أحوال عربيةأمن وإستراتيجية

قراءة في الحرب العدوانية على قطاع غزة

راسم عبيدات

تتعدد القراءات للحرب العدوانية الإستباقية التي شنتها دولة الكيان على قطاع غزة،مستفردة فيها بحركة ا ل ج ه اد الإ س لا م ي،والتي أتت في سياق استمرار عمليات الإستفراد والإستهداف في عمليات إنهاكية متواصلة واستباقية في الضفة الغربية بحق حركة ا ل ج ه اد الإ س لا م ي وبقية قوى ا ل م ق او م ة،وخاصة في مدينة جنين ومخيمها ونابلس ومخيماتها،فدولة الكيان،تخشى خوض حرب مفتوحة تشترك فيها كل الساحات عنوانها ” القدس والأقصى”فمنذ ايلول 2021،ومن بعد ان تمكن ستة من اسرى شعبنا الأبطال من اختراق منظومة الأمن الإسرائيلية واصابتها في عصبها الرئيسي بالعطب،من خلال عملية ” نفق الحرية”،والتي أفضت الى تحرير هؤلاء الأسرى لأنفسهم،من سجن “جلبوع” الأكثر تحصيناً وأمناً،وما اصطلح على تسميته ب ” الخزنة”،ورغم ان دولة الكيان نجحت في إعادة اعتقال هؤلاء الأسرى الأبطال،بعد فترة قصيرة،ولكنها جاءت لتقول بأن امن ومنظومة امن الكيان هشة ويسهل اختراقها،وسجون الإحتلال،لن تكون قبوراً لأسرانا وقادتهم الأبطال …من بعد عملية “نفق الحرية” وما سبقها من معركة “سيف القدس”،أيار/2021 ،وما تلاها في أذار 2022،من العمليات التي نفذت على أيدي م ق ا و م ي ن فلسطينيين،من الداخل الفلسطيني – 48- ومدينة جنين ومخيمها،ودولة الكيان تطلق سلسلة من المناورات الواسعة والعمليات المتواصلة ،مثل ” جز العشب” وما عرف ب” كاسر الأمواج”،والهدف منها اغتيال وتصفية أعضاء حركة ا ل ج ه اد على وجه الخصوص وغيرهم من نشطاء ا ل م ق ا و م ة،واعتقال النشطاء والأسرى المحررين،لكي لا تتمكن فصائل ا ل م ق ا و م ة من إقامة بنى وهياكل وخلايا تنظيمية،تخرج جنين ومخيمها اولاً عن سيطرة دولة الكيان،وعن سيطرة أجهزة امن السلطة،لأن ذلك يعني تهديد مباشرة لقلب جبهة دولة الكيان الداخلية،وخاصة بأن جنين لا تبعد سوى بضع كيلو مترات عن مدن الداخل الفلسطيني-48-،ولعل الإعلان عن تشكيل كتيبة ” جنين” ومنع تدحرج بقعة الزيت نحو بقية مدن الضفة الغربية،حيث تشكلت كتيبة “جنين” في نابلس وطوباس وقباطية،معلنة بان ا ل م ق ا و م ة في جنين ومخيمها لم تعد م ق ا و م ة او ظاهرة محلية،بل هي م ق ا و م ة باتت تتصف بالشمولية والتطور والتصاعد والتجذر.

حكومة لبيد – غانتس، تريد ان تضرب وتكسر معادلات الردع التي تشكلت في معركة ” سيف القدس”،وحدة ” المصير والمسار” ما بين القدس وغزة،وكذلك أي معادلة تربط بين الأسرى وبين قطاع غزة.

حكومة لبيد – غانتس أقدمت على عملية اعتقال القائد السياسي لحركة ا ل ج ه اد في الضفة الغربية بسام السعدي بطريقة وحشية،واضح انها أتت في إطار عملية التصعيد ضد حركة ا ل ج ه اد التي هددت بانها سترد على عملية اعتقال السعدي،وحكومة الكيان التي اتخذت القرار بتنفيذ عملية “بزوغ الفجر”،بضوء اخضر امريكي ومباركة قوى عربية وإقليمية،ضمنت لها تحييد حركة ح م ا س عن المشاركة في المعركة،مقابل عدم استهداف المنشات الحكومية والمدنيين،وحصر المعركة بإستهداف ا ل ج ه اد الإ سلا م ي،والإستهداف والإستفراد للحركة أتى بعد ان توفرت لدولة الكيان لحظتان،لحظة عملاتية معلومات استخبارية تجمعت لديه من اكثر من مصدر وطرف عربي عن تحركات ووجود قيادات حركة ا ل ج ه اد العسكرية،ولحظة سياسية،تضمن الإستفراد بحركة الجهاد في المعركة،بتطمينات وضمانات الوسيط المصري وحواضن عربية وإقليمية بعدم تدخل ح م اس في المعركة،على ان يجري توظيف نتائج المعركة على ا ل ج ه اد لخدمة أغراض سياسية، تؤكد على أهلية لبيد لقيادة دولة الكيان،وكذلك الحصول على كسب أصوات الناخبين الصهاينة،وبما يعزز من حضور هذا التحالف في البرلمان “الإسرائيلي” الكنيست.

المعطيات والوقائع والنتائج التي حصلت كانت تقول بأن دولة الكيان تحضر لعملية عسكرية ضد حركة ا ل ج ه اد،استدعاء المزيد من فرق الإحتياط،نصب القبب الحدودية على حدود قطاع غزة وفي وسط وقلب دولة الكيان،تعطيل كل مناحي ومظاهر الحياة في مستوطنات غلاف القطاع،واغلاق الشواطيء والمتنزهات،ووقف حركة القطارات من عسقلان الى مستوطنة سديروت، واغلاق المعابر التجارية والشخصية بين قطاع غزة والأراضي المحتلة -48 -لمدة أربعة ايام،وترافق ذلك بحملة اعلامية وتهديدات ل ح ر ك ة ا ل ج ه اد ،حول نيتها القيام بعملية عسكرية عبر عملية قنص او استخدام صواريخ كورنيت ضد جنود ” إسرائيليين”،واوعزت الى المصريين بالتدخل،وبالفعل دخل المصريين كالعادة على خط الوساطة،وقبل عملية العدوان على غزة وحركة ا ل ج ه اد بيوم،نقل المصريين اقتراحات لحركة ا ل ج ه ا د لدراستها متعلقة بمصير الشيخ بسام السعدي ومحاولة احتواء الوضع،وليكن الرد “الإسرائيلي على ذلك اغتيال القائد الميداني الكبير ل س ر ا ي ا القدس تيسير الجعبري،ومن بعد ذلك اغتيال قائد عسكري آخر،هو خالد منصور،وتلك المعركة التي أطلقت عليها حركة ا ل ج ه اد “توحيد الساحات” ،استمرت 66 ساعة وأوقعت 47 ش ه ي د اً عدد منهم لا بأس به من الأطفال والمواطنين العاديين واكثر من 350 جريح،وما نتج عنها ايضاً من خسارة لحركة ا ل ج ه اد لعدد من قياداتها العسكرية،وعمليات التدمير وهدم المنازل،وما استتبعها من وقف لإطلاق النار برعاية مصرية،تتضمن حسب ما قاله الأمين لحركة ا ل ج ه اد الأخ زياد النخالة،بأنها تتضمن التزام “إسرائيلي بالإفراج عن الأسيرين السعدي والعواوده،في حين دولة الكيان على لسان وزير جيشها غانتس،نفت ذلك وقالت بأن ذلك التزام سعي مصري للإفراج عن هذين الأسيرين.

من نتائج تلك المعركة التي جرى فيها الإستفراد والإستهداف لح رك ة ا ل ج ه اد ،بأن الهدف المركزي لهذه العملية،هو ليس فقط كسر معادلات الردع التي أوجدتها “معركة سيف القدس” في أيار /2021 ،بالربط بين غزة والقدس والضفة الغربية والقطاع،كوحدة مصير ومسار”،بل منع مشاركة الجبهة الجنوبية،بعد اضعافها عسكرياً ،في أي حرب عدوانية تشن على لبنان و ح زب ا ل ل ه،العمل على إيجاد شرخ بين حركة ا ل ج ه ا د،وبين بقية قوى ا ل م ق ا و م ة وبالذات حركة ح م اس،والتي جرى امتداحها على عدم تدخلها من قبل الأمريكان ودولة الكيان والوسيط المصري وقطر وتركيا ،السعي من أجل اجتثاث حركة ا ل ج ه اد عسكرياً،لكون هذه الحركة،شكلت رافعة لقوى ا ل م ق ا و م ة في خوض المعارك ضد دولة الكيان،ولكونها تشكل حلقة وصل ما بين ا لم ق ا و م ة الفلسطينية ومحور القدس،ولعل هناك هدف مركزي لهذا العدوان،شبيه بالهدف الذي سعت لتحقيقه أمريكا في لبنان،حيث طلبت من “إسرائيل” خوض حرب تموز العدوانية على ا ل م ق ا و م ة و ح زب ا ل ل ه من اجل خلق شرق أوسط جديد،منع صمود ح زب ا ل ل ه و ا ل م ق ا و م ة اللبنانية وإنتصارهما قيامه،وكسر وتحطيم حركة ا ل ج ه اد عسكرياً،هدفه هندسة مشروع سياسي جديد من بوابة القطاع، ولكن النتائج التي حصلت،والتي تتبجح فيها “إسرائيل” بأنها حققت أهدافها،ورغم ان حركة ا ل ج ها د لم تحقق انتصاراُ بالمعنى التكتيكي،ودفعت ثمناً عسكريا باهظاً،ولكنها صمدت ومنعت تغير قواعد ومعادلات الردع، و”حفرت” عميقاُ في وعي مواطني دولة الكيان،والذين تتعمق ازماتهم النفسية والمجتمعية وتضع علامات استفهام كبرى حول استمرار وجودهم في دولة الكيان،وكذلك لم تتمكن دولة الكيان من وقف إطلاق الصواريخ على مستعمراتها في غلاف غزة ومدنها الرئيسية في قلب ووسط دولة الكيان،فحر ك ة ا ل ج ه اد أطلقت خلال ثلاث أيام حوالي الف صاروخ وقذيفة،حركة ا ل ج ه ا د باتت رقماً صعباً في القرار السياسي والعسكري الفلسطيني،ولم تعد حركة مهمشة سياسياً وعسكرياً ،وكذلك نتائج المعركة قالت،بانه لا ثقة بالوسيط والراعي المصري،وهذا ما خبرناه في الواسطات السابقة،صفقة ” تبادل الأسرى ” الوفاء للأحرار” تشرين اول 2011 ،والحروب العدوانية على قطاع غزة،2008 -2009 و 2012 و2014 و2021،حيث لم يجر رفع للحصار ولا إعادة اعمار ولا فتح معابر ولا توسيع مساحة الصيد ،وفي صفقة ” الوفاء للحرار” أعادت “إسرائيل” اعتقال 53 أسير تحرروا في تلك الصفقة،ولم تحرك مصر ساكناً،وها هي التجربة تعيد نفسها ونعود ” لتجريب المجرب من جديد،وعود بإطلاق سراح السعدي والعواوده،ولكن بقيت تلك الوعود شيكات بلا رصيد،لم يطلق لا سراح السعدي ولا العواودة، ولا يوجد نية لحكومة الكيان لإطلاق سراحهما،فهي تريد ان تحقق مكاسب انتخابية في الانتخابات التبكيرية الخامسة على حساب الدم الفلسطيني،وتريد ان توجه رسائل ل ح زب ا ل ل ه وايران،ولذلك يبقى وقف إطلاق النار هشاً وقابل للإنفجار في أي لحظة،فدولة الكيان تصعد في القدس عبر استباحة الأقصى بالإقتحامات الكبيرة والواسعة، واغتالت ثلاثة من ش ه د اء الأقصى في نابلس ا ل ش ه ي د إبراهيم النابلسي وإسلام صبوح وحسين طه والفتى مؤمن جابر في الخليل…هي معركة محتدمة في صراع مستمر ومتواصل يخبو حياً وترتفع وتائره حيناً آخر، لن ينجح المحتل في كسر إرادة شعبنا ولا تحطيم إرادته وإطفاء جذوة شعلة م ق ا و م ت ه،فالتاريخ يعلم بأن الإحتلال والظلم والطغيان الى زوال.

فلسطين – القدس المحتلة

11/10/2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى