تعاليقرأي

ضائعٌ بين أقرانه الجزء الثّاني (3)

رشيد مصباح (فوزي)
الجزائر
**
كما وقد يكون الفقر هو العائق الوحيد أمام الأسر التي كانت تتمنّى الأفضل لأبنائها، على الرّغم من أن التعليم كان مجّانيّا إجباريا لأن الدولة في تلك الأيام تتبنّى اشتراكية مناوئة للإقطاعية والبرجوازية، والتي فرضتها الثّورة على الشعب بقوّة السلاح.
وقد تطرّق (الطاهر وطّار)؛ الشخصية الأدبية المعروفة والرّوائي الكبير صاحب المدرسة ”الجاحظية“ الذي هو من أبناء المنطقة. في كتابه ”اللاّز“، إلى العنف الذي مورس على الجزائريين المعارضين للاشتراكية من طرف بعض رموز الثّورة.
والشيوعيّة أو الاشتراكيّة التروتسكيّة.. والعلمانية اللاّدينيّة أو اللاّئكية.. واللّيبرالية الامبريالية التوسّعيّة… وما شابهها ويشبهها من إيديولوجيات مستوردة ما أنزل الله بها من سلطان، لا يمكن ولا يحقّ للشعوب التي ينظر إليها بنوع من الازدراء والاستخفاف، أن تُستفتى فيها.
لقد تلاشت كل تلك المبادئ والقيّم والمفاهيم القديمة التي من أجلها ظلّ (بومدين) يرفع من حدّة كلامه و نبرة صوته محاولا تلقينها للشعب، في ظل نظام جديد اسمه (الشاذلي بن جديد). ولم يعد من معنى للسياسة ولا للإقتصاد بعد هيمنة أصحاب النفوذ الذين قاموا بتوظيف المؤسّسات العمومية لخدمة أغراضهم الشخصية.
عقولنا الصغيرة آنذاك، المدمنة على حب سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام الأجنبية، لم تكن قادرة على استيعاب مثل هذا الكلام الكبير والخطير في الوقت ذاته. ولأنّه لم يكن يسمح للمعارضين إبداء رأيهم فيما يجري عبر الوسائل المتاحة؛ طبيعة كل نظام أبويّ سلطويّ شموليّ مستبد. على الرّغم من وجود بعض المناوئين من بين طلّـاب الجامعات الذين ظلّوا يدافعون بشراسة على الاشتراكية و التروتسكية، لكنّهم لم يستطيعوا مواجهة النّظام الذي قام بتوظيف وتجنيد كل الوسائل؛ النّاعمة وغير النّاعمة، لمحو أثار (بومدين) وسياسته. مستغلاّ في ذلك طبقة معروفة من البرجوازيين وبعض النّخب من الذين ضحّى بهم (بومدين)؛ هذا الرّجل الغامض الذي يقُال إنّه ذهب إلى مصر مشيا على الأقدام. والذي قام بتغيير هويته: من (محمّد بوخرّوبة) إلى (هواري بومدين). والذي عاد إلى الجزائر وفي جعبته خطّة وبعض الأسلحة المهرّبة من الخارج، ساعدته على فرض نظامه على الشعب.
والسؤال الذي ظلّ مطروحا وبقوّة، وتتم إثارته في كل مناسبة وطنية، من طرف بعض المثقّفين المعروفين بولائهم لبومدين وسياسته المتمثّلة في تبنّيه النهج الاشتراكي، كان كالتالي: – هل كانت الاشتراكية لتنجح لو بقي (بومدين) حيّا إلى يوم النّاس هذا؟
ونظرا لانشغالنا بأمور لا علاقة لها بما يجري في أعلى هرم السلطة ولا في أسفله، فإن شغلنا الشاغل في تلك الأيّام يكاد ينحصر في البحث عن اللّهو وتغييب العقل بشتى الطرق.
ترافقنا في ذلك فكرة الحريّة والهجرة إلى الخارج: إلى البلاد التي تعتبر الحريّة فيها شيئا مقدّسا لا يمكن المساس به؛ والحريّة في تلك الظروف التي عشناها كانت تعني الكثير بالنسبة للمراهقين أمثالنا.
كانت الهجرة بالنسبة لبعض المهووسين بفكرة الهجرة إلى الخارج، هاجس يؤرّقهم. ربما بسبب تأثير بعض الجرائد والمجلاّت التي وقعت بين أيديهم، من التي رُفع عنها الحظر. وكذلك الأفلام وما يبثّ من ”إغراء“ عبر عديد القنوات، آنذاك.
كانت تلك الفترة بداية صناعة جيل ”من ورق مقوّى“ تتلاعب به رياح التغيير يمنة وشمالا. جيل لا يرغب سوى بالحريّة والحريّة المطلقة التي لا رادع فيها ولا منازع، لإشباع غرائزه وما دون البطن. واضعا نصب عينيه الهجرة إلى الخارج، وإلى الغرب بالتحديد. وفي رأسه العيش في أمريكا رمز الإباحية أو في دولة يظفر فيها بشقرة من الشقراوات الاسكندنافية. وقد نجح النظام خلالها في مهمّته هذه، وساعده على ذلك سياسة الانفتاح التي انتهجها. وأذكر أنّه في تلك السنة من عام 1982 أخذني والدي معه إلى مرسيليا وأنا في العشرين من العمر، في أوّل مغامرة لي خارج الوطن تتمّ عبر البحر.
يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى