ثقافة

كتاب صفحات ثورية من ربوع جبل سعدية

 

 

معمر حبار

مقدمة القارىء المتتبّع

شرع صاحب الأسطر في قراءة الكتاب بتاريخ: الأحد 13 ذو القعدة 1441 هـ الموافق لـ 5 جويلية 2020، واليوم يعود إليه لعرضه، ويوفيه حقّه.

زرت رفقة شمس الدين، أصغر الأبناء، بلدية أولاد بن عبد القادر التي تبعد عن مقر سكناي بـ 24 كلم لحضور توقيع الكتاب.

عنوان الكتاب: “صفحات ثورية من ربوع جبل سعدية” للمجاهد شيهان أحمد بن العربي، وجمع وترتيب وتقديم ابنه وزميلنا الأستاذ رضوان شيهان الونشريسي، الطبعة الأولى، جويلية 2020، دار بن حمدة، حي الحرية، بوقادير، الشلف، الجزائر، من 213 صفحة.

العناوين الفرعية من وضع صاحب الأسطر.

بينما صاحب الأسطر يجري اللّمسات الأخيرة على المقال، إذ بمجهود بعنوان “مطالب” من صفحتين، تحتوي على مطالب يطلبها من صاحب الكتاب قصد تحقيقها في الطبعات القادمة، إذ بها وبلمسة زر ودون أن يشعربها، تزيل الجهد والعرق والوقت، دون أن يستطيع استرجاعها، رغم محاولاته. وكان من المفروض أن يكون المقال من 7 صفحات، إذ به يتحوّل إلى 5 صفحات.

لقائي بالأب شيهان أحمد بن العربي المجاهد، والإبن رضوان شيهان الجامعي

سررت كثيرا حين جلست بجوار المجاهد شيهان أحمد بن العربي صاحب الكتاب. وقال لي بمجرد ماجلست بجواره: حدّثني عنك ابني كثيرا، وأخبرني أنّك ستحضر. قلت له: تبدو أصغر من ابنك، وفرح كثيرا برفع المعنويات.

المجاهد شيهان أحمد بن العربي رزق الطول والعرض، وهو في كامل صحته. سائلين الله أن يمتّعه بالصّحة، والعافية، والمزيد من المذكرات، كما طلبت منه ذلك.

التقيت بزميلنا رضوان شيهان الونشريسي لأوّل مرّة في رحلتنا للمعرض الدولي للكتاب سنة 1440هـ – 2019. وتحدّثنا في الحافلة وبعدها عن مواضيع ثقافية، وسياسية، وحضارية حيث نقل صاحب الأسطر يومها تفاصيل الرحلة عبر مقالين: المقال الأوّل[1]، والمقال الثّاني[2].

في رحاب الإبن المؤدب وعظمة الأب المجاهد

قرأت مقدّمة الكتاب عبر صفحتي 5-7. فوقفت على الابن المؤدب رضوان شيهان الونشريسي‏ قبل أن أقف على الأستاذ الأديب. وأدرك القارئ المتتبّع أنّ من علامات الولد الصالح أن يوفّقه الله تعالى لكتابة مذكرات والديه.

كان عمر المجاهد 11 سنة بتاريخ 1957. ص58

اعترف بالخسائر، ولم يبالغ في خسائر العدو الفرنسي.

كان صادقا ولم يبالغ في وصف الشهداء حين قال: “نهشت الذئاب أجساد بعضهم”، ولم يتحدّث عن المعجزات. 75

يقول المجاهد دوما: “كنت مع أبي” و “قالت لي أمي” مايدل على أنّه كان صغيرا ولم يكن من صناع الثورة الجزائرية، لكنه كان صادقا إذ نقل وقائع الثورة وهو الصغير. 113

مسؤولية المذكرات في نقل المشاعر الثّورية:

ذكر صاحب المقدمة في مقدمته وهو يتحدّث عن أهمية المذكرات، قائلا: “تقع على كتّاب المذكرات مسؤولية إيصال المشاعر الثورية التي اكتنفت المشاركين في الحدث الثوري إليهم، وعدم الاكتفاء بالعرض الجاف له”.

أقول: هذه الملاحظة في غاية الأهمية لمن تدرّب على قراءة المذكرات. والمذكرات ليست تجميع أسطر وكم من الأحرف، بل هي نقل عمق حالة عاشها المعني إلى القارئ الذي لم يعشها وكأنّه عاشها. ونقل المشاعر تحتاج إلى الصدق في القول، والأمانة في النقل، والدّقّة في التصوير. ويضاف لها حسن بيان يعرض الماضي القريب أو البعيد بأسلوب سهل، وبسيط تتخلّله حلاوة بيان، وروعة أداء.

أدرك صاحب الأسطر أنّ زميلنا الأديب رضوان شيهان الونشريسي‏ تتوفّر فيه هذه الخصال، وبإمكانه تقديم مشاعر الماضي وكأنّ القارىء عاشها ويشعر بها.

الخونة الحركى من اليهود وبعض الجزائريين:

تحدّث الكاتب عن دور السّوق في نقل الأخبار للمجاهدين ونقل الأخبار عن الخونة من الحركى، وعملية التموين التي تحتاجها الثورة الجزائرية. 36

تحدّث الكاتب عن اليهودي “سيلفا” والذي كان يتكلّم اللّغة العربية بطلاقة، وكيف أنّه كان عونا للحركى وكان أحد الحركى الخونة وعونا للاستدمار الفرنسي المجرم ضدّ الجزائريين. 37

تحدّث الكاتب عن الخونة من الحركى كيف كانوا يساهمون في نشر، وبثّ دعاية الاستدمار الفرنسي المجرم في الحطّ من الثورة الجزائرية، وقادة الثورة الجزائرية والمجاهدين، وتشجيع الجزائريين على الالتحاق بالخونة الحركى، لمحاربة إخوانهم الجزائريين. 39

ذكر الكاتب عبارة مؤلمة جدّا وهو يتحدّث عن التحاق بعض الجزائريين الخونة بالحركى قائلا: “فيقف كثيرون في طوابير طويلة لتسجيل أنفسهم ضمن قائمة المتعاونين مع فرنسا”. 40

التعاون الوثيق بين المستدمرين، والجيش الفرنسي المجرم المحتل، والخونة من الحركى مايدل على هول مايقاسيه الجزائري. 87

الجيلالي بونعامة يعدم الحركي. 87

خائن حركي ينقذ قائد فرنسي مجرم من كمين وضعه له المجاهدون. رقي لرقيب أوّل ، وغادر الجزائر ودفن بفرنسا. 62

طبّق المجاهدون حكم الإعدام على الحركى الخونة بعد استرجاع السيادة الوطنية. 122

حفظ وتعليم القرآن الكريم لمواجة الاستدمار الفرنسي:

قال الكتاب: أوّل عمل قامت به الثورة الجزائرية حين حطّت بالعثامنية وما جاورها، هو إنشاء مدارس قرآنية في المخابىء التي كانت داخل الصخور وتحت الأرض، لضمان أمن وسلامة التلاميذ من الانكشاف أمام الطائرات الفرنسية المجرمة. 33

أعفت الثورة الجزائرية مدرّس القرآن الكريم من مهمة الحرث والحصاد. وكان يتقاضى من حين لآخر مساعدة مالية جرّاء تحفيظ الأبناء القرآن الكريم.

ذكر الكاتب أسماء 5 مخابئ مخصّصة لتحفيظ القرآن الكريم بدوار العثامنية، وكذا عدد الطُلْبَة، لمن أراد أن يعود إليها. 34

كان للثورة الجزائرية أئمة، وحفظة القرآن الكريم يعلّمون الأطفال اللّغة العربية، والقرآن الكريم، والأناشيد الوطنية، والتّاريخ الهجري ثمّ الميلادي.

جرائم الاستدمار الفرنسي:

انتقاما من دعم المجتمع الجزائري للثورة الجزائرية قام الاستدمار الفرنسي المجرم[3] بقتل حيوانات الدوار: البغال والأبقار والأغنام والطيور.

كنّا ندلّ المجاهدين على أماكن سقوط قنابل المحتل الفرنسي والتي لم تنفجر، فتنقل لمراكز الثورة الجزائرية ليعاد تصنيعها لقنابل مضادة للدروع.

كانت الطائرات الفرنسية حين تريد أن تتخلّص من قنابلها ترميها على الجزائريين. 95

من شدّة الحصار المفروض على الجزائريين سنوات 1958-1959، لم يكن باستطاعته التنقل من دوار إلى دوار. 97

كانت المدافع أخطر علينا من الطائرات، لأنّنا كنّا نختبىء من الطائرات، لكن لانستطيع الاختباء من القنابل، وهي تحيط بالعثايمنية من كلّ جهة. 99

التقط الاستدمار الفرنسي صورة لشيخ جزائري يسجد لله تعالى على أنّه يتذلّل للاستدمار الفرنسي. 100

استعمال النابلم لحرق القرى. 103-105

بقيت المحتشدات حتّى غاية 1 أوت 1961.

تحدّث الكاتب عن جرائم المحتشدات[4] التي وضعها الاستدمار الفرنسي المجرم ضدّ المنطقة التاريخية الرابعة، والمنطقة الثالثة، الناحية الأولى، والقسم الثاني لعزل الثورة الجزائرية عن الشعب الجزائري المؤيّد لها بالمال والمؤونة سنوات 1957-1959.

من مظاهر عظمة الثّورة الجزائرية:

كان صعبا على قادة الثورة الجزائرية التّعرف على الأسماء الحقيقية للمجاهدين. 43

لم تتحصّل فرنسا المجرمة المحتلة عن أيّة معلومات من المجاهدين بالشلف، لأنّه لايوجد ضمن أهل المنطقة عميل للمحتل الفرنسي. 57

عظمة الشهيد الجزائري في كون يستشهد وهو يمسك بسلاحه ولا يتركه للعدو. 76

لم يكن الجزائري يبكي لارتقاء الشهيد حزنا، بل يبعث على الاعتزاز. 96

المجاهدون يعينون بعض العائلات المتضرّرة بالمال، والطعام وهم داخل المحتشدات. ويقدّموا المعونات المالية لزوجات المجاهدين، وأرامل الشهداء. 128

شاركت المرأة الجزائرية بنقل الرسائل المكتوبة والشفوية، لتقدّمها لإخوانها في المحتشد. 132

حين رأى المجاهدون أن قتل الضابط الفرنسي المجرم والقائم على المحتشد سيوقع أضرارا بالغة بالجزائريين في المحتشد تراجعوا عن إعدامه.

تحدّث عن مشاركة المرأة الأصنامية الشلفية[5] في دعم الثورة الجزائرية عبر غسل ثياب الجنود، وإعداد الطعام.

مشاركة الصبيان في دعم الثورة الجزائرية عبر نقل الأخبار للمجاهدين، حيث كانت الرسائل الخطيرة في أغلبها شفهية، وحمل الطعام لهم، ومغامرين بحياتهم أمام المحتل الفرنسي المجرم الذي لايرحم امرأة ولا طفلا. 30.

محاسن الكتاب:

أعجبني الكاتب كثيرا وهو يستعمل مصطلحات: “المحتل الفرنسي”. و”الفيالق العسكرية المحتلة”. ويشكر الكاتب على هذه النخوة، ووصف المحتل المجرم الفرنسي بحقيقته، بكونه المحتل مغتصب معتدي. 12

أبدع الكاتب في ذكر مجموعة من العروش، والبطون، والدواوير، وتنقلاتهم، وأسمائهم. وأوصي بمراجعة هذه النقطة لمن يريد التثبت والزيادة فيما يخص أصول المنطقة وجذور أصحابها. 16-19

وقفت مطولا وبإعجاب شديد وهو يتحدّث عن العلاقة القوية بين الشعب والمجاهدين، حين قال عن الشعب: “ولم يكن يواسينا في تلك المحن إلاّ العزائم القوية والهمم العالية لأولئك المجاهدين. وتحدّث عن المجاهدين قائلا: “مستأنسين هم أيضا بصبرنا وتحملنا”. وصراحة، أبدع الكاتب في رسم تلاحم المشاعر بين الشعب والمجاهدين، وصدق العواطف فيما بينهم.

تعلّمت من الكاتب رضوان شيهان الونشريسي مشكورا أنّ بلدية ماسينا سميت في عهد الاستدمار الفرنسي باسم الجنرال السّفاح المجرم André Masséna 1758-1817.

واضح جدّا صدق المجاهد شيهان أحمد بن العربي حفظه الله ورعاه في شهادته عبر مؤشّرات وقفت عليها من خلال تجربتي في قراءة المذكرات.

أنصح باقتناء الكتاب وقراءته ونقده.

يعدّ الكتاب مفخرة للجزائر ولمكتبة الجزائر من حيث كم المعلومات، والحقائق الجديدة المنثورة في الكتاب.

أحسن زميلنا رضوان شيهان الونشريسي في نقل وقائع تاريخية، وحقائق عاشها الأب بالعامية إلى اللّغة العربية الفصحى. وهو عمل شاق يشكر عليه ويستحقّ كلّ الشكر والتقدير والثناء.

أعجبتني كثيرا استعمال الكاتب لعبارة: “ارتقاء الشهيد”. 78 و93

نقد الكتاب:

لا أوافق صاحب المقدمة حين وصف كتابة المذكرات في الصفحة الأولى، بقوله: “فن المذكرات التاريخية”. وأرى أنّها أعلى مقاما من ذلك بكثير. ووصفها بـ “فن المذكرات التاريخية” يعتبر حطّ من قدرها، ومن صاحبها، خاصّة إذا كان صاحب المذكرات هو الأب وناقلها هو الإبن.

حين يقارن القارئ بين النص باللّغة الفرنسية، والنص الذي قام بترجمته رضوان شيهان الونشريسي، يجد بعض الضعف في الترجمة مقارنة بالروعة، والإتقان الذي امتاز به النص الأصلي باللّغة الفرنسية.

وضع الكاتب النص الأصلي في صفحة 11 والنص المترجم في صفحة 12. والترتيب بهذا الشكل يعتبر عدم توفيق. وأنصح زميلنا رضوان شيهان الونشريسي أن يضع النص المترجم تحت النص الأصلي أو بجواره حتّى يسهل على القارئ متابعته ومقارنته وإبداء ملاحظاته والاستفادة منه.

بعض الكلمات كـ “عين سيدي بوجنب” لم يضعها الكاتب الفرنسي بين قوسين، ووضعها المترجم رضوان شيهان الونشريسي بين قوسين. وكان عليه أن يحترم النص الأصلي وأن ينقل الاسم دون قوسين كما جاء في النص الأصلي.

لم يحترم المترجم تسلسل النص فأدمج الفقرة الأخيرة وهي الثالثة في الفقرة الثانية. والمطلوب من المترجم أن يحترم تسلسل الفقرات وهو يقوم بالترجمة.

حين وضع المترجم اسم “الشلف” بين قوسين وهو ينقل اسم “أورليانفيل”. كان عليه أن يفتح القوس ويقول مثلا: “كانت تسمى الأصنام سابقا، وتسمى حاليا الشلف”. وما يراه من عبارة مناسبة حتّى لايعتقد القارىء أنّ الكلمة المدرجة في الترجمة هي من النص الأصلي وفي الحقيقة ليست كذلك.

ذكر الكاتب عبارات مقيتة وهي: “البلدية الكولونيالية” و “التقسيم الإداري الكولونيالي” في الهامش. وأنتقد الكاتب بقوّة، وأعاتبه بشدّة في استعماله المصطلح الاستدماري، ولا أجد له معشار عذر وهو الأستاذ المتخصّص في اللّغة العربية في الركون نحو السهولة. وأطلب منه وهو المتخصّص في اللّغة العربية أن يستبدل المصطلحات الاستدمارية المقيتة بمصطلحات كـ: “البلدية المحتلة” و”التقسيم الإداري المحتل”. وغيرها من المصطلحات الدالة على الاحتلال، والنهب، والسّطو، والتعدي.

لم أستوعب استعمال الكاتب مصطلح استرجاع السيادة الوطنية بين قوسين، هكذا: (ا.س.و) وشرحها فيما بعد في الهامش. وأستنكر عليه استعمال استرجاع السيادة الوطنية بين قوسين وكأنّها أمر لايستحق أن يكتب كاملا. ونحن الذين نكتب، ونقرأ، وننتقد، ونثني بفضل أيام الله تعالى وهي استرجاع السيادة الوطنية. وكم أتمنى أن تأخذ الملاحظة بعين الاعتبار في الطبعات القادمة. 23

استعمل الكاتب أسماء الحركى بين قوسين وبالرموز. وأقول: لاأتدخل في شأن الكاتب، لكن كتابة رموز الحركى أعاقت بشكل كبير كتابة تاريخ الجزائر بشكل عام ، وتاريخ الثّورة الجزائرية بشكل خاص، وأساءت إليه كثيرا. وأزعم أنّها ستمتد لعقود طويلة خاصّة إذا بقيت نفس المخاوف، والأسباب، والتبريرات.

[1] راجع من فضلك مقالنا بعنوان: “المعرض الدولي للكتاب .. لقاء إخواننا العرب”، وبتاريخ: الجمعة 4 ربيع الأوّل 1441 هـ – الموافق لـ 1 نوفمبر 2019.

[2] راجع من فضلك مقالنا بعنوان: “المعرض الدولي للكتاب .. لقاء الإخوة الجزائريين”، وبتاريخ: الإثنين 14 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ: 11نوفمبر 2019.

[3] راجع من فضلك صفحة: 98

[4] راجع من فضلك صفحة: 127

[5] راجع من فضلك صفحة: 87.

الشلف – الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى