أحوال عربية

قراءة في نتائج الانتخابات اللبنانية

 
عليان عليان
قبل أن تصدر نتائج الانتخابات اللبنانية بشكل رسمي ظهر الاثنين 16-5-2022 ، دق حزب القوات اللبنانية بزعامة جعجع أجراس الفرح بانتصاره على خصمه في الطائفة المسيحية ” التيار الوطني الحر ، بزعامة جبران باسيل ، في حين راح السفير السعودي يزغرد على التويتر بطريقة تثير الشفقة بقوله : “انتصرت الدولة على الدويلة” بمعنى أن الدولة اللبنانية انتصرت على دويلة حزب الله !! ولم يكتف بذلك راح يستشهد بالآية القرآنية ” إن ينصركم الله فلا غالب لكم” .
وجاءت النتائج النهائية للانتخابات بعد احتساب أصوات المغتربين ، لتصب ماءً ساخناً على ألسنة كل من جعجع وجنبلاط والسنيورة ، ولتحرج السفير السعودي الذي لاذ بالصمت بعد أن تبين له ولهم أن نتائج الانتخابات وفرت شبكة أمان سياسية وشعبية للمقاومة وبعد أن تبين له ولهم بأن “لتيار الوطني الحر” حصل على مقاعد برلمانية أكثر من حزب “القوات اللبنانية” وأنه ظل سيد الموقف في تمثيل الصوت المسيحي، وأن الحديث عن خسارة تحالف المقاومة حضورها المركزي هو نوع من التضليل الإعلامي .
قراءة أولية في النتائج
بعد أن انفض “سامر” الحملات الانتخابية التي عمت الجغرافيا اللبنانية بشكل صاخب وغير مسبوق ، نظراً للخيارات والخيارات المضادة التي لا يجمعها أي قاسم مشترك ، والتي كشف فيها فريق التبعية والانعزال، عن خطاب سياسي غاية في البؤس والقذارة الوطنية ، عبر عنه بصراحة اللواء جميل السيد- وأحد مرشحي الانتخابات – بقوله ” إن لبنان يشهد أوسخ انتخابات في تاريخه ” ، نغامر بتقديم القراءة الأولية لنتائج الانتخابات اللبنانية على النحو التالي :
أولاً :عدم تحقيق فريق (8) آذار – حزب الله وحلفاؤه- الأكثرية الكبيرة كالتي حصل عليها عام 2018 (75) نائباً ، لكن التطورات اللاحقة ،التي أشار إليها نائب الأمين العام لحزب الله “الشيخ نعيم قاسم” ، تشير إلى أن نسبة مضمونة لا بأس بها من المستقلين اللذين حصلوا على 20 مقعداً ، يؤيدون مبدأ المقاومة ضد الكيان الصهيوني، ما يرفع عدد المنتمين لتحالف حزب الله والداعمين له من المستقلين من 62 نائباً إلى 78 نائباً ، أي تحقيق الأكثرية المطلقة .
وفي رأي العديد من المراقبين ، أن ما جاء في خطاب نصر الله عقب انتهاء الانتخابات بأن أي من الكتل لم يحقق الأغلبية ، جاء في إطار التواضع ، و الدعوة للتهدئة والتوقف عن الخطابات التحريضية ، والاستعداد للمرحلة القادمة،الخاصة بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبرنامجها ، ناهيك أن هذه الخطاب جاء قبل استمزاج آراء المستقلين الذين فازوا في الانتخابات اللبنانية.
ثانياً :وبخصوص تحالف الثنائي” حزب الله وحركة أمل” فقد حصدا كامل المقاعد المخصصة للطائفة الشيعية بالكامل (28) مقعداً ، إذ أن هذا الرقم المغلق بالإضافة إلى أصوات الحلفاء وفر- على حد تعبير – الأمين العام لحزب الله – حسن نصر الله شبكة الأمان المطلوبة “.
تجدر الإشارة إلى أن تحالف حزب الله مع حركة أمل والتيار الوطني الحر وتيار المردة وحزبي (التوحيد العربي والديمقراطي اللبناني) وغيرهما ،كان قد حاز على أكثرية كبيرة في انتخابات 2018 بواقع (75) نائباً، ومن ثم فإن تراجع هذا الرقم باتجاه 62 نائبا هو في المحصلة يخصم من رصيده بشكل رئيسي لصالح المستقلين
(20) نائباً، ولصالح المحسوبين على ما يسمون ب “قوى التغيير” ” المنظمات غير الحكومية – الأنجوزيين) (13) نائبا ، ًونسبياً لصالح تحالف (14) آذار.
ثالثاً: والمعركة الانتخابية الأهم كانت على الأكثرية المسيحية بين “حزب القوات اللبنانية” بزعامة سمير جعجع –رجل السعودية وأمريكا الأول في لبنان- بعد إزاحة سعد الحريري من المشهد السياسي الانتخابي بقرار سعودي- وبين “التيار الوطني الحر” بزعامة جبران باسيل ، والتي كانت بمثابة معركة ” كسر عظم “.
وهنا يجب الإشارة إلى أن حزب القوات اللبنانية زاد من رصيده ، فقد حصل على 19 نائباً مقابل 15 نائباً في انتخابات 2018 ، لكن ظلت الغلبة في الشارع المسيحي بعد فرز أصوات المغتربين مساء الاثنين 16-5 -2022 للتيار الوطني الحر التي شكلت مفاجأة لسمير جعجع وصدمة كبيرة لحزيه ،ولمجمل اطراف تحالف (14) آذار وللسفارتين السعودية والأمريكية وذلك بتقدمه من 14 مقعدا نيابيا الى 23 معقدا مقابل 19 لحزب القوات اللبنانية ، ليعود مجدداً أكبر تكتل مسيحي نيابي في لبنان .
رابعاً: ورغم زعم “سمير جعجع” زعيم ” حزب القوات اللبنانية ” بأن فريق (14) آذار حصل على الأكثرية في مجلس النواب، مدعوما بوسائل الاعلام الرجعية والغربية، التي تصدرت صفحات تقاريرها وصحفها عنوانا واحدا هو : تحالف حزب الله يفقد الأغلبية في مجلس النواب، إلا أن معطيات الأرقام تدحض هذه المزاعم ، فالأرقام التي أعلن عنها وزير الداخلية اللبناني تشير إلى أن حصة فريق (14) آذار انخفضت من (47) نائباً في انتخابات عام 2018 إلى (36) نائباً في انتخابات أيار 2022.
وإذا ما أضفنا إليهم أرقام، ما أطلق عليهم الإعلام الانعزالي والرجعي والغربي ” بقوى التغيير” من المنظمات غير الحكومية” الأنجي أوزية” ، التي حصلت على (13) مقعداً كإحدى مخرجات ما سميت بانتفاضة 17 تشرين 2019 ، فإن رصيد هذا التحالف يصبح (49) نائباً من أصل 128 نائباً ، ما يجعله تحالف الأقلية بامتياز .
خامساً :- كما أن معطيات الأرقام تقول: أن هنالك بون شاسع بين مجموع القوة التصويتية لصالح حزب الله وتحالفه وبين القوة التصويتية لفريق (14) آذار ، ما يؤكد بشكل مطلق أن تحالف المقاومة يمتلك رصيداً شعبيا هائلا، شكل ويشكل شبكة أمان للمقاومة وسلاحها ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، فاز النائب محمد رعد من كتلة الوفاء للمقاومة” كتلة حزب الله” بمقعد نيابي وفق قوة تصويتية (20) ألف صوت ، في حين فاز النائب عن حزب الكتائب نديم الجميل من خلال 2500 صوت فقط ، وفاز نواب آخرون من تحالف 14 آذار بأقل من رقم 2000 بكثير.
اسباب انخفاض عدد نواب تحالف حزب الله عن انتخابات 2018
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا انخفض عدد نواب حزب الله وحلفائه ؟
في التقدير الموضوعي أن تراجع عدد نواب تحالف حزب الله من 75 نائباً إلى 62 نائباً قبل احتساب عدد المستقلين المؤيدين لمبدأ المقاومة ، يعود إلى ما يلي:
1- إحجام نسبة لا بأس بها من الجمهور على التصويت في دائرة بيروت الثانية وغيرها ارتباطاً بأكثر من عامل سواء عامل المال السياسي ، أو عامل الإحباط أو عامل عدم الرضى عن أداء حلفاء حزب الله ، في أخذ زمام المبادرة للتصدي للأزمة الاقتصادية وللفساد في البلاد.
2- الصراع المستمر بين طرفين حليفين لحزب الله وهما “حركة أمل” و”التيار الوطني الحر” ما أدى إلى خسارة مقاعد ” جزين” لصالح حزب القوات اللبنانية ، يضاف إلى ذلك العوامل الذاتية التي اعترف بها رئيس التيار الوطني الحر ” .
3-عدم فوز حليفيه في الطائرة الدرزية في الانتخابات وهما “طلال أرسلان” و”وئام وهاب” بحكم أن أصوات المغتربين صبت لصالح كل من تيمور جنبلاط ومروان حمادة ، كذلك عدم فوز حليفي حزب الله نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي فرزلي واسعد حردان وتراجع مقاعد كل من تيار المردة بزعامة سليمان فرنجية، من (5) مقاعد عام 2018 إلى مقعدين فقط في انتخابات 2022، وفوز حزب الطاشناق الأرمني ب (3)مقاعد
4- الضخ المالي والسياسي والإعلامي غير المسبوق في تاريخ الانتخابات اللبنانية ودخول السفيرة الأمريكية ” دوروثي شيا ” والسفير السعودي ” وليد البخاري” على خط الانتخابات ومشاركتهما في مجرياتها بالتحريض ضد حزب الله وحلفائه .
لبنان إلى أين بعد الانتخابات النيابية؟
ويبقى السؤال : لبنان إلى أين بعد إعلان نتائج الانتخابات اللبنانية؟ وهنا نتوقف بشكل رئيسي أمام محطتي انتخاب رئيس مجلس النواب ، وتشكيل الحكومة.
فقد أعلن سمير جعجع بأن فريقه يرفض ترشيح “نبيه بري” لرئاسة مجلس النواب لأنه ركن أساسي في تحالف (8)آذار ، ولأن أي مرشح لهذا المنصب يجب أن يتعهد بضمان اتخاذ القرارات الاستراتيجية من قبل الحكومة والدولة، وأن هذه المواصفات لا تتوفر في نبيه بري ويقترح أن يكون رئيس المجلس نائباً من خارج الطائفة الشيعية ، لكن هذا الإصرار من جانب جعجع هو نوع من الإحباط الذي ينتابه وينتاب فريقه جراء نتائج الانتخابات ، كون رئيس المجلس هو من حصة الطائفة الشيعية وفق اتفاق الطائف، الذي لا يمكن تجاوزه في هذه المرحلة.
واللافت للنظر أيضاً بأن “جبران باسيل” زعيم “التيار الوطني الحر” بادر إلى طرح شروط محددة للتصويت لصالح بري ، من بينها عدم تعطيل أعمال المجلس والتعامل بشكل متكافئ مع الجميع ، وهو ما رفضته حركة أمل على لسان النائب “علي حسن الخليل” بأن الحركة ترفض مقايضة الترشيح بالمواقع والأصوات، وأن الرئيس بري لا يتعامل مع المسائل من تحت الطاولة ، وهذا الاشكال يوقع حزب الله في إشكال بحكم أنه حليف للطرفين ما يتطلب من الحزب التدخل لحل هذا الإشكال .
أما المحطة الأخرى والأصعب هي محطة تشكيل الحكومة ، ففي حين يدعو حزب الله والتيار الوطني الحر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية على أرضية من الحوار الوطني للتصدي للأزمة الاقتصادية ،والدعوة إلى استخراج الغاز من البلوكات الجنوبية ( 8، 9، 10)، وعدم التوسل للسفارات والخضوع لاشتراطات صندوق النقد الدولي ، نرى سمير جعجع يصر على تشكيل حكومة أكثرية بشكل رئيسي من فريق (14) آذار ، بحيث تكون قادرة على تحقيق القرارات السيادية ومن ضمنها نزع سلاح المقاومة ، وأن حزبه يعتزم العمل على أن يعيد القرار الاستراتيجي كله الى الدولة اللبنانية، وأن لا يعود لأحد الحق أن يتخطى سقف الدولة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وأن يكون القرار الأمني والعسكري بيد الجيش اللبناني….وجعجع بهذا الطرح يتجاهل حقيقة أن فريق (14) آذار لا يزال في مربع الأقلية.
وأمام هذا الإصرار من فريق الرابع عشر من آذار بتوجيه من واشنطن والرياض ، سيدخل لبنان في حالة فراغ حكومي ، وتستمر حكومة نجيب ميقاتي بالعمل كحكومة تصريف أعمال إلى أن تبرد الرؤوس الحامية وتقبل بتشكيل حكومة وحدة وطنية ، أو أن تذهب البلاد إلى المجهول وما يمكن أن يدبر لها من فتن بتخطيط أمريكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى