مجتمع

صينيون وعرب

 
حسن مدن
شاءت المصادفات أن ألتقي، مؤخراً، بشاب صيني مقيم في القاهرة، ويعمل في شركة صينية افتتحت فرعاً لها هناك، حيث استقدم معه عائلته الصغيرة المكونة من زوجته وطفلين صغيرين، ووجدت هذا الشاب يتحدث العربية الفصحى، المطعمة بمفردات من العامية المصرية، وحثني هذا اللقاء على البحث في مدى حضور لغتنا في بلد شاسع المساحة، مترامي الأطراف، متعدد الثقافات مثل الصين، دون أن نغفل الأهمية الاقتصادية المتزايدة لهذا البلد في عالم اليوم، وما بات يمثله من ثقل دولي لا يمكن إلا أن يؤخذ في الحسبان.
ليس هذا فقط ما فكرتُ فيه، وإنما أيضاً في الروابط التي تجمع بين الثقافتين العربية والصينية، وفي هذا لا يمكن إغفال اسم المفكر والباحث العراقي المرحوم هادي العلوي الذي عاش في الصين طويلاً، وتأثر بثقافتها، وعمل، هو وآخرون مثله من العرب المثقفين الذين قصدوا الصين، في تقوية جسور التواصل بين الثقافتين.
وعلى موقع صيني ناطق بالعربية تطالعنا بعض المعلومات عن العلاقة التي جمعت العلوي بالصين ولغتها وثقافتها، حتى أن العلوي، الفخور بهذا الجانب من سيرته المعرفية، قسّم حياته إلى قسمين: ما قبل المرحلة الصينية وما بعدها، لإظهار مقدار ما أفاده من إقامته في الصين وتمثله لجوانب ثرية من ثقافتها.
وحسب هذا الموقع، فإن هادي العلوي قدم الصين أول مرة عام 1976 بترشيح الشيخ جلال الحنفي البغدادي ليحل محله كخبير لتدريس اللغة العربية في جامعات بكين، فاشتغل في دار النشر باللغات الأجنبية التي تنشر كتباً ومجلات عن الصين باللغات العالمية الكبرى بما فيها العربية، حيث قام بتنقيح لغوي لترجمات زملائه الصينيين كما باشر الترجمة بنفسه من الإنجليزية إلى العربية، ومع أن العلوي عاد للعالم العربي بعد خمس سنوات، لكنه قصد الصين ثانية للإقامة فيها عام 1990.
دخول اللغة العربية إلى الصين يعود إلى قرون بعيدة، مع دخول العرب إليها، بل إن موقعاً صينياً آخر يفيد بأن أول مرة أوفد العرب فيها مبعوثاً لزيارة الصين كانت في عهد عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء الراشدين، كما قدم إليها عدد كبير من التجار العرب، وبعضهم وصلها حتى قبل المبعوث العربي الرسمي، وتمّ ذلك عن طريق الحرير البحري من المدن الصينية التي بها موانئ تجارية، حيث بقي عدد كبير من هؤلاء التجار العرب في الصين.
هادي العلوي ليس المثقف العربي الوحيد الذي أقام في الصين، فمثله أقام فيها لبعض الوقت الأديب السوري حنا مينه، حتى أن جزءاً كبيراً من أحداث روايته «الربيع والخريف» تدور في الصين بالذات، فيما يدور الجزء الآخر في جمهورية المجر بشرقي أوروبا، ولا علم لنا ما إذا كانت هناك أعمال سردية عربية أخرى، غير رواية مينه هذه، كانت الصين فضاء مكانياً لها.
إلى الصين أيضاً ذهب أدباء ومترجمون ولغويون عرب آخرون، لمساعدة زملائهم الصينيين في تأليف القواميس والكتب المنهجية، أو إجراء التنقيح اللغوي على أعمال المترجمين الصينيين، ومن بينهم السوريون: سلامة عبيد وعبد المعين الملوحي ومحمد يونس والمترجم الفلسطيني محمد نمر عبد الكريم.
بديهي أن الاهتمام الصيني – العربي المتبادل بتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية يلعب دوراً محورياً في تزايد اهتمام الصين بإعداد مترجمين من أبنائها متمكنين من العربية، لكن لهذا آثاره في حقول المعرفة عامة، ولا يقتصر على عالم الاقتصاد وحده، وفي تجوالي بين ممرات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، لفت نظري العدد الذي يمكن وصفه بالكبير لآسيويين وهم يقبلون على تصفح وشراء الكتب العربية من أجنحة المعرض، ولأن جلّهم من الشباب، فإني قدرت أن غالبيتهم طلبة من بلدان آسيوية، بينها إندونيسيا، أتوا لدراسة اللغة والأدب العربيين في الجامعات المصرية، وفي هذا رسالة لنا فلغتنا التي تعشقها أقوام أخرى وتحرص على تعليم متميزين من أبنائها بها، جديرة منا بالصون وبأن نعلّمها لأبنائنا بإتقان. في زمن نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى إدارة وجوهنا شرقاً بعد أن اعتدنا لويها نحو الغرب وحده، كي نرى العالم في اتساعه وتنوعه، بدل تنميطه في قالب وحيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى