رأي

ضائعٌ بين أقرانه الجزء الثّاني (6)

ضائعٌ بين أقرانه الجزء الثّاني (6)

رشيد مصباح (فوزي)

نداء آخر.. و آخر.. للمضيفة، ولقائد الباخرة. يطلبون من المسافرين تفقّد الوثائق والأمتعة استعدادا للنزول. وتفادي التدافع والفوضى لأن ذلك غير مسموح به. وبقينا ننتظر، لأكثر من ساعة. مما تسبّب في ازدحام خانق، لم نجد له تفسير. وتعالت الأصوات من هنا وهناك: افتحوا الباب.. أرواحنا تكاد تنفد.
ما استدعى حضور الطّاقم الباخرة الذي طلب منّا الهدوء وعدم النرفزة، وأخبرنا بأنّها مجرّد إجراءات روتينية وبعدها سيتم السّماح لنا بالعبور. وما كان لمثل هذا الكلام ”الرّوتيني“ أن يمرّ هكذا؛ بعض الأشخاص؛ يبدو من خلال ملامحهم أنّهم من المغتربين الذين تعوّدوا على مثل هذه الظروف. ثار يسبّ ويلعن الجمهورية الرّابعة.. والخامسة.. ومن أسّسهما. بلكنة سكّان الجنوب الفرنسي.
بعد أخذ دش بماء العرق المتصبّب، فُتح الباب وسُمح لنا بالعبور. داخل المبنى الكبير وقفنا في طابور طويل أمام الشّبابيك بعد إظهار الوثائق وتقديم أمتعتنا للتفتيش لأعوان الجمارك الفرنسية وبجنبهم البوليس بكلاب من فصيلة ”الراعي الألماني“ تنتظر الإشارة فحسب.
ومن كثرة الفرح لم أشعر بالوقت وهو يمر، كنتُ أسبح في الخيال البعيد، بعيدا عمّا يجري داخل البناية الكبيرة. كأنّني لستُ معنيّا ولا صلة لي بالموضوع؛ لقد سحب منّي الشرطي كل الوثائق بما في ذلك العملة، مستخدما صلاحياته.
لستُ أدري إن كان والدي قد أظهر بطاقته المهنية، لأنّني أحسستُ بذلك من خلال ملامح وجهه وابتسامته ”الماكرة“. ومهما يكن، فإن أعوان الأمن والجمارك عاملونا بأسلوب فيه نوع من الاحترام والتبجيل، والحذر كذلك.
بعد استيفاء كل الإجراءات القانونية والأمنية، حملنا أمتعتنا وتوكّلنا على الحي الذي لا يموت متوجّهين إلى الخارج. ولم يكن في تلك الأمتعة التي لم نجد صعوبة في حملها، سوى بعض الأشياء الضّروريّة جدّا.
لكن، ما أزعجني كثيرا هو البذلة الزرقاء التي ضاقت منها روحي، وكذلك رابطة العنق التي كادت تخنقني ونحن في أعزّ موسم الصيف؛ كان والدي -رحمة الله عليه- يحبّ أن يراني ”مقَرْطسْ“ مثله تماما. و لكن: ”النّار تجيب الرّماد“ كما يقول المثل. شتّان بين الثّرى والثريّا.
لقد كان والدي ”طَويلَ النِجادِ رَفيعَ العِماد“. كما قالت الخنساء في رثاء أخيها. مثالا في الأناقة.. حريصا جدا على حسن المظهر؛ لعله ربما قد تأثّر كثيرا بالنّظام الصّارم الذي تفرضه أجهزة الأمن على أعوانها، بما في ذلك جهاز الشرطة.
يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى