أحوال عربية

غاية تركيا من التطبيع مع نظام بشار الأسد

د. محمود عباس

سيجتمع نواب وزراء خارجية الدول الأربعة، روسيا وتركيا وإيران وسوريا، في 21/6/2023 في أستانة، لإدخال مسيرة التطبيع إلى حيز التنفيذ، بعدما تم الاتفاق على عدة محاور في الاجتماع الذي تم بين وزراء خارجية تلك الدول في موسكو بتاريخ 11/5/2023، وكانت قضية الإدارة الذاتية والقضاء عليها، وتفتيت قوات الحماية الشعبية وقسد، من ضمن أهم البنود التي جرى الحوار عليه بطلب من وزير خارجية تركيا، والتي هي من ضمن مصالح روسيا وإيران والنظام أيضاً كورقة ضغط على أمريكا، وإعادة سيادة النظام على كامل سوريا.

الإشكالية التي تصر عليها إدارة أردوغان بشكل متواصل وفرضت البحث فيه على طاولة معظم المؤتمرات والحوارات، التي جرت في أستانة وسوتشي وطهران وأنقرة وموسكو، ولم تتخلى يوما عن عرضها كأحد أهم مشاريعها القومية-السياسية والمؤدية إلى احتلال غربي كوردستان، رغم المعارضة والرفض سابقا، وطوال الشهور الماضية، من قبل الدول المعنية بالأمر، ومن بينهم روسيا رغم إنها تستخدم كل الأساليب لإخراج أمريكا من سوريا، وإعادة المنطقة الكوردية إلى حضن السلطة.

وعلى خلفية تقاطع مصالحها مع المصالح الروسية الإيرانية، تمكنت وبعد التعديل في مخططها، من إقناع الدولتين في الاجتماع الذي تم بين وزراء الخارجية، المخطط الذي سيتم إعادة النظر لتطويره، وما تم تنفيذه وما يجب أن يعدل فيه، في الاجتماع القادم، وسيعاد البحث في تقسيم العمل بين بعضهم، كل حسب مصلحته القومية أو المذهبية أو الإستراتيجية، وقد تبين خلال الشهر الأخير أن المهمات كانت كالتالي:

1- تركيا تصعد من هجماتها على قوات قسد، واعتداءاتها على المنطقة الكوردية بالدرونات، تحت سمة حماية أمنها الداخلي، والقيام ببعض الاغتيالات لترهيب السكان الأمنين وإضعاف ثقة الشعب بالإدارة الذاتية، والطعن في قدرة قوات ألـ ي ب ك، في حماية المنطقة. إلى جانب المهمة الأخرى، وهي تغيير وجهة صراع المنظمات التكفيرية مع نظام بشار الأسد، إلى محاربة قسد والإدارة الذاتية.

2- إيران تأخذ مهمة مهاجمة القواعد الأمريكية المتواجدة في منطقة الإدارة الذاتية، باستخدام ميليشياتها وبعض المجموعات التي تم تجنيدهم تحت عباءة نشر المذهب الشيعي، الذين تم إمدادهم ببعض الدرونات والصواريخ، وجلهم من رواد الحسينيات التي تم بناؤها في السنوات الأخيرة.

3- روسيا تعمل على توسيع ساحة الصراع إلى خارج جغرافية أوكرانيا، مع أمريكا ودول الناتو، وسوريا مركز إستراتيجي لتواجدها، وهي على تماس مباشر مع القوات الأمريكية ضمن جغرافيتها الشمالية الشرقية، أي في منطقة غربي كوردستان، وبالتالي من السهل التحرش بها، خاصة وهي تدعي مع نظام بشار الأسد على أن وجود أمريكا ومعها قوى التحالف في منطقة الإدارة الذاتية غير شرعي، ويجب أن تنسحب، كخطوة استراتيجية لإضعاف الإدارة الذاتية، أو القضاء عليها، وإعادة النظام إلى المنطقة، وهو ما تأمله كل من تركيا وإيران، الأولى بالقضاء على أي قادم كوردي ضمن سوريا المستقبل، والثانية ليصبح الطريق ممهدا وسهل بلوغ منطقة حزب الله ومساعدة الفصائل الفلسطينية الجهادية لمحاربة إسرائيل، وهي من ضمن مخططات إضعافها وعدم القدرة على إيقاف إيران من صنع القنبلة الذرية.

قامت روسيا في الشهور الأخيرة، بخرق أجواء القواعد الأمريكية بطيرانها أكثر من 85 مرة، خاصة بعدما قطعت الاتصالات بين قواتهم العسكرية المتحركة ضمن المنطقة الكوردية، والتي كانت تتم لتجنب أي تصادم بينهم. وهو ما أدى إلى تعرض أمن وسرية القواعد إلى الخطر، وبالتالي أمن جنودها إلى الخطر، وعليه أتخذ البنتاغون قرارا بإرسال طائرات من طراز ستيلث ف- 22 إلى الشرق الأوسط لحماية قواعدها في التنف ومنطقة الإدارة الذاتية.

أرسال هذا النوع من الطائرات المتطورة، درجت كرد ليس فقط على روسيا وتجاوزاتها، بل تهديد لتركيا وإيران أيضا، والذين بينهم تحالف على محاربة الوجود الأمريكي في المنطقة، أي تحالف قسد ودول التحالف وعلى رأسهم أمريكا.

لا شك بعدما فشلت تركيا في الشهور الماضية، من إقناع روسيا وإيران في احتلال منطقة غربي الفرات، التابعة للإدارة الذاتية، غيرت من تكتيكها، ووضعت خطة مغايرة، وعلى إثرها تمكنت من الحصول على موافقة القيام ببعض الاغتيالات لقادة من قسد والإدارة الذاتية، وهي عمليات من ضمن الصراع القومي المناهض للكورد وقادمهم بغض النظر عن القوى التي تتبنى القضية الكوردية.

كما وإلى جانب المخطط الجديد المتفق عليه الدول الأربعة، وهي محاربة الإدارة الذاتية والوجود الأمريكي، والتي صعدت بعد فترة الانتخابات، وتدرج ضمن سياق الوعد الذي قطعه أردوغان لمنتخبيه، على أنه سيستمر في محاربة الإرهاب، وكما هو معروف فإن تركيا تعتبر كل كوردي يعمل من أجل قضيته إرهابي، وبالتالي فحسب تقييم أردوغان حصرا، دون روسيا وإيران وبالتأكيد أمريكا، قوات حماية الشعب، تعتبر قوات إرهابية، رغم أن الأخيرة تنكر أن تكون قوات كوردية أو أنها تعمل من أجل القضية الكوردستانية. وفي الواقع ومن البعد الأخلاقي والقومي يعتبر هذا التصعيد إهانة مباشرة للمنتخبين الكورد الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية، ولأردوغان.

لولا القضية الكوردية، واحتمالية أن تكون الإدارة الذاتية الطرف الأصعب في أية خطوات عملية لقادم سوريا، لما أقدمت تركيا على تغيير مخططها الذي سارت عليه طوال السنوات الماضية، ولما قامت بعرض البديل وأصرت على عملية التطبيع مع النظام المجرم، ولما وعدت روسيا وإيران بالتخلي عن المنظمات الإسلامية، وهو ما دفعت بروسيا لتوافق على أن تكون عرابة التطبيع مع نظام بشار الأسد، والذي أعتبره أردوغان قبل سنوات مجرم بحق الشعب السوري، وقدم ذاته كحامي للمهاجرين السوريين، إلى درجة قارنهم بين المهاجرين من مكة مع الرسول الكريم والشعب التركي كأنصار المدينة.

التطبيع مع نظام بشار الأسد، مقابل السماح لأردوغان بالاعتداءات العسكرية، ومساعدته لوضع حصار اقتصادي على المنطقة الكوردية، والعمل معا على عزلها في المجال السياسي والدبلوماسي، ومنع أية قوى دولية إقامة علاقات خارج دول التحالف، ومجال محاربة داعش.

على الأرجح لن تنجح تركيا في مسارها الحديث، ليس لأنه بإمكان قوات قسد أو قوات الإدارة الذاتية، مواجهتا أو مواجهة روسيا، بل لأن مصالح أمريكا تتعرض للخطر، فحتى بعدما يدخل مسار عملية التطبيع في حيز التنفيذ، أي بعد اجتماع أستانة القادم بين نواب وزراء الخارجية، لن تتمكن تركيا من تجاوز المناطق التي تحتلها الأن، ولكن عمليات التغيير الديمغرافي في المناطق الكوردية سيستمر حتى في حال عودة النظام، مثلما الاعتداءات والقصف العشوائي، والتي تغمض أمريكا العين إزائها أملا أن تعيدها كحليف إستراتيجي إلى أحضان الناتو.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى