يدفع أكثر، من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام!!!

أو لمن يدفع أكثر بالدرهم، أو الدينار، أو الدولار!!!

إنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا إلى متاعها الرخيص، المهين.. وقنعوا بالعيش الدون!!!

ونسوا يوم الحساب العسير!!!

هذه هي الفصيلة المارقة، المريدة، الآبقة من السلالة البشرية، التي تتنمرُ، وتستأسدُ، وتتكبرُ، وتتغطرسُ، وتنفشُ ريشها مزهوةً بما أعطاها الله من فضله، على الفقراء، والمساكين، والمستضعفين من الأرامل، واليتامى، والنساء، والشيوخ، والمُهجَّرين، والنازحين، والمشردين.. الذين جاؤوا من سوريا، بلد الأصالة والعراقة.. بلدٌ عمره آلاف السنين، ظهر على الأرض، قبل أن تظهر أي دولة للوجود.. بلدُ الكبرياء، والأنفة، والعظمة، والإباء، والشموخ.

هذا البلدُ العظيمُ، الذي مدحه الشعراءُ من مختلف الأصقاع..

قرأتُ مجدَكِ في قلبي وفي الكُتُـبِ شَـآمُ ، ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يَغِبِ

شَـآمُ يا ابنةَ ماضٍ حاضِرٍ أبداً كأنّكِ السَّيفُ مجدَ القولِ يَخْتَصِرُ

شآمُ أرضَ الشّهاماتِ التي اصْطَبَغَتْ بِعَـنْدَمِيٍّ نَمَتْـهُ الشّـمْسُ مُنسَـكِبِ

قبلَكِ التّاريـخُ في ظُلمـةٍ بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ

هذه الفصيلةُ! التي لا تحمل إلا هياكل عظمية، مغطاة بعضلات مكتنزة، ولحم أبيضٍ، وأحياناً أسمرٍ، أو أصفرٍ، مع شعرٍ أشقرٍ، وأحياناً بنيٍ، أو أسودٍ، مع عينين زرقاوين، أو عسليتين.

هذه الفصيلة القميئة! المنحدرة من مخلفات، ونفايات الفرنجة، والصليبيين المتوحشين، الذين أقاموا في بلاد المسلمين أكثر من مائتين وستين سنة، كانوا خلالها، يتناكحون، ويتناسلون..

فكانت هذه مخلفاتهم البغيضة، المقيتة، التي تحمل كل صفات الخسة، والدناءة، واللؤم، والسفالة.. لأنهم مجردون من أي نوع من القيم الإنسانية، ومجردون من الدين، ومن المثل العليا، ومحرومون من الإيمان بالله الواحد الديان، ومن الإيمان بيوم الحساب.

ومن أجل هذا! فهم في الوقت نفسه.. يخنعون، ويخضعون، ويستسلمون، ويخنسون لأسيادهم العبيد!!!

ويحسبون أنهم، ينفعونهم، أو يضرون!!!

ويخافون منهم، كما تخاف الفئران من القط السمين!!!

فتلوذ في جحورها، حالما يصرخون في وجوههم، أو يأمرون!!!

لأن أحلامَهم.. أحلامُ العصافير، وعقولَهم.. عقولُ الرُضَّع، والرُتَّع من البهائم، والحمير!!!

لا يهمهم إلا رضا العبيد!!!

ويحملون في قلوبهم، حقداً دفيناً، مختزناً، ومكدساً في صميم أعماقهم منذ عشرات السنين، أسود من القطران، تجاه المسلمين عامة، والسوريين خاصةً.

ولكن لماذا يكرهون السوريين؟!

بما أنهم يشعرون بالنقص في أنفسهم، والخواء الروحي في قلوبهم، ويحسون أنهم أدنى مرتبة من بقية السلالات البشرية..

ويعلمون علم اليقين، أنهم أقل كفاءة في العقل، والعلم، والعمل، والإبداع، والإتقان، والابتكار من السوريين الذين يفوقونهم عشرات السنوات في جميع مجالات الحياة.

فقد جاءتهم الأخبار تترى.. أنهم ما دخلوا بلداً من البلدان، وكان الخراب يعشش فيها.. إلا وحولوها إلى جنانٍ، وعِمرانٍ تسرُ الناظرين، وضخوا فيها من الأموال الكثيرة، التي تعجز حكومات قوية أن تؤمنها.

إنهم يرون بأم أعينهم، كيف أن الطلاب – ذكراناً وإناثاً – يتفوقون على طلاب البلد نفسه، ويبدعون في لغته أكثر من أبنائه، بالرغم من المآسي، والمصائب والبلايا التي تلاحقهم من كل جانب.

فكيف لا يحسدونهم، ولا يُبغضونهم، ولا يمقتونهم.. وقد زاحموهم في ميادين العلم، وأظهروا عَوارهم، ونقائصهم، وعيوبهم، وفشلهم، وكسلهم؟!

فأكبر أستاذ جامعي، لا يعرف سوى لغته الهزيلة، الخليطة من عشرات اللغات الأخرى.. بينما طفل سوري صغير، نازحٌ، مشردٌ، مُهَجَّر، يتقن هذه اللغة أكثر من هذا الأستاذ المبجل!

ألا يشكل هذا علامة عارٍ، وعلامة نقص فارقة، بين شعب أصيل، حيٍ عمرُه آلاف السنين.. وبين فصيلٍ زنيم، مجهول الأصل، والنسب.. استوطن الأرض، بناءً على اتفاقيات سايكس بيكو، وهو ليس له فيها أي حظٍ أو نصيبٍ.

السوريون عموماً – وليس كلهم – يضاهئون أي شعب، يظن بنفسه أنه حضاري، ومتقدم، وينافسونه، ويبزونه، ويتفوقون عليه، وقد شهد بهذا أولو الألباب من البلدان التي وطأتها أقدامهم.

علماً بأنهم طوال تاريخهم القديم والحديث، لم يعرفوا النزوح، ولا التشرد، ولا اللجوء إلى البلدان الأخرى، سواءً كانت القريبة منها أو البعيدة..

بل كانوا طوال تاريخهم، هم الذين يستقبلون النازحين، والمشردين، والمهاجرين من مختلف أقطار الدنيا، سواءً كانوا عرباً، أو عجماً.. وسواءً كانوا مسلمين، أو غير مسلمين..

وكانوا يستقبلونهم بالأحضان، ويحسنون وفادتهم، ويكرمونهم غاية الإكرام، ويؤمنون لهم سكناً كريماً، لائقاً بكرامة الإنسان.

ولم ينادوا في يوم من الأيام، بطردهم.. لأن هذا منافٍ لكرم الضيافة، ومنافٍ للأخلاق الإسلامية، وحتى للأخلاق الجاهلية، والأخلاق العربية الأصيلة..

ولا أدل على ذلك! من وجود حي في دمشق اسمه (المهاجرين) فتذكر الويكيبيديا ( أطلق على المنطقة اسم المهاجرين منذ بداية القرن العشرين عندما جاءها جماعة من المهاجرين، من كريتيين وأتراك وشراكس وسواهم ممن قدموا إليها بهجرات مختلفة الأسباب، أول المهاجرين كانوا من البلقان الذين وصلوا عام 1890 ثم من الروملي عام 1896 ومن كريت عام 1900 وقد بقيت في الحي عائلات تركية كثيرة في سورية بعد رحيل الحكم التركي 1919 م.)

ولم يطالب السوريون الأصلاء، النشامى؛ بطرد الأتراك، كما بعضهم – من الذين أُشرِبَتْ في قلوبهم العنصرية البغيضة – يفعلون الآن، ويطالبون يومياً، وبكل وقاحة، وجلافة، وغلظة، وقلة أدبٍ على وسائل الإعلام المختلفة.. بطردِ السوريين..

وهكذا! نرى أن أهلَ سورية الصيدَ، الفوارسَ الشجعانَ، أباةَ الضيم، الذي كان نشيدُهم منذ أربع وثمانين سنة زاخراً، ومفعماً بالعز والفخار، والعلو والسناء..

ويشحنُهم ويعبئُهم يومياً على طلب المعالي، والسؤدد على العالمين..

نفـوسٌ أبـاةٌ ومـاضٍ مجيـد وروحُ الأضاحي رقيبٌ عَـتيدْ

فمِـنّا الوليـدُ و مِـنّا الرّشـيدْ فلِـمْ لا نَسُـودُ ولِمْ لا نُشيدْ؟

هو السبب الرئيسي في كراهيتهم من حثالات البشر، والدهماء، وأوشاب العوام.

1/1/1444 30/7/2022

د/ موفق السباعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى