أحوال عربيةأخبار العالم

قرن الاذلال العربي

قرن الإذلال العربي- (1923-2023): حول مسؤولية الغرب عن مظالم المسلمين العرب وتخلف بلادهم

عصام بن الشيخ
كاتب وباحث سياسي.

ناشط حقوقي حر


وأنا أقرأ عن “قرن المهانة” الصيني في القرن 19، تأكد لي أن الغرب سعى لاحتكار محاسن الثورة الصناعية لنفسه ومنع الانسانية من الاستفادة منها قدر الإمكان، ففي الدراسات الفرنسية على سبيل المثال تتم السخرية من صناعة الصينيين والعثمانيين واعتبارها حرفا يدوية لا ترقى لمصاف الصناعات الثقيلة، ووجدت أن الكولونيالية الذرائعية البراغماتية لم تكن مضطرة على الاطلاق لتبرير هذا الوصف التقزيمي والاستبعادي الإلغائي للصينيين. نفس النهج حدث مع العرب في سياق خطط الغرب لتدمير الدولة العثمانية (الرجل المريض)، لكن جميع خطط سلاطين العثمانية التي نجحت في مقاومة التغلغل الغربي عجزت عن النظر للمسألة الكولونيالية من عل “كوسموبوليتانيا”.. وحين يعود الصينيون للانتقام مما حدث لهم من استعمار جماعي وتقسيم مذل لأقليم وطنهم بين اليابانيين والانجليز والفرنسيين والروس وغيرهم، يكون الغرب موحدا في كلمته دون أن يكون موحدا في سياسته.
ألا ينظر العرب لما يحدث اليوم على أنه فرصة لرفع رؤوسهم مجددا كما فعل الصينيون، يتيح دوران عجلة التاريخ اللقاء بفرص النهوض بعد الدمار لانقاذ حضارات عريقة من الهزيمة المستمرة، ليس سهلا على الكولونيالية الغربية تجديد جلدها وتقديم حجج تبريرية لتمرير خطط ما بعد كولونيالية لمنع العرب الهامشيين من فك ارتباطهم بالغرب المركزي، فلقد روج الكثيرون على أن الاتراك والايرانيين والاسرائيليين لاعبون مكتملوا الوحدة والرؤية، في حين قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتعرية هذه النماذج المزيفة في الحرب الأوكرانية الأخيرة، فعندما اندلعت ثورات الربيع التخريبي في موجتين عامي 2011 ثم 2019، تأكد بوتين أن قوس النار يريد الوصول الى موسكو عبر أوديسا الأوكرانية، وأن سقوط حلفاء موسكو مقدنة لإدخال الروس في مرحلة إذلال جديدة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق.
ما يثير الدهشة هو تعرض عدد من الدول الأوروبية الى ما يسمى اللحظات الكاشفة، عشرات الأمثلة لزيادة قوة الضعفاء تقابل عشرات الأمثلة لتراجع القوى المتوسطة الى قوى عادية في المسرح الدولي وفي مقدمتها الدول الأوروبية، وتلعب الدعاية الاعلامية دورا هاما في الترويج لعكس ذلك.
كشف باحث فرنسي يدعى ايف لاكوست كيف اخترع مصطلح دول العالم الثالث في مؤتمر القارات هافانا (يناير 1966)، فلقد تأسس المصطلح من لعبة كلمات تصف كتلة دول الجنوب في (آسيا افريقيا أمريكا الجنوبية)، اخترعها الانثروبولوجيست الفرنسي ألفرد سوفي Alfred Sauvey وعممه الغرب ليتحول الى وصف تحقيري يستصغر ضعفاء الدول المستقلة حديثا.
كافحت دول الجنوب ضد الاستعمار والفقر والفساد والارهاب والمديونية والأمراض والفيروسات وعشرات المشكلات المصطنعة التي صممها الغرب لتكريس شقاء الانسان الجنوبي المقهور. ويزعم الغرب في المقابل أنه يدعم تحرير المقهورين بقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
قرن الإذلال العربي لا يختلف عن قرن الإذلال الإفريقي، فلقد اجتمع زعماء حركة الزنوجة العالمية إيميه سيزار وليوبولد سيدار سنغور وفرانز فانون لشجب نظام الفصل العنصري للآبارتايد في جنوب إفريقيا، فقد رأس فرانس فانون لقاءات بالجزائر لإعلان دعم نيلسون مانديلا، وكانت نظريته للعنف الثوري متماهية مع الفلسفة الجيفارية للتحرير، وكان كفاح الجزائريين للتحرير ملاذ فرانس فانون الآمن بسبب تردد سنغور الذي قال (عندما أتحدث الفرنسية كأنني أتناول المربى)، وإيميه سيزار الذي لم يبارح البرج العاجي لوضع السيناتور المفكر الذي يشجب إمساك الرجل الأبيض بالسيف ضد الرجل الأسود لتذكيره بأنع الأذكى والأفضل والأجمل والأقوى، فلقد قاوم فرانز فانون الكولونيالية دفاعا عن باتريس لومومبا، وكان يعلم تماما أن الإذلال الغربي ليس لعبة يستهان بها، بل مقاربة ما بعد كولونيالية لمنع فك الارتباط الافريقي بالمركز الغربي.
أما على الصعيد الفكري فقد فضح سمير أمين وإمانويل فالرشتاين آلية الربط بين المركز الغربي والهوامش، حين يكون العرب والأفارقة والآسياويون والأمريكيون الجنوبيون، في تخوم وأطراف مركز العالم، وكان ترسيم منتدى العالم الثالث في الأمم المتحدة بعد احتجاجات ول ستريت عام 1999 نقطة بداية مأسسة مناهضة العولمة التي تعكس رفض دول الجنوب للأمركة وعولمة القيم.
تشكل صدمة الباحث الأمريكي من أصل صيني فرانسيس فوموياما من الحرب الأوكرانية دليلا على مقاومة المركز الأمريكي لكل محاولات الاستحقاق الأمريكي للانفراد بالقيادة العالمية، يقول فوكوياما أن فلاديمير بوتين له تفكير متجذر في العهد السوفياتي، متهما بوتين بأنه يتسبب في إذلال وطني لشعبه، للذي سيطالب بعد 15 عاما بالانضمام للاتحاد الأوروبي بعد وفاة بوتين!.
يكتب فوكوياما مقالاته في فورين بوليسي وفورين آفيرز ليروج بأن بوتين يؤسس “مركز مضادا من شبكة القوى المناهضة للديمقراطية”، معتبرا التصويت ضد موسكو في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد عجز مجلس الأمن الدولي بسبب حق التقض فيتو، اعتبره وسيلة كاشفة للشر الروسي، وقال أن جو بايدن كان حكيما في عدم إقحام حلف الناتو في حرب جوية لأن موسكو ستبرر هزيمتها بتدخل حلق الناتو” كأداة عدوان”.
لا يهتم فوكوياما كثيرا بشعور فلاديمير بوتين بالإذلال بسبب تأكده من انهيار حتمي لمعنويات الروس، لأن هزيمة بوتين ستتم على الأرض لا في الجو. ويجزم أن الروس سينهزمون في الشمال ويضطرون للقتال في خيرسون. لكن حديث فوكوياما يقترب من التصنيف كتفكير بالتمني لأن بوتين رد على سخافات الغرب بقطع إمدادات الغاز وكشف تسبب كييف في وصول القمح والذرة للدول الأوروبية دون دول الجنوب الفقيرة، 07 سفن أوكرانية من بين 100 محملة بالقمح وصلت الى افريقيا، والغرب سيعيش ما يسميه الباحث المغربي الراحل مهدي المنجرة عصر “الميغا إهانة” ردا على سياسات “لميغا إمبريالية”..
أما الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك فيقول أن الحرب اللاوكرانية صراع بين مسيحية تقليدية تشعر بالاذلال، وانحطاط شيوعي ينتقم لإذلال الاتحاد السوفياتي السابق.
من الواضح أن عدم اكتراث الرئيس بوتين بجوع الشعوب الأوروبية وعدم امتلاكها للمدافىء والكهرباء هو خلق لظروف حرب إجبارية تريد من الشعوب الأوروبية أن تجرب الإذلال الذي عاشته كل شعوب الأرض لعدة قرون.

*- سلمان رشدي كلعبة استخباراتية لتصميم الإذلال والمهانة:
أقدم الشاب الشيعي الأمريكي من أصل لبناني هادي مطر (ذو ٢٤ ربيعا) على طعن سلمان رشدي، وفوجىء في معتقله أن الضحية لم يمت!، وفندت الخارجية الإيرانية وحزب الله اللبناني أي صلة لهما بالجاني، واتخذت المؤسسة الأمريكية التي استضافت الروائي إجراءات لمنع دخول الحقائب تجنبا لتكرار واقعة الاعتداء على رشدي!!، بسبب فشل جهاز كشف المعادن عن منع مرور الخنجر.
من الواضح أن الشحن قد أدى الى فوران أعصاب هذا الشاب الذي صرح من معتقله أنه يحترم الخميني، لكن تجنيد الجاني ليس فيه دليل لأن الجهة المحرضة تقوم بالشحن اللازم تاركة أحد المتطوعين يقوم باللازم، فقبل أحداث 11/9 المفبركة حدثت واقعة حقيقية لاختطاف طائرة فرنسية من الجزائر كانت ستضرب برج إيفل، وهناك أيضا واقعة جريدة شارلي ايبدو التي تعكس شحنا مماثلا لتراث متراكم من مشاعر الانتقام من الكولونيالية والتمييز العنصري والتطرف الغربي ضد النسلمين، مما جعل بابا الفاتيكان الراحل بينديكت السادس يقول للمسلمين عليكم الآن تبرير الواجهة القبيحة للعنف المرتبط بالاسلام الآن.
عندما تيقن جون بايدن أن الكثيرين لا يلومون فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا لتأديب النازي فلوديمير زيلنسكي، عادت الاستخبارات الأمريكية لاستعراض قوتها ضد الخطر الأخضر بقتل أيمن الظواهري زعيم القاعدة بنفس طريقة قتل قاسم سليماني باستخدام الدرون في طريق مطار بغداد، ولعدم تفاعل المسلمين مع ما وقع في شكل هدية أمريكية قدمها بايدن لطالبان بقتل زعيم القاعدة (رسالة بايدن المزدوجة للرياض والقاهرة)، جاءت عملية طعن سلمان رشدي قبيل بضعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس في نوفمبر المقبل، حيث يتوقع فوز الحزب الجمهوري الذي يعد بوقف تصدير السلاح لكييف!!. وحين نشاهد تعرض الرئيس السابق دونالد ترامب للإذلال لثنيه عن الترشح للانتخابات الرئاسية، نتأكد أو لوبيات أوليغارشية تتصدى لترامب وتريد تورط جو بايدن في حرب ضد روسيا لتجنب الصدام مع الصين.
مهمة قذرة قام بها الأمريكيون لتذكرنا بإعلان إوباما قتل أسامة بن لادن عشية تجديد عهدته الثانية، ففي قناة روسيا اليوم تجادل روسي وأمريكي في برنامج الصحفي العراقي سلام مسافر، قال الروسي للأمريكي أنتم قتلتم بن لادن قبل ذلك التاريخ بسنوات ونفذتم مسرحية لتجديد انتخاب أوباما، ورد الأمريكي أنتم الروس أيضا لم تقتلوا أدولف هتلر وقدمتم مسرحية للعالم.!!
لم يعد استخدام الإسلام كخطر أخطر ينطلي على المسلمين شعوبا وحكومات، فها قد حانت لحظة مواجهة الجنس الأبيض الغربي المتعالي بخطر الجنس الأصفر للتنين الصيني، لأول مرة يصل العالم إلى نقطة إعاة تشغيل جديدة Reset تسبق إعلان نظام دولي جديد عام 2030. فلقد كتب الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزاك عن وفاة ميخائيل غورباتشوف صاحب نوبل للسلام، وقال أنه منح للعالم نقطة Reset لإعادة تشغيل مختلفة للنظام الدولي الجديد، وها هو التاريخ يكرر نفسه بعد 03 عقود. ولأن (الحروب تمسح الديون) نتوقع إذلالا ممنهجا للدول المدينة من قبل الدائنين، نتوقع تراجع تصنيف فرنسا كدولة متوسطة، بعدنا وصلت الديون الفرنسية 2800 مليار -$-، منعا 300 مليار-$- مستحقة للصين.
حتى أخرج من موضوع سلمان رشدي بتفوق، أعلن انحيازي لرأي أحمد ديدات الذي قال أن كتاب آيات شيطانية نعت الغرب “بأبناء الزنى”، وأنه لا يقلق المسلمين لأن (من لا يحترم، لا يحترم)، لذلك وصفنا سلمان رشدي بعديم الذوق لا أكثر ولا أقل، تماما كما وصف الأمريكيون جريدة شارلي ايبدو بأنها تنشر كاريكاتيرات “عديمة الذوق”، فقد حوكمت الجريدة حين انتقدت تغيير نجل ساركوزي ديانته للزواج من غير يهودية، وتم الدفاع عنها حين سخرت من نبي المسلمين!!،، لأنها متأكدة أن الجرائد المسلمة لن ترد بكاريكاتير ساخر من المسيح لأنه نبي معترف به في الاسلام.
يبدو أن جو بايدن في مأزق مزدوج، تجاه أوكرانيا وتجاه الصين من جهة، ووجود رفض جمهوري وصهيوني كبير لاتفاق النووي الايراني الذي يقترحه الأروروبيون من جهة أخرى، وسيتم معاقبة بايدن بقسوة بالتصويت ضد الحزب الديمقراطي نوفمبر المقبل، فما رأي النخب الامريكية مما يحصل؟.
لم يستطع بايدن صرف أنظار العالم بقتل الظواهري أو طعن سلمان رشدي، ويبدو أن الأمريكيين سيتعرضون إلى إذلال كلما أصرت واشنطن على توريط غيرها في مسؤوليات خطط شيطانية تم تصميها لتغليط موسكو وبيجين، والدليل ما حدث في الاستفزاز الأمريكي للصين من قبل السيدة بيلوسي زعيمة الكونغرس التي قامت بزيارة تايوان وسبق لها التدخل في الشأن الداخلي للصين مطلغ تسعينيات القرن الماضي لفضح أحداث تيان أن مان.
وبهذا التلاعب الواضح يكون الاذلال الغربي مستترا والاذلال العلني محجوزا لغير الغربيين للتشهير بهم وشيطنتهم ووصفهن كأعداء لقيم الليبرالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى