رأي

ضائع بين أقرانه

(سيرة ذاتية) الجزء الثاني

رشيد مصباح(فوزي)
**
مداوروش في: 08 ماي 2022
الموافق لـ:
٧ شوال ١٤٤٣ هـ
-لا تزال ذكرى الحادث الأليم الذي تعرّض له والدي في تلك الأيّام من سنة 1978 عالقا بذهني؛ حيث كانت الحافلة بمنعرجات بلدية المشروحة الخطيرة في طريقها إلى مدينة عنّابة، وبينما كان السّائق ومن هم حوله من الركّاب مستغرقين في الحوارات، التي كان ينشّطها بعض المتفوّهين من أمثال والدي – رحمة الله عليه – والتي قد يجد أغلب الركّاب المسافرين في مثل هذه الحوارات ما يهوّن عليهم بعد المسافة والأخطار المحدقة بهم. وفي كلام بعض من الناس -غير العاديين-؛ من الذين ليس لديهم مؤهّلات عليمة ولا شهادات كبيرة، لكن تجاربهم المريرة في الحياة عوّضتهم خيرا من كل ذلك. فمنهم من لم يواصل تعليمه بسبب الفقر وظروف الحياة -مثلا-. لكن ذلك لا يعني نقصان في الهمّة والذّكاء. ومن بين هؤلاء والدي -رحمة الله عليه-، والذي انتهى به الأمر إلى ممارسة بعض الأنشطة التجارية بعد توقّفه عن مواصلة الدراسة في السنة الثّالثة الابتدائية، حدث ذلك قبل خمسينيات القرن الماضي، ويمارس السيّاسة وبعض الأنشطة التطوّعية، ثم ليلتحق بعدها بصفوف الأمن الوطني في سنة 1963: “CNS” ، أحد مكونات الشرطة المدنية؛ معنى الاختصار “CNS”؛ كانت تسمى سابقًا فيلق الأمن الجمهوري (CRS)، وهي مجموعة دفاع مدني، تابعة للمديرية العامة للأمن القومي (DGSN)، والتي تتبع وزارة الداخلية آنذاك.
والتي كانت قد عرفتْ أحداثا خطيرة بمنطقة القبائل في تلك السنة من العهد الحديث بالاستقلال. كما عُرف بها والدي فكانوا ينادونه بـاسم: “عيسى ال CNS”- ثم، ويتمّ نقله إلى مدينة قسنطينة، فسوق أهراس، بعدما تم إدماجه في سلك الشّرطة، لينتهي المقام به في المدينة السّاحليّة السّاحرة الجميلة عنّابة.
-كما عُرف عن والدي -رحمة الله عليه- بالإضافة إلى أناقته المتميّزة، حرصه الشديد على احترام أوقات العمل؛ فقد كان دقيقا مواظبا. وكان -كما تعرّضتُ إليه سابقا- ينهض باكرا حتى لا تفوته الحافلة التي كانت تشغل الخط الرّابط بين مدينتي الواد و عنّابة. وبسبب روحه المعنوية العالية وحرصه الشديد… فلم يكن ذاك الوسيم الأنيق يعبأ كثيرا بكثرة التنقّل و لا بكل المخاطر المرتبطة بالطّريق.. حتى جاءه اليوم الذي لم يكن ليفْلته؛ وشاءت الأقدار أن تتوقّف الحافلة بعد تعرّضها لحادث بمنعرج بلدية المشروحة الخطير، في مشهد مروّع وفريد متسبّبا في مقتل عشرات الركّاب، بما فيهم سائقي الحافلة والسيّارة التي اصطدمت بهم. وتم نقل الضّحايا إلى المستشفى الجهوي بسوق أهراس. لكن حدث أمر شنيع؛ فحسب رواية بعض الشّهود أن مدير المستشفى آنذاك، أصدر أمرا بعدم استقبال غير المقيمين بسوق أهراس، وكان من بين هؤلاء والدي الذي تعرّض لكسور في بعض الأضلاع. والغريب المريب أن هذا المدير مجاهد، وسياسي محنّك من الأعيان.. هو أصلا “ولْد مداوروش” كما يقال، وكما قيل عن أن هذا الشخص ولسبب ما،كان يكنُّ كل الحقد لأبناء مداوروش؟!. وقد كان من المصادفات أيضا أن من توسّط لوالدي وسهّل له عملية الاقامة بالمستشفى أحد المقيمين بسوق أهراس يعود نسبه هو الآخر إلى قبيلة كبيرة من القبائل المعرفة بمداوروش، وقام بإدخاله المستشفى عنوة حسب قوله؛ كنتُ التقيتُ به في تلك الأثناء خارج المستشفى حيث قام بطمأنتي وهدّأ من روعي وفزعي. كما وقد كافأتِ الأيّام هذا المعلّم الفذ، والذي تبيّن أنه ابن أحد المجاهدين الكبار المعروفين بمدينة سوق أهراس، وصار سيناتورا كبيرا فيما بعد.
-بعد أيام، غادر والدي المستشفى عائدا إلى البيت، ووجدتُ ضالّتي، فانصرفتُ إلى اللّهو والعبث من جديد، وصرتُ أقضي أوقات النّهار واللّبالي في الخلاء والمقاهي و لا أعود إلاّ في أواخر اللّيل.
وأذكر أنّني في تلك السنة المروّعة، نلتُ توبيخا وكدتُ أرسب.
 
الجزء الثاني
 
-لا تزال ذكرى الحادث الأليم الذي تعرّض له والدي في تلك الأيّام من سنة 1978 عالقة بذهني؛ حيث كانت الحافلة بمنعرجات بلدية المشروحة الخطيرة في طريقها إلى مدينة عنّابة، وبينما كان السّائق ومن هم حوله من الركّاب مستغرقين في الحوارات، التي كان ينشّطها بعض المتفوّهين من أمثال والدي – رحمة الله عليه – والتي قد يجد أغلب الركّاب المسافرين في مثل هذه الحوارات ما يهوّن عليهم بعد المسافة والأخطار المحدقة بهم. وفي كلام بعض من الناس -غير العاديين-؛ من الذين ليس لديهم مؤهّلات عليمة ولا شهادات كبيرة، لكن تجاربهم المريرة في الحياة عوّضتهم خيرا من كل ذلك. فمنهم من لم يواصل تعليمه بسبب الفقر وظروف الحياة -مثلا-. لكن ذلك لا يعني نقصان في الهمّة والذّكاء. ومن بين هؤلاء والدي -رحمة الله عليه-، والذي انتهى به الأمر إلى ممارسة بعض الأنشطة التجارية بعد توقّفه عن مواصلة الدراسة في السنة الثّالثة الابتدائية، حدث ذلك قبل خمسينيات القرن الماضي، ويمارس السيّاسة وبعض الأنشطة التطوّعية، ثم ليلتحق بعدها بصفوف الأمن الوطني في سنة 1963: “CNS” ، أحد مكونات الشرطة المدنية؛ معنى الاختصار “CNS”؛ كانت تسمى سابقًا فيلق الأمن الجمهوري (CRS)، وهي مجموعة دفاع مدني، تابعة للمديرية العامة للأمن القومي (DGSN)، والتي تتبع وزارة الداخلية آنذاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى