أخبارفي الواجهة

فرنسا – وفاق بين اليمين “المتطرف” و”المُعتدل” والشركات الكبرى

فرنسا – اليمين المتطرف: الإبن الشّرعي للرأسمالية

الطاهر المعز

فرنسا – وفاق بين اليمين “المتطرف” و”المُعتدل” والشركات الكبرى

الشركات الفرنسية تتصالح مع مارين لوبان
قبل حوالي سَنَتَيْن من حلّ البرلمان وإعلان الإنتخابات التشريعية السابقة لأوانها، كانت شركات الإستطلاع وسبر الآراء ووسائل الإعلام (الحكومية أو التي يمتلكها الأثرياء مثل فنسنت بولوريه) تُردّد بإلحاح إن اليمين المتطرف يوف يحكم البلاد في أول فُرصة انتخابية، إن عاجلا أو آجلاً، وقبل ذلك، لاحظ بعض الصحافيين المُستقِلِّين، منذ بضعة سنوات، تغييرات في سلوك بعض المديرين التنفيذيين للشركات والمصارف وأرباب العمل ومالكي وسائل الإعلام، ومن مظاهر هذا التّغْيير، دعوة قيادات اليمين المتطرف، من قِبَلِ كبار رجال الأعمال الفرنسيين للّقاء في المطاعم والفنادق الأنيقة “لتبادل وجهات النّظر” حول وجبات فاخرة، وكانت فئة المصرفيِّين ورجال الأعمال من المُتحفّظين على برنامج اليمين المتطرف وعلى وسائل تنفيذه، وتُؤَشِّرُ هذه اللّقاءات إلى حدوث تطورات أدّت إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية، في اتجاه مُعاكس لمصالح الأُجَراء والكادحين والطبقة العاملة، وخصوصًا بعد الخطب الرسمية التي ألقاها جوردان بارديلا ( رئيس حزب التجمع الوطني) ومارين لوبان ( المُؤَسِّسَة والوريثة “الشرعية” والرّئيسة الفعلية لحزب والدها “جان ماري لوبان”) أمام اتحاد أرباب العمل ميديف، والهيئات التي تمثل الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، ومن بين الشخصيات التي التقاها زعماء اليمين المتطرف، قبل الإنتخابات الأوروبية: بيير غاتاز، الرئيس السابق لاتحاد أرباب العمل ميديف، وهنري بروليو، الرئيس التنفيذي السابق لشركة الطاقة العملاقة إي دي إف وفيوليا، وأفراد عشيرة داسو (المليارديرات في عالم الطيران)، والعديد من الشخصيات المعروفة في عالم المال والتجارة وأرباب العمل، وتُدْرِجُ صحيفة لوفيغارو اليمينية هذه اللقاءات في باب “عدم الرّهان على مُعسكر ( أو حصان) واحد” ( مُعسْكَر إيمانويل ماكرون)، واختيار حماية مصالحهم من خلال توسيع التحالفات و” توحيد القوى مع التجمع الوطني ( حزب اليمين المتطرف) كوسيلة لضمان حماية مصالحهم” أو “الإكتفاء بإجراء اتصالات وِدِّيّة قد تكون مُفيدة يومًا مَا” وفق نفس الصحيفة، يوم 22 أيار/مايو 2024، خصوصًا وإن معظم شركات المقاولات والإتصالات والخدمات وغيرها، تحصل على أرباح هامة من تنفيذ برامج الدّولة…
يدّعي حزب الينين المتطرف الدّفاع عن الفئات الشعبية لكنه وَظَّفَ مجموعةً من المستشارين الوزاريين السابقين وكبار الموظفين والمديرين التنفيذيين للشركات، وأنشأ دائرةً تُزود قيادة الحزب بملاحظاتها بشأن العديد من المواضيع، من “صدام الحضارات” إلى الليبرالية الاقتصادية، وأظهرت مُداولات مجلس النواب، مُعارضة مُمثّلي اليمين المتطرف زيادات الأجور وعَارَضُوا بشكل منهجي رفع الحد الأدنى للأجور أو ربط الأجور بالتضخم، ووعدحزبهم، بدلا من ذلك بتعزيز الدَّخْل من خلال خفض مساهمات أرباب العمل في الضمان الاجتماعي ( وهو ما طبَّقَهُ ساركوزي وهولاند وماكرون) كما يعارض حزب “آل لوبان” اليميني المتطرف تجميد الأسعار الذي اقترحه حزب “فرنسا الأبية” وحلفاؤه، وامتنع عن التصويت على إدخال حد أدنى لسعر المنتجات الزراعية – وهو مطلب أساسي للمزارعين الذين حشدوا في أوائل عام 2024، كما عارض نواب اليمين المتطرف في البرلمان الفرنسي أي ضغط على أرباب العمل لتأمين سلامة العُمّال وتَبَنّى مطالب جماعات الضغط في قطاعات الرعاية الصحية والبناء والسيارات، ورغم ادّعائه مُعارضة رفع سن التقاعد، لم يدعم قط احتجاجات النقابات العمالية سنة 2023 ضد زيادة سن التقاعد التي اقترحتها الحكومة…
نتبذل “مارين لوبان” جُهْدًا كبيرا لتبرير التراجع عن الإنفصال عن الإطار الأوروبي وعن اليورو وحلف شمال الأطلسي وأصبحت تُدافع – مثل مجمل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا – عن اليورو، وعن الاتحاد الأوروبي، وعن حلف شمال الأطلسي، ونَشَرتْ مارين لوبان مقالا عن الدّيْن العام في الصحيفة اليومية الإقتصادية التي يملكها الثري برنار أرنو (صحيفة ليزيكو بتاريخ 05 شباط/فبراير 2024)، حيث كررت كل الكليشيهات النيوليبرالية، وإلغاء القُيُود التنظيمة على رأس المل والمُضاربة، ودافعت باستِماتَةٍ عن مصالح الشركات الكبرى، وأنشأ الحزب خليّةً سمّاها بعض الباحثين والصحافيين “حُكُومة الظّل” التي يرأسها فرانسوا دورفي، المدير الإداري لشركة أوتيوم كابيتال، وهو صندوق استثماري على مِلْك الملياردير اليميني المتطرف “بيير إدوارد ستيرين”، الذي نقل مَقرّ شركاته إلى بلجيكا لخفض مبلغ الضّرائب على أرباح شركاته، ويسعى لشراء وسائل إعلام (مجلات، محطات إذاعة…) لدعم مواقفه المتطرفة، ويُساعد مُستشارو مارين لوبان رئيستهم في إعداد الملفات وتحضير محتوى وشكل الدّعاية الإنتخابية والخطابات والمُناظرات، ومن بين هؤلاء المُستشارين “جان فيليب تانغوي”، وهو نائب برلماني عن الحزب وخريج كلية إدارة الأعمال الشهيرة ( ESSEC ) ومُتخَصّص بالإتصال بوسائل الإعلام، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية، وكذلك فابريس ليجيري ( الذي أصبح نائبًا في البرلمان الأوروبي، يُمثل اليمين المتطرف) وهو خريج مدارس النخبة ومسؤول كبير سابق في وزارة الداخلية الفرنسية، وكان من 2015 إلى 2022 مديرًا لوكالة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي فرونتكس، وتخلّت مارين لوبان عن انتقاد ما كانت تُسميه “خسارة فرنسا للسيادة النقدية والعسكرية والاقتصادية والسياسية”، وإذا أردنا الإعتماد على الوثائق المنشورة، فإن البرنامج الإنتخابي للحزب يدعو إلى “المنافسة العادلة داخل السوق الأوروبية”، دون مزيد من التفاصيل لتحديد ما يعنيه ذلك، كما يُدافع عن “الأولوية الوطنية” في المناقصات (العطاءات) الحكومية، وهو أمر محظور رسمياً بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي.

برنامج “الإصلاح الهيكلي” لليمين المتطرف
كيف أصبح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف أكبر حزب في فرنسا وفي وضع يجعله يقود حكومة البلاد، إثر انتخابات ديمقراطية؟
ابتهجت الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف بلدان أوروبا لنجاح ائتلاف اليمين المتطرف الفرنسي في الحصول على أكثر من ثُلُثِ أصوات الناخبين (33,2% )، وتَصَدُّر لائحة الأحزاب والإئتلافات المُشاركة في الإنتخابات، واعتبر “حزب الجمهوريين” (حزب نيكولا ساركوزي) «إن الخطر الذي يهدد بلادنا اليوم هو اليسار وليس حزب التجمع الوطني”
بخصوص السياسة الخارجية، وقضايانا العربية، تَصَدّر قادة اليمين المتطرف – الذي أزال الصهاينة عنه تهمة “معاداة السّامية”، منذ 2002، أي مباشرة بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة – المظاهرات المُؤيدة للكيان الصهيوني وللعدوان لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة، واعتبر جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني “إن الاعتراف بفلسطين في الوقت الراهن هو بمنزلة اعتراف بالإرهاب” واعتبرت أكبر جمعية صهيونية في فرنسا “إن اليسار يُمثل الشّر الأكبر فهو مُعادي للسامية ولإسرائيل”، في حين يكتفي قادة “الجبهة الشعبية الجديدة” بانتقاد العدوان الحالي والحكومة الحالية للعدو ولا ينتقد “الدّولة” وظروف تأسيسها على أرض الشعب الفلسطيني، ويُردّد معزوفة حل الدّوْلَتَيْن…
احتفى اليمين الأوروبي – وهو مُحقّ في ذلك – بالنتائج الباهرة لزملائه الذين أصبحوا على باب السلطة التشريعية والتنفيذية في فرنسا، ما يُمثل انتصاراً عقائديا وسياسيا كبيراً، وانتشارًا للتيار اليميني المتطرف في مناطق جغرافية جديدة، في الأرياف كما في المُدُن وفي الأحياء الشعبية، وفي أوساط فئات اجتماعية جديدة تضرّرت من انهيار مستوى العيش ومن شُحّ الوظائف وبدوام كامل وبعقود ثابتة وبأجر لائق، نتيجة تطبيق السياسات النيوليبرالية منذ حوالي أربعة عقود، رغم خُلُو برنامج اليمين المتطرف من معارضة الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية، وخلُوّه من أي إجراء يُشير إلى الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة وصغار الفلاحين والفئات الشعبية، ويتضمّن هذا البرنامج دفاعًا عن “الأُمّة الفرنسية” وتقسيمًا للطبقة العاملة والفئات الشعبية إلى أوروبيين ومهاجرين، وإلى عاملين وعاطلين (وكأنهم عاطلون بإرادتهم) ويتضمّن بناء أُمّة عِرْقِيّة ترفض قِيَم الجمهورية ( حرية – مساواة – أُخُوّة) وخطاب حقوق الإنسان الذي يدعو ( ولو شكليا، وعلى مستوى الخطاب فقط) إلى القيم الإنسانية…
انتعشت تيارات اليمين المتطرف في الدّول الرأسمالية المتقدّمة (الدّول الإمبريالية) وانتعشت معها التيارات الإرهابية السّلَفِية والوهابية في البلدان العربية والإسلامية، بفضل الدّعاية الأمريكية عن “الإرهاب الإسلامي” الذي أنشأتْه ودرّبتْه وسلّحتْه ورَعَتْهُ وكالات الإستخبارات الأمريكية والأوروبية، وخصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، والمناخ الإعلامي الذي رافَقَهُا وتلاها من تكثيف التحريض ضد العرب والمسلمين، قبل الإحتلال المباشر وتدمير العديد من البُلْدان بمباركة مجمل أو معظم مكونات “الرّأي العام”، واستغلت تيارات اليمين النيوليبرالي، من يمين تقليدي أو مُتطرف، هذا المناخ لنشر الدّعاية “العِرْقِيّة” والنّظريات العُنصرية التي سادت خلال فترة الإستعمار المُباشر، وخلال فترات صعود التيارات الفاشية في أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان، ولذلك فإن الصعود الحالي لتيارات اليمين المتطرف لا يُعدّ حدثًا تاريخيا فريدًا في أوروبا وأمريكا التي ازدهرت بها الفاشية خلال الأزمة الكبرى (1929) وخلال الحرب العالمية الثانية، وطيلة فترة الإستعمار المباشر، بتأييد ودعم من قطاع شعبي عريض يتكرّر اليوم ضد الشعوب الإفريقية وضدّ الشعوب العربية، وخصوصًا الشعب الفلسطيني، لأن التيارات السياسية والإيديولوجية السائدة في أوروبا وأمريكا الشمالية تعتبر الصهيونية والكيان الصهيوني جُزْءًا من الحضارة والثقافة الإستعمارية ذات المَنْشَأ الأوروبي، وتعتبر الصّين أو روسيا جُزْءًا من “الشّرق” غير المُتحَضِّر…
عادت التّيارات اليمينية المتطرفة إلى الإنتعاش في هذا المناخ، فضلا عن تراجع مكتسبات الطبقة العاملة والفئات الشعبية، منذ انهيار الإتحاد السُّوفيِيتي، وتمكّن اليمين التقليدي كما اليمين المتطرف من ترويج خطاب يُحَمِّل العمال الأجانب مسؤولية تدهور وضع العُمّال ومتوسطي الدّخل والفُقراء، ويدْعَم عمليات الإبادة الجماعية التي يُمارسها الكيان الصهيوني…

إعادة هيكلة اليمين المتطرف
تُنسّق أحزاب اليمين المتطرف نشاطها على المستوى الأوروبي، وضمن كُتْلَة “الهوية والدّيمقراطية” داخل البرلمان الأوروبي، وتتفق جميعها على السّوق الحُرّة ( أي الرأسمالية)، ولكن توجد بعض الإختلافات، وعلى سبيل المثال تختلف مواقف هذه الأحزاب بشأن سياسة الحماية الجمركية، وصَوّت نحو 60% من برلمانِيِّي كتلة “الهوية والديمقراطية”، التي ينتمي إليها حزب لوبان، لصالح اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا، وامتنع حزب التجمع الوطني ( فرنسا) عن التصويت على الاتفاقيات مع تشيلي وكينيا في أواخر كانون الثاني/يناير 2024، بسبب احتجاجات المزارعين الفرنسيين، في حين وافق شركاؤه الأوروبيون إلى حد كبير على النَّصَّيْنِ، كما توجد خلافات حول المشاركة في جميع هياكل حلف شمال الأطلسي، أو الإكتفاء بالمشاركة دون التّواجد في الهياكل القيادية، كما تُنسّق أحزاب اليمين المتطرف ( حزب المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين) مع مجموعة الأحزاب اليمينية التقليدية في البرلمان الأوروبي المُنْضَوِية تحت لواء “حزب الشعب الأوروبي”، كانعكاس لارتفاع عدد الحكومات القائمة على الاتفاقات بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف في إيطاليا والسويد وفنلندا وكرواتيا وغيرها، وتُشارك معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في الدّعم العسكري والمشاركة في الحُرُوب العدوانية الأمريكية والأطلسية، بالمُرتزقة والمليشيات، ونظّم اليمين المتطرف تظاهرة ضخمة في مدريد يوم 19 أيار/مايو 2024، حيث انضم إلى زعماء هذا المعسكر الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ووزير في الحكومة الصهيونية، وشكل هذا التّجمّع أحد مظاهر استعراض القُوّة، وأحد رموز الروابط حول أجندة رجعية مشتركة، ويشير حضور التجمع الوطني (فرنسا ) وفراتيلي دي إيطاليا وفوكس الإسباني إلى لوبان البارز هناك إلى مزيد من التقارب وتبادل الخبرات بشأن تجارب الحُكْم ضمن ائتلاف مع اليمين التقليدي…
يعكف حزب “التجمع الوطني” على إعادة النّظر في بعض فقرات برنامجه، وخصوصًا مُراجعة أشكال (وليس جوهر) الإعلام والإتصال، وفاجأته الإنتخابات الفرنسية السابقة لأوانها، ولكنه كان أكثر حزب مُهَيّأ ومُستعدّ لها، وبدأ يُراجع تناقضاته بشأن التصريحات الشفوية التي تتضمّن “الدفاع عن الطبقة العاملة الفرنسية ضد الأغنياء”، وهي تصريحات تتناقض مع برنامجه وتصويت نُوّابه في البرلمان، وأظْهرت الدّورة الأولى للإنتخابات التشريعية ( 30 حزيران/يونيو 2024) احتفاظ حزب عشيرة “لوبان” بقاعدته الشعبية من الناخبين، واجتذابه المزيد من المجموعات “الحاسمة” ومن بينها الفئات الوسطى والمُتقاعدون، لأن هذه الفئات تُشارك بكثافة في الإنتخابات، خلافًا للشباب والفقراء، ليُصبح فوز اليمين المتطرف في الإنتخابات التشريعية والرّئاسية أكثر احتمالا من أي وقت مضى، ما يُعَسِّرُ مُهمّة اليسار لإقناع الفرنسيين بإمكانية إقامة مجتمع قائم على العدالة أو المُساواة، ولم يتمكّن اليسار (لأن بعضه برجوازي، مثل فرنسوا هولاند الذي لم تختلف سياساته عن اليمين التقليدي) من إقناع المواطنين بالقدرة التدميرية لليمين المتطرف الذي يخدم مصالح رأس المال ويقف ضد مصالح الطبقة العاملة والفُقراء…

تطبيع وإدماج اليمين المتطرف
ساهم اليمين “التقليدي” الأوروبي في إدماج اليمين المتطرف، كَحلّ لأزمة رأس المال، وساهم اليمين التقليدي الفرنسي ( أو الألماني والهولندي والإيطالي والسويسري والنمساوي والسويدي وغيره) في “تطبيع” العلاقات مع اليمين المتطرف، باعتباره “تيار سياسي قانوني مثل باقي التيارات الفكرية” وفي الحقيقة فإن انهيار الإتحاد السوفييتي أدّى إلى تَطَرُّف اليمين التقليدي واقترابه إيديولوجيا مع اليمين المتطرف، خصوصًا منذ رئاسة نيكولا ساركوزي من 2007 إلى 2012، حيث ازداد تبنِّي العديد من السياسيين والأحزاب موضوعات ومفردات اليمين المتطرف، بما في ذلك الحزب “الإشتراكي”، الذي أعلن رئيس حكومته (خلال رئاسة فرانسوا ميتران) سنة 1984: “إن اليمين المتطرف يقدم إجابات سيئة على أسئلة جيدة”، فيما سَخِرَ جاك شيراك سنة 1991 من “الضّوضاء والروائح الكريهة التي تسببها الأسر المهاجرة للمواطنين الفرنسيين”، وذلك أثناء فترة ولايته كرئيس لبلدية باريس، غير إن فترة رئاسة نيكولا ساركوزي شكّلت نقطة تحول رئيسية، لأن شعارات ولُغة حملته الانتخابية ( بإشراف باتريك بويسُّون) سنة 2007 كانت مُطابقة لأجندة اليمين المتطرف، وبقيت هذه الأجندة سائدة خلال فترة الرئيس “الإشتراكي” فرانسوا هولاند ووزيره للداخلية ثم رئيس وزرائه مانويل فالس – ذي الأفكار والتصريحات والتصرفات اليمينية المتطرفة – حيث تعزّز دور الشرطة بعد هجوم مشبوه على مجلة شارلي هبدو ( وهي صحيفة استفزازية تخصصت في ازدراء المُسلمين) وعلى قاعة باتاكلان سنة 2015…
لم يتغير الأمر ( ولم يكن منتظرًا أن يتغير) خلال رئاسة إيمانويل ماكرون (الذي كان وزيرا يمينيا مُعلَنًا في حكومة الحزب “الإشتراكي”) بل انتهج طريقًا مماثلا لساركوزي في دمج اليمين المتطرف من خلال عدد من الوزراء المتطرفين مثل وزيري المالية والداخلية ووزراء آخرين يستخدمون باستمرار مفردات وعبارات اليمين المتطرف بخصوص العمال المهاجرين والمواطنين “المُسلمين” المُتَّهَمِين بالإنعزال ومحاولة “الإنفصال” عن المجتمع “الأوروبي المسيحي الأبيض” مما زاد من التّمازج بين اليمين التقليدي الذي يُفْترَضُ أن يمثله إيمانويل ماكرون واليمين المتطرف، وبذلك استمرت عملية دَمج اليمين المتطرف وإضفاء الشرعية على أطروحاته وعلى زعمائه، من خلال التركيز على القضايا الأمنية (بدل التركيز على الحياة اليومية والوضع المعيشي الصعب لأغلبية السّكّان) وتحميل المهاجرين وأبنائهم وأحفادهم (وهم فرنسيو المَوْلِد والحياة والمجتمع والثقافة…) مسؤولية تدهور عيش الكادحين والفُقراء وتدهور الوضع الأمني، إن ثَبَتَ ارتفاع عدد الجرائم بالفعل، وكان التركيز على الهوية ( الأوروبية المسيحية) والأمن فُرصةً لقمع الحركات والنضالات ذات الصبغة نقابية والإجتماعية، وقمع مناضلي “السترات الصفراء” والمُتقاعدين وارتفاع عدد ضحايا رصاص الشرطة، بذريعة “الدّفاع عن النفس” ضدّ شُبان غير مُسَلّحين، وبذلك تمّت إزاحة مواضيع حياتية هامة من النّقاش أو تم التقليل من أهميتها كانخفاض القيمة الحقيقية للدّخل وازدياد الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء وإقصاء عدد متزايد من المواطنين من الرعاية الصحية وارتفاع أسعار الطاقة وشُحّ السّكن، وكأن طَرْد المهاجرين – وهم يُشغّلون قطاعات أساسية في البلاد – سوف يُمكّن من حل هذه المشاكل، وانطلقت ألسنة العديد من زعماء اليمين التقليدي للحديث عن “الإستبدال الكبير” ( مثل فاليري بيكريس، خلال حملتها الإنتخابية سنة 2022).

اليمين المتطرف صديق الأثرياء، وعدُوّ الفُقراء
يدّعي قادة اليمين المتطرف الدّفاع عن مصالح الفُقراء ولكن البرنامج الإنتخابي (فصل الإقتصاد) والتصريحات التي يُدلي بها زعماء “التجمع الوطني” أو المجموعات الأخرى مثل مجموعة إريك زَمُّور، تُبيّن انحيازًا لا غُبار عليه للأثرياء من المُضاربين وأصحاب الأعمال والتجارة، من خلال مقترحات خفض الرّسوم والضرائب على الثروات وأرباح الشركات والميراث والعقارات المُعَدّة للبيع أو الكراء، لكن لا توجد مقترحات ملموسة بشأن تحسين الأجور وظروف العمل وتوفير الشُّغل والمسكن والرعاية الصّحّية ووسائل النّقل العمومي وخفض أسعار الطاقة والماء والخدمات الخ، ويتباهى زعماء التجمع الوطني اليميني المتطرف بالعلاقات الوطيدة مع أصحاب الأعمال، والمشرفين على اتحاد أرباب العمل (MEDEF) منذ سنوات، وأوردت الصحافة الفرنسية بعض أخبار المفاوضات بين زعيمة اليمين المتطرف “مارين لوبان” ومديري ومسؤولي الشركات ( المقاولات والإعلام وقطاع الخدمات والبنية التحتية…)، وكانت مارين لوبان قد نشرت في شباط/فبراير 2024، مقال رأي في صحيفة الأعمال ( Les Echos ) تُغازل من خلاله رجال الأعمال وأسفرت اللّقاءات العديدة مع الأثرياء ورجال الأعمال والمصرفيين والمشرفين على الشركات، على توثيق علاقات حزب اليمين المتطرف مع فئة الرأسمالية العابرة للقارات، وفق مقال نُشر في مجلّة “لونوفيل اُبْسِرْفاتور” بتاريخ 16 أيار/مايو 2024، كما نشرت أُسْبُوعية لو كانار أونشيني (26 حزيران/يونيو 2024) أخبارًا عن التقارب بين عائلة “َداسُّو” التي تملك صحيفة لوفيغارو ومصانع الطائرات الحربية “رافال” وحزب عشيرة لوبان اليميني المتطرف، وذكرت صحيفة “غليتز” بتاريخ 20 حزيران/يونيو 2024 إن شركة إل في إم إتش، وهي شركة السلع الفاخرة المملوكة لعائلة أرنو، تُجري اتصالات مع الحزب الرئيسي لليمين المتطرف…
أما زعيم قُطْب الأعمال “فنسنت بولوريه”، فقد خدم الإيديولوجيا الفاشية وكرّس وسائل الإعلام التي اشتراها لخدمة نفسه ولبث أفكار اليمين المتطرف في المجتمع منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وللتذكير فهو يمتلك شركات عديدة في مجالات الخدمات اللوجستية والشحن في إفريقيا وإمبراطورية إعلامية يمينية متطرفة واسعة النطاق وَوَعَدَ جوردان بارديلا، رئيس حزب اليمين المتطرف بالعمل المُنَسّق مع قطاع الأعمال، لتلبية متطلبات الشركات الفرنسية، وإزالة القيود التي تعيق النمو الاقتصادي، من خلال خفض الضرائب على الشركات، واتخاذ تدابير لتحفيز سوق العمل، وإنشاء صندوق استثمار سيادي، وسبق أن نَشَرت مارين لوبان مقال رأي في صحيفة “ليزيكو” ( Les Echos ) في شباط/فبراير 2024 في هذا الإتجاه الذي تَبَنّاه “بارديلا” منذ ذلك الحين وانتقد يوم الرابع والعشرين من حزيران/يونيو 2024، السياسات المالية لحكومة ماكرون ووعد بخفض الإنفاق على الرعاية وتشديد الرقابة على الفُقراء فقط (نظام التأمين ضد البطالة ومساعدات الضمان الإجتماعي)، مُتذرعًا بحصول المُقيمين الأجانب عليها، على قدم المساواة مع الفرنسيين، كما وَعَدَ بخصخصة ما تبقى من الشبكة العمومية للإذاعة والتلفزيون، كما أعلن بنفس المناسبة (يوم 24 حزيران 2024) إجراءات قمعية عديدة وتشريع إطلاق النار من قِبَل الشرطة…
تشبث حزب التجمع الوطني بجوهره الفاشي الذي تدعمه ترسانة القوانين القمعية التي تمت المصادقة عليها من قِبَل البرلمان الفرنسي طيلة عقود، فضلا عن تغاظي السياسيين والأحزاب ونواب البرلمان عن ممارسات الشرطة العدوانية ومنها استخدام العُنف الشديد والأسلحة النهارية في الساعات والشوارع والأحياء الشعبية…

دعم الإستعمار والصهيونية
تسعى الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا إلى مَحْو صورة وتاريخ الأحزاب الفاشية خلال فترة ما بين الحربَيْن ثم خلال الحرب العالمية الثانية، واعتبرت إن أفضل طريقة هي المبالغة في دعم الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، فأصبحت أكبر داعم للصهيونية، نظرًا للتطابق الإيديولوجي ونظرًا لتجسيد الكيان الصهيوني النموذج الإستعماري الإستيطاني الذي يوَدّ اليمين المتطرف الأوروبي والأمريكي تطبيقه، بالتوازي مع سعيه إلى الظهور بمظهر التيار القادر على إدارة الدّولة والمجتمع، وتحسين صورته بهدف الحصول على أغلبية أصوات النّاخبين، ولتحقيق مكاسب انتخابية، أصبح الدعم القوي للصهيونية ولحلف شمال الأطلسي وحروبه العدوانية، بزعامة الإمبريالية الأمريكية، ركيزة أساسية للسياسات الخارجية لليمين المتطرف، وتجسّد اندماج اليمين المتطرف بالصهيونية، في حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، وغيرت فيلدرز (هولندا) ومارين لوبان (فرنسا)، ونايجل فاراج (بريطانيا) وفيكتور أوربان (المجر) الخ
سافرت زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا السابقة فراوكه بيتري إلى تل أبيب في أوائل سنة 2016 وأجرت مقابلة حصرية مع صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية، لتُبين لمواطنيها دعمها الكيان الصهيوني الذي يمثل نموذج الرقابة الصارمة في الدّاخل وعلى “الحُدُود” ( هل للكيان الصهيوني حُدُود؟) ونموذج للميز العنصري العِرْقي ( إذا كان اليهود أثنية أو عرقا أو قومية) ويدعم اليمين المتطرف بناء دولة يحكمها نظام عسكري وتتشكل من عرق واحد ودين واحد يقودها زعيم واحد، وللتذكير فإن شعار أدولف هتلر كان وحدة الدّولة ووحدة الشعب بزعامته كقائد فرد لا تُعْصَى أوامرُه.
في فرنسا توجّهت مارين لوبان، سنة 2014 خلال الحملة الإنتخابية عام 2014، إلى اليهود الفرنسيين لإقناعهم بالتصويت لصالح “الجبهة الوطنية” ( الذي أصبح يُسمّى حاليا التجمع الوطني): “إن حزبنا هو أفضل درع لحمايتكم من الأصولية الإسلامية، عدوكم وعدُوّنا الحقيقي الوحيد”…

خاتمة:
أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي وانتخابات النّواب البرلمانيين الفرنسيين تجذّر حزب اليمين المتطرف – التّجمّع الوطني – في كافة مناطق فرنسا وفي كافة الفئات الإجتماعية، وأصبحت له جُذُور مكّنته من تحقيق نِسَب عالية جدًا في المدن أو المناطق المرتبطة بتاريخ الطبقة العاملة، وارتفع عدد الناخبين لصالح التجمع الوطني من 4,2 مليون صوت سنة 2022، إلى 10,6 مليون صوت خلال الدّورة الأولى من الإنتخابات التشريعية السابقة لأوانها سنة 2024.
كيف أصبحت البروليتاريا تُصَوّت لصالح اليمين المتطرف؟ لم يعد البروليتاريون الجدد متمركزين في المصانع الكبيرة، ولا حتى في الصناعة، بل معظمهم من العمال غير المستقرين في قطاعات البناء والنقل والتجارة والمطاعم والفنادق والخدمات (المستشفيات ورعاية المُسنّين والأطفال والتنظيف إلخ). لقد أطلق هؤلاء البروليتاريون الجدد إضرابات وانتفاضات، لكنها لم تكن جيدة التنظيم والأهداف ولم تتسم بالعمل الجماعي (تحديد المطالب والأهداف وأشكال النضال…). ولم يحصل هؤلاء من الجيل السابق على نقل للمعرفة والخبرات النضالية، ما جعل التيارات الرجعية، وحتى الفاشية، تحتل الفضاء العام الذي تركه المناضلون والشيوعيون والنقابيون من الجيل السابق، وحصل اليمين المتطرف على دَعْم وسائل إعلام يمينية متطرفة، مثل بي إف إ موسي نيوز وغيرها من وسائل الإعلام التي ساعدت حزب التجمع الوطني، من خلال نشر أفكاره وترويجها وإضفاء المصداقية عليها، في ترويج الأفكار الرجعية والسطحية والتبسيطية.
من ناحية أخرى، تجنّد شباب المُدُن والشباب الجامعي خلال الربع الأخير من سنة 2023 والرّبع الأول من سنة 2024 لدعم الشعب الفلسطيني، ومعظمهم ممن تجندوا أيضًا ضد اليمين المتطرف، ما يجعل هؤلاء الشبان – بشكل طوعي أو بشكل موضوعي – في طليعة النضال ضد الصهيونية وضد اليمين المتطرف، وهما طرفان ينتميان إلى نفس الجبهة الرجعية الدّولية مُعْلَنَة منذ ما لا يقل عن 15 سنة، وربما منذ أيلول/سبتمبر 2001.
في مثل هذه اللحظات والمحطات التاريخية، نفتقد الحزب الثوري القادر على جَمْع هذه القوى الشبابية واندماجها في حركة قادرة على إبراز الطابع الطبقي والطابع الأممي لهذه النضالات، لأن اليمين المتطرف (وكذلك اليمين “الكلاسيكي”) يخلق ويُؤجّج ويعمل على تفاقم انقسام الطبقة العاملة من خلال الإصرار على “التفضيل القومي” ضمن “وحدة الشعب” (المجردة أو الخيالية) بدلاً من الصراع الطبقي والمصالح الطبقية، بهدف ترسيخ إحساس العامل بأنه ضحية لزملائه العاملين (السود أو المسلمين أو العرب) وليس ضحية للاستغلال الرأسمالي وقمع الدولة.
أظْهَرَتْ تجربة الفاشية الأوروبية في الثلاثينيات أو تجارب دكتاتوريات تشيلي والبرازيل والأرجنتين، وكذلك التجارب الحالية في إيطاليا والمجر وكرواتيا وأوكرانيا، أن اليمين المتطرف هو تيار رأسمالي، مُناهض لمصالح الكادحين والعمال والفقراء، ويُعارض حقوق الشعوب المُستَعْمَرَة والمَضْطَهَدَة مثل شعب كناكي أو الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال المُستوحى من أحداث العام 2024.
تنتمي تيارات اليمين السياسي عمومًا – وخصوصًا فَرْعها المُتطرّف – إلى منظومة فكرية عنيفة واستبدادية وتسلُّطِية، ضد العدالة والمساواة وضد الوقاية – بدل العقاب – وضدّ تشخيص الأسباب قبل البحث عن العلاج للمسائل الإجتماعية، لكن السِّجِلّ السّلْبي للحكومات السابقة والمسار المعادي للمجتمع الذي انتهجته، هو الذي عزز اليمين المتطرف، وفي فرنسا سَنّت الدّولة (البرلمان والحكومة) العديد من التشريعات (قوانين ومراسيم ومناشير إدارية…) المعمول بها حالياً والتي وضعها كل من اليسار (منذ ميتران) واليمين، لِشَرْعَنَة التمييز والتفرقة بين أفراد المجتمع وتَعْكِسُ التركيبة السّكّانية للأحياء مظاهر التفرقة وعدم المساواة والظلم، كما يظهر التمييز في السكن والعمل ومراقبة الشرطة، وسلسلة كاملة من التنمر التي أصبحت ممارسة شائعة في فرنسا منذ عقود… إنه إرث استعماري ثقيل يعاني منه أحفاد المهاجرين – أكثر من غيرهم من العمال أو الفقراء الآخرين – ويتجسّد هذا الإرث في المعاملة الدّونية في الإدارات العامة وفي مكان العمل وفي الفضاء العام وفي وسائل النقل، في المدن كما في الأرياف، ويعمل اليمين المتطرف على تعزيز هذا التقسيم بين الفقراء وممارسة المَيْز على أساس اللون أو الدّين المُفْتَرَض أو مكان ولادة الآباء أو الأجداد، بهدف عرقلة أو مَنْع وحدة جميع الكادحين والفقراء لمجابهة رأس المال والدّولة أو الأحزاب التي تُدافع عن مصالحه…
يشكل اليمين المتطرف خطرا، لكن عَبَّدَ أولئك الذين حكموا بالأمس وأولئك الذين يحكمون اليوم طريقه إلى السلطة، لذلك لا يكفي التصويت ضد حزب التجمع الوطني، بل وجبت محاربة الرأسمالية وممثليها الذين يحكمون ويستغلون ويقمعون العمال والفقراء في الدّاخل ويعتدون على البلدان والشعوب في الخارج… إن سلطات النظام الرأسمالي هي المسؤولة عن الوضع الحالي في فرنسا والعالم، فقد أنتهج قادة اليمين واليسار المؤسسي ( الحكومي والبرلماني) سياسة أدت إلى الوضع الحالي، وقد تُعاني منها الشعوب لفترة طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى