أخبار هبنقة

في الحكم في تربية العجول

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

العَقْلُ يُحْكّمُ بالحِكْمَة والعِجْلُ يُحْكّمُ بـ’الحَكَمَة‘، وبين الأولى والثانية ما بين السماء والأرض. من رحم جذر لغوي واحد نشأ المصطلحان ليجسدا علاقة متناقضة فيما بينهما لكنها في الوقت نفسه تحوي المضمون ذاته- الحُكْم، بمغزى إحكام السيطرة وفرض النظام والانضباط سواء على الحيوانات أو البشر أو الرغبات والشهوات أو قوى الطبيعة أو غير ذلك. وقد استولد من الجذر ذاته عديد المفردات الأخرى ذات الصلة من ضمنها يحكم، حاكم، حكومة، محكوم، حكم، أحكام، محكمة، حكيم…الخ.

و’الحَكَمَة‘ هي إحدى ابتكارات العقل البشري الذي يختص عادة بصفة ’الحِكْمَة‘. هي نوع من العقال يثبت بإحكام على رأس الحيوان بغرض التحكم فيه، أشبه بلجام الفرس لكن بصورة أكثر قسوة. تُصنع ’الحَكَمَة‘ من جدائل البلاستيك الناشف القوي حتى تحكم رأس الحيوان ومن ثم جسده كله جيدًا، وقد تتوغل بمضي الوقت والإهمال داخل طبقات جلده ولحمه لتخلف دمًا وجروحًا عميقة تتقيح وتفرز الصديد والعفن حال عدم المسارعة بالعلاج. أكثر من ذلك، كان الحبل يتجه من فوق قرني الحيوان بطريقة معينة ليثبت حول أذنه الهشة والحساسة لمزيد من السيطرة والإحكام، والألم المبرح حال الممانعة أو إبداء أدنى مقاومة أو عدم انصياع لأوامر القائد. وبسبب ذلك، كانت هناك حيوانات كثيرة فاقدة لإحدى أذنيها، أو كليهما.

كنت أصنع هذه ’الحَكَمَة‘ بنفس الشكل الذي أتقنه من قبلي جدي وأبي، في تقليد أعمى من دون أي زيادة أو نقصان. ثم أربطها بنفس الطريقة كما دأبا يفعلان، وللغرض ذاته- إحكام السيطرة على العجل وتطويعه بالكامل لإرادتي الشخصية بصرف النظر عن آلامه وعذاباته، أو ماذا يريد أو لا يريد. لم أسأل نفسي يومًا: لماذا هذه ’الحَكَمَة‘ بالذات وبهذا الشكل بالذات، أما من وسيلة أخرى لتنظيم العلاقة بيني وبين هذا الكائن بشكل أفضل، لي وله؟ وهل هي بالمطلق العلاج الوحيد الممكن تصوره لمشكلة الفوضى والإخلال بالنظام، أم هناك لا تزال إمكانية لحلول أخرى قد تكون أكثر فاعلية لو أمعنا النظر في الأمر وأوليناه ولو قليل التفكير؟! بيد أن مجرد التفكير وتقليب النظر في الأمر من زوايا أخرى قد لا يكون بالمهمة السهلة حتى على عقل يوصف بالحكمة!

بعد طول انقطاع في العلاقة مع دنيا الحيوان، كنت متلهفًا لمعرفة ما آل إليه هذا الاختراع الجهنمي الشبيه بمقصلة البشر في العصور الغابرة. واندهشت لمعرفة أنه قد لقي المصير ذاته الذي لقيته المقصلة- مزبلة التاريخ.

حكى لي القائمون على أمور العجول هذه الأيام أنها كانت مشقة في غير محلها ومن دون أي داع، لأن تقييد العجل وربطه بهذه الطريقة كان يحتم عليهم أن يتولوا بأنفسهم كل الأعباء الخاصة بالحيوان التي كان هو سيلبيها لنفسه بشكل طبيعي، وبطريقة أفضل. بسبب تقييد الحيوان، فهو لن يستطيع أن يتحرك أو يأكل أو يشرب من تلقاء نفسه، بل سينتظر حتى يأتي المربي بنفسه لكي يفك عنه قيده ويقوده حتى موضع الشرب ثم يعود به إلي حيث مربطه، ليعاود تقييده ثم يحضر له الطعام. مهمة شاقة للغاية وتستغرق وقتًا، علاوة على الاحتكاكات والمناوشات العرضية المتوقعة بالضرورة بين حيوان مفعم بالطاقة المقيدة والمكبوتة لفترة طويلة ويطوق للانطلاق والحرية وبين صاحبه، والتي قد تصل أحيانًا إلى حد الإصابات والخسائر المتبادلة بين الطرفين.

كيف حدث التغيير؟

حدث بفضل استقدام العمل بنظرية ’المزرعة‘ المفتوحة عوضًا عن نظرية ’الزريبة‘ (الحظيرة) التقليدية. يحتج المعنيون بأن الزريبة كانت عبارة عن غرفة ملحقة بالبيت القروي مثل سائر الغرف، بمعنى أن الحيوان كان يشارك أفراد الأسرة البيت ذاته. وكان لابد من تقييده حتى لا يحدث الفوضى في البيت كله، إذا اقتحم مثلاً غرفة المعيشة حيث المخزون السنوي لأفراد البيت كله من الحيوانات والطيور والبشر، أو كسر باب غرفة النوم، أو اقتحم بقوته وعنفوانه وسط الدار وداس بحوافره أحد الصغار أو المسنين أو العجزة. هذا السياق كان يجعل ’الحَكَمَة‘ ضرورة وليست اختيارًا، أو هكذا أصروا.

سارعت إلى ’المزرعة‘ لكي أرى بنفسي. رأيت، وأدركت كم كنت أحمقًا، وكم أضعت من الجهد والوقت عبثًا طيلة عشرات السنين. بفضل رحابة المكان وتجهيزاته، تستطيع العجول الآن تدبر أمور حياتها بنفسها بشكل أفضل ألف مرة مما كنت أوفره لها بعناء بالغ. هي الآن حرة من ’الحَكَمَة‘، تركض وتمرح وتلهو كيفما شاءت، وتأكل وتشرب بنفسها كلما أرادت، دون أي تدخل مباشر من البشر. قال لي أحدهم: “الأمر كله شبه آلي، يعمل من تلقاء نفسه. امنح الحيوان المساحة وحرية الحركة وستجده أفضل من يلبي احتياجاته بنفسه، لأنه الأدرى بها حتى لو كان حيوانًا لا يعقل.”

صحيح، وهل كان حيوان ’الزرائب‘ يمتاز بشيء على حيوان ’البراري‘، عدا لو زعمنا أن ’الحَكَمَة‘ المغروسة في عنقه ميزة؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى