أخبارفي الواجهةقانون وعلوم سياسيةقانون وعلوم سياسية و إدارية

علم الاجتماع السياسي

حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

بدايةً يجب علينا قبل تعريف مفهوم علم الاجتماع السياسي تعريف مفهوم السياسة، ثم مفهوم علم الاجتماع حتى نتمكن من فهم جوهر مفهوم علم الاجتماع السياسي.
أ- السياسة: هي فن الممكن، فن حكم البشر عن طريق خداعهم، فن ما لا يقال، فن منع الناس من الاهتمام بما يعنيهم، فن تأجيل تأزم المشاكل والمعضلات، وهي أيضاً صراع أقليات منظمة، وفن تنظيم الجماهير للتضحية في سبيل المُثل.
إن مثل هذه التعاريف حتى لو أننا حكمنا بأنها مُسلية وجيدة الصياغة، لكنها ليست إلا مقولات مجازية ترتكز على أحكام قيمية ضمنية، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تعطينا فكرة واضحة ودقيقة عن تعريف السياسة أكاديمياً.

  • السياسة لغوياً هي مصدر الفعل سَاسَ، يسُوسُ، فهو سائس فاعل، و مَسوس مفعول به. ونقول: سَاسَ الناس: أي حكمهم، وتولى قياداتهم وإدارة شؤونهم وإرشادهم إلى الطريق الصحيح. ساسَ الأمور: أي دبرها، أدارها، قام بإصلاحها. سَاسَ الدواب: روضها واعتنى بها. إذن السياسة هي من الإنسان وإليه، حيث ظهرت نتيجة حاجة الإنسان إلى الجماعة، فالإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يعيش إلا في جماعة، وهو كائن مفكر، حيث يتميز بالعقل.
  • السياسة اصطلاحياً هي فن ممارسة القيادة والحكم وعلم السلطة أو الدولة. تعريف السياسة أكثر دقةً وشمولاً: هي النشاط الاجتماعي الفريد من نوعه، الذي ينظم الحياة العامة، ويضمن الأمن، ويقيم التوازن والوفاق من خلال القوة الشرعية والسيادة بين الأفراد والجماعات المتنافسة والمتصارعة في وحدة الحكم المستقلة على أساس علاقات القوة، والذي يحدد أوجه المشاركة في السلطة بنسبة الإسهام والأهمية في تحقيق الحفاظ على النظام الاجتماعي وسير المجتمع.
    أو هي النشاط الاجتماعي المدعوم بالقوة المستندة إلى مفهوم ما للحق أو للعدالة لضمان الأمن الخارجي والسلم الاجتماعي الداخلي للوحدة السياسية، ولضبط الصراعات والتعدد في المصالح ووجهات النظر للحيلولة دون الإخلال بتماسك الوحدة السياسية باستخدام أقل حد ممكن من العنف.
  • علم السياسة: فهو العلم الذي يهتم بالدراسة المنظمة لأساليب الحكم أو هو علم دراسة الدولة ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة وكيفية أدائها لوظائفها وأدوارها. وفي النهاية يمكننا القول بأن علم السياسة هو الدراسة المنهجية لعملية وأوجه الحكم عن طريق تطبيق الأساليب العلمية في المراقبة والقياس (حيث أمكن) والتحليل. أما عن فروع علم السياسة فهي ( الحكومة، الأنظمة، والمؤسسات السياسية، الجماعات السياسية، النظرية السياسية، الأحزاب السياسية، المؤسسات الدولية، والعلاقات الدولية ).
    إن علم السياسة يدرس الظواهر السياسية لا يعني أن هذه الظواهر شيء مفارق للظواهر الاجتماعية بل إن متطلبات التخصص الأكاديمي هي التي تميل إلى هذا التمييز بين أبعاد النسق الاجتماعي. وعليه فإن السياسة قبل كل شيء هي نشاط اجتماعي وأن الواقعة السياسية هي واقعة اجتماعية. فنحن عندما نتحدث عن السياسة إنما نتحدث عن ظاهرة اجتماعية، لأن السياسة هي ممارسة الفعل السياسي للأفراد داخل المجتمع ، سواءً كانوا حاكمين أو محكومين. وبالتالي” لا يوجد مجتمع يخلو من السياسة ” هذه المقولة تجسد حقيقة أن السياسة ملازمة للمجتمع، فالسياسة سياسة أناس يعيشون في مجتمع، حاكمين أو محكومين مدافعين عن الواقع او معارضين له.
    وعليه فإن علم السياسية يهتم بالظواهر السائدة في المجتمع، حيث يهتم بدراسة الدولة والسلطة والنفوذ ومعرفة نشوء الانظمة السياسية ونوع السيطرة ودراسة التنظيمات الرسمية.
    ب- تعريف علم الاجتماع: هناك اتفاق على أن علم الاجتماع هو الدراسة العلمية للمجتمع الإنساني، أو التفاعلات الاجتماعية، أو السلوكيات الاجتماعية، أو العلاقات الاجتماعية التي يقوم بها البشر أو الدراسة العلمية للمجتمع، وأخيراً هو علم الظواهر الاجتماعية.
    إن مفهوم علم الاجتماع هو ترجمة لكلمة (Sociology) الإنكليزية المشتقة من الأصل اليوناني واللاتيني المكون من مقطعين أساسيين هما: (Socio) وتعني المجتمع، (Logy) وتعني العلم أو البحث، بذلك يصبح معناها علم الاجتماع.
    تعريف علم الاجتماع تعريفاً دقيقاً وواحداً هو أمر صعب للغاية بسبب تعقد وتداخل الظواهر الاجتماعية، حيث تتداخل النشاطات الإنسانية المختلفة مع بعضها البعض وذلك نظراً لانتمائها لعنصر واحد مشترك هو الإنسان كعضو في الجماعة، ولكن من أبرز وأهم التعريفات للعلم الاجتماع هي:
  • تعريف أوغست كونت: وهو المؤسس الأول لعلم الاجتماع الحديث وهو أيضاً أول من وضع مصطلح السوسيولوجيا، حيث قال إن الهدف من دراسة المجتمع هو التوصل إلى القوانين والنظريات التي تخضع لها الظواهر الاجتماعية، وذلك تمهيداً لتوظيفها في عملية تنظيم المجتمع بطريقة موضوعية.
  • تعريف ماكس فيبر لعلم الاجتماع : هو العلم الذي يحاول الوصول إلى فهم تفسيري للفعل الاجتماعي من أجل التوصل إلى تفسير علمي لمجراه ونتائجه.
  • تعريف تالكوت بارسونز: فقد ذهب إلى أن مهمة علم الاجتماع ” تتركز في دراسة الأنساق الاجتماعية” .
  • تعريف رايت ميلز: علم الاجتماع بأنه العلم الذي يدرس البناء الاجتماعي للمجتمع والعلاقات المتبادلة بين أجزائه، وما يطرأ على ذلك من تغير.
  • تعريف غاستون بوتول لعلم الاجتماع: هو دراسة التركيب الاجتماعي، أي تركيب المواد الرئيسية التي تتألف منها الهيئة الاجتماعية ومدى فعاليتها ودراسة الظروف التي تطورت فيها المؤسسات الاجتماعية، مع مقابلة النتائج التي توصلت إليها العلوم الاجتماعية وذلك بفتح المجال لفلسفة العلوم الاجتماعية الخاصة ودور السيكولوجيا الاجتماعية مع دراسة العوامل التي تساهم في تبدلات التركيب الاجتماعي.
  • أما صادق الأسود فيعرف علم الاجتماع : هو ذلك العلم الوصفي الذي يعني بدراسة الوقائع الاجتماعية، أي الوقائع التي تحدث عندما يلتقي الأفراد مع بعضهم البعض في المجتمع، بهدف تفسير القوانين الاجتماعية القائمة على أساس السبب والنتيجة، أو العلة والمعلول. أما الواقعة الاجتماعية فهي الحدث الذي يتعلق بحياة الأفراد بصفتهم أعضاء في جماعة اجتماعية معينة.
  • ورغم العدد الكبير للتعريفات هذا العلم من قبل علماء الاجتماع كل حسب رؤيته نكتفي هنا بالتعريف التالي: ( هو العلم الذي يدرس التفاعل الإنساني بمنهجية علمية).
    وفي النهاية يمكننا تعريف علم الاجتماع بأنه الدراسة العلمية للمجتمع وما يسود فيه من ظواهر اجتماعية مختلفة دراسة تعتمد على أسس البحث العلمي بغية التوصل إلى القواعد والقوانين العامة التي تحكمها بهدف توضيح وتحليل وتفسير الارتباطات المختلفة القائمة بينها.
    نجد أن العلامة ابن خلدون (1332- 1406) قبل أكثر من خمسة قرون عرفه بعلم العمران البشري الـذي يـدرس الاجتمـاع الإنـساني وظواهره.
    ارجع ابن خلدون اجتماع الناس إلى حاجة الإنسان في الاعتماد على غيره لإشباع حاجاته واعتبر أن الحاجة البشرية والجهد الـذي يبذلـه الإنسان لإشباع تلك الحاجة هما أساس قيام المجتمع البشري وبـدونهما لا يوجد مجتمع إنساني.
    يرى ابن خلدون أن موضوع علم العمران البشري هو بيان ما يطرأ على المجتمع الإنساني من تغير وما يقوم بداخله من ظواهر، وهدفه كشف طبيعة العلاقات بين أجزاء المجتمع وما يترتب عليها من أحداث تؤثر في المجتمع وتوجه مسيرته.
    ج- تعريف علم الاجتماع السياسي: إذا كان علم السياسية يبدأ موضوعه بدراسة الدولة، وكيف تمارس تأثيراتها في المجتمع، فإن علم الاجتماع السياسي يبدأ بدراسة المجتمع، وكيف يؤثر ذلك في الدولة، أو يدرس العلاقة الموجودة بين المواطنين والدولة ومؤسساتها، أو يدرس العلاقة التي تجمع الرعية بالراعي، أو يدرس أشكال الهيمنة التي يمارسها الأفراد ضد الجماعات الإنسانية.
    يرتبط علم السياسة ارتباطاً مباشراً بعلم الاجتماع بحيث يتمثل هدفهما النهائي في تحقيق الإصلاح الاجتماعي والحد من الصراعات بل وحل المشكلات التي واكبت الثورة الفرنسية والتحول إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي بشكل أساسي وما نتج من أحداث سياسية مفصلية معاصرة أثرت بشكل مباشر على الحياة الاجتماعية وبالأخص في زمن الحروب. لكن السؤال المفصلي الذي يطرح نفسه: ما هو موقف علم الاجتماع من علم السياسة؟
    يرى علماء الاجتماع بأن النظام السياسي يمثل أحد الجوانب الرئيسية للنظام الاجتماعي ويتضمن علاقات وتفاعلات اجتماعية متعددة بين جماعات اجتماعية مختلفة بل إنه يعد نتاج لها، فإن النتيجة المنطقية التي يمكن الوصول إليها هي أن النظام السياسي ليس إلا أحد النظم الاجتماعية التي يهتم علم الاجتماع بفهمها وتحليلها ودراستها.
    يعد علم الاجتماع السياسي فرع من فروع علم الاجتماع العام يقع بين حدود علم الاجتماع وحدود علم السياسة وهو يمثل ذلك الفرع الذي يهتم بدراسة أثر الحالة السياسية على الحالة الاجتماعية والعكس صحيح، ويهتم أيضاً بتحليل الظاهرة السياسية والقوة في إطارها الاجتماعي التي تؤثر على توجيه السياسة وتشكليها بمعنى آخر كيف تتأثر السياسة بالأحداث الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى كيف تُشَكِّل وتؤثر السياسة ذاتها على الأحداث في مجتمعاتها. وهكذا يتضح لنا أن أصول علم الاجتماعي السياسي تكمن في التفرقة بين الحياة المدنية والحياة السياسية أو بين المجتمع والدولة.
    وفي النهاية يمكننا القول إن علم الاجتماع السياسي هو فرع من علم الاجتماع العام ينظر إلى الظواهر السياسية كوقائع اجتماعية، ويدرس القوة والقدرة والنفوذ والسلطة في إطارها الاجتماعي وداخل الجماعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى