أمن وإستراتيجية

زيارة غير مظفرة لماكرون

اتفاق في القاعة الشرفية للمطار الدولي هواري بومدين… زيارة غير مظفرة لماكرون

عصام بن الشيخ
كاتب وباحث سياسي. ناشط حقوقي حر
(Issam Bencheikh)

قبل سنوات وصف المؤرخ الجزائري محمد قورصو اعتراف نيكولا ساركوزي بجرائم الاستعمار ب: “حبة حلوى غي بطن جائع”، وبالفعل ما هي إلا بضعة أشهر وأقر ساركوزي قانونا لتمجيد محاسن الاستعمار (قانون 23 فبراير 2005) ثم أقر قانونا لمنع الحجاب مستهدفا شباب الضواحي الذين وصفهم بالحثالة، وختم حماقاته بغزو ليبيا عام 2011. أما تصريحات ايمانويل ماكرون حول عدم وجود” أمة جزائرية” فهي في إطار رقصة التانغو (خطوة للأمام وخطوتين نحو الخلف).. وهاهو يحاول محوها بيأس..

كانت كلمة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اثناء الزيارة الأخيرة أهم بكثير من ديماغوجيا ماكرون والاتفاقيات الموقعة مع الدولة الفرنسية خلال زيارة الدولة. قال الرئيس تبون أن فرنسا عضو مجلس الأمن تقود القارة العجوز كقوة أوروبية والجزائر دولة افريقية ذات وزن مؤثر تقود الدول الافريقية في كتلة دول الجنوب، وبهذا يكون ارتجال ماكرون ديماغوجيا لغة خشب، وتكون كلمة تبون رسالة ذات مغزى.
زيارة فرنسية غير موفقة وغير مظفرة دامت 03 أيام بعد أن كان مقررا لها أن تدوم يومين، أسفرت عن اتفاقيات اثبات حسن نوايا لتؤكد توجس كل طرف من الآخر. لا تزال باريس ترفض التوبة الكولونيالية رغم حاجتها الماسة للطاقة خاصة الغاز الجزائري. حرص الرئيس تبون أن يكون مرتاحا وأن يوثق أمام شنقريحة ولعمامرة كلماته تجاه الرئيس الفرنسي حين قال له أن ما يميز هذه الزيارة هو اجتماعات اللجان المشتركة ونقاشاتها الصريحة خاصة في مجال الدفاع. تبون الذي قال “تحيا الجزائر” في ألعاب وهران الأولمبية بحر هذه الصائفة، أومأ برأسه للسفير الفرنسي لدى الجزائر والذي لا يتوقف عن التواصل مع “معارضي الشوارع” (بروتستوكراسي Protestocracy).
أبعدوا يدكم عن مالي وتوقفوا عن الصراع مع تركيا في ليبيا ولا تتوسطوا بيننا وبين مراكش. كلمات يقرأها كل من شاهد ماكرون الديماغوجي الذي عاد من وهران على عجل، ليس الاعتراف لطبق الكسكسي أو فن الراي “مزية” ولن يكون لها أي تأثير كما زعم من وشوش لبن سديرة، لأن هذه الزيارة لا تحمل سوى عنوان واحد “كسر الجليد”.
من المؤكد أن ماكرون حصل على وعد للحصول على الغاز الطبيعي المسال شأنه شأن اللبنانيين أو الاردنيين الذين يعتذرون عن المكابرة ويتجنبون التصادم مع الصهاينة او اللجوء الى غازهم” الحرام”.
استخدام باريس للحراك ومراكش وعملية برخان ضد ليبيا ومالي وتوظيف أوراق الضغط داخل فرنسا كالجالية أو الحاخام اليهودي وغيره، لا ينفي أن اجتماع لجنة الدفاع والأمن المشتركة قد اتفقت على التوقف عن استخدام معارضي اللايف كورقة ضغط تحت شعار حقوق الإنسان بعرض الحصول على امتياز طاقوي!!.
الحيل الفرنسية لم تعد تنطلي على الجزائر التي وقعت اتفاق الشراكة مع الصين وتعتزم الانضمام لتجمع بريكس بعد عقدين من الأكاذيب الأوروبية حول اتفاقية التجارة الحرة منذ مسار برشلونة 1995 والاتحاد من أجل المتوسط 2007. كما أن الجيش الجزائري وقع اتفاقات عسكرية استراتيجية مع روسيا لتعزيز جاهزيته الدفاعية وهو غير مطالب بإظهار شفافية الاقتناء أو تبرير تمرينات مناوراته العسكرية ال186 سنويا لحماية بلد بمساحة قارة. وعليه، فقد وصلت رسالة الجزائر بأن الدول الأربع غانا غينيا بوركينافاسو مالي قد طردت القوات الفرنسية من منطقة الساحل بعد إنهاء ماكرون لعملية برخان العسكرية، كما لم يعد هنالك أي مبرر لنشاط جماعة بوكوحرام التي تقاتل بأسلحة فرنسية بعد الضربات التي تلقاها تنظيمي القاعدة وداعش، وتجريم الامم المتحدة دفع الفدية بدور جزائري قوي.
إن إعلان الجزائر الذي تم توقيعه في اليوم الثالث لزيارة ماكرون للجزائر هو طوب نجاة أخير لماكرون بعد استحواذ الايطاليين على اهتمام وتقدير الجزائريين. وعليه، أثبت ماكرون أنه فاشل كوزير سابق للاقتصاد وفاشل كرئيس فرنسي يعجز عن الاعتراف بقدومه للجزائر دفاعا عن مصلحة فرنسا وليس مصلحة الاتحاد الأوروبي. بسبب ديماغوجيا خطاب ماكرون تم التركيز على لغة جسده التي أظهرته ضعيفا ومنهكا، فلقد ضاعت الجزائر فعليا من ظائرة النفوذ الفرنسي، ولم تعد الرباط قادرة على ارتكاب حماقات أكثر تجاه الجزائر بعد فشل كل المحاولات السابقة، فبعد إقرار تدريس اللغة العبرية في الدولة المغربية فإن الجزائر مستعدة للجار الصهيوني الذي سيستلم زمام صناعة القرار في المملكة النغربية، وبهذا تحترق آخر ورقة فرنسية لاستخدام وكيل بروكسي. فمتاعب فرنسا في مالي لوحدها تسببت في اختفاء اسم وزير الخارجية السابق جون ايف لودريان المتابع بقضايا إبادة مذ كان وزيرا للدفاع.
خروج باريس عن مقاربة الجزائر القائمة على مركزية الأمم المتحدة جعلها تفقد الجزائر التي تنسق مع موسكو وبيجين لضمان التحول من عالم الهيمنة الغربية نحو عالم متعددة الأطراف وليس متعدد الأقطاب. باختصار، نزعة فريكسيت Frexit كانت عارية خلال زيارة ماكرون، فبقيت ألمانيا وحيدة تكابد ألم أزمة الطاقة الروسية ملتزنة ببرنامج تقشف داخلي يطلب من المواطنين الألمان الاستحمام لمرة واحدة في اليوم!!. لقد أظهر ماكرون أنانية محضة في طلب دعم طاقوي سري من الجزائر، طامعا في كف الجزائر دعمها لتيار الفرنكوفوبيا المنتشرة في افريقيا لأن باريس مثقلة بدين دولي يقدر ب2800 مليار دولار منها 300 مليار دولار مستحقة للصين.
نجح امانويل في الظفر بعهدة رئاسية ثانية لكنه فشل في الوفاء بوعده بحل ملف الذاكرة، إذ لم نصل الى تحقيق مقتضيات المنظومة الكولونيالية (الاعتراف، الاعتذار، التعويض، التوقف عن تمجيد الاستعمار، والتعهد بعدم تكرار التجربة الكولونيالية). فلقد بدأ حل الملف بتعيين المؤرخ بنجامان ستورا والمؤرخ عبد العزيز شيخي على رأس لجنة مختصة لحل الملف، لكن الملف تسيس أكثر ولم يعد بالإمكان دفعه قدما، فبعد استلام جماجم الشهداء ننتظر وصول الأرشيف الجزائري ثم فتح ملف أرشيف التفجيرات النووية برقان وتعويض المتضررين منه.
لاحظنا عجرفة السفير الفرنسي فرنسوا غوييت الذي عدل ريطة عنقه أكثر من مرة وهو غير راض عن تنازلات الجزائر!!. ولم تنس الكاميرا في المقال اظهار السفير الأسبق برنار ايمي مدير المخابرات السابق وهو يحضر لجمة الدفاع والأمن. فمنع الجزائر تحليق الطائرات العسكرية تسبب في زيارة كلفة ساعات التحليق الجوي كما لم يترك الأفارقة الجنود الفرنسيين يتنقلون برا بشلام، ونجحت الجزائر في خنق باريس.
ماكرون غير المكترث بقمة اليابان افريقيا والمنعقدة اليوم في تونس يكاد يعترف أن قضية الصحراء ابغربية ملف ابتزاز يستخدمه الفرنسيون ضد المخزن المغربي لا أكثر ولا أقل، وبهذا يكون ماكرون قد تعرى تماما مثل بيدرو سانشيز الذي حاول أن يصور اعتراف المخزن بإسبانية شبتة ومليلية كنصر دبلوماسي، لأنه خسر الغاز الجزائري وجبهة بوليساريو إلى الأبد.
هل تنقص العرب الجرأة لتوجيه ضربات مؤلمة للغرب وهو في أضعف أحواله وحالاته!؟، يمكننا التأكيد أن أجواء الحروب والأوبئة قد زعزعت وحدة الغرب الذي سيتراجع عن خطابه الوحدوي الأوروبي أو حتى حول حلف الناتو، لأنه أخل بجميع التزامات السلام مع روسيا ومارس خداعه مع الشركاء من دول الجنوب لتحويل دوله آلى ليبيا أو يمن جديد يعمه الدمار والقتل!.
اتفاقية في قاعة المطار تعني تعرض الرئيس الفرنسي عن تخلي جزائري واضح وصريح، الجزائر التي ترفض التطبيع ستنفذ مناورات عسكرية في نوفمبر المقبل في نفس شعر رئاستها للكتلة العربية وتوجهها للترشح لعضوية مجلس الأمن 2023، لم يختبىء سفير الجزائر لدى الامم المتحدة نذير العرباوي متحججا بالمصعد العالق كما تحجج سفير المخزن، بل رفض تعليق عضوية موسكو في مجلس حقوق الإنسان معيدا عجلة التاريخ عن رفض الجزائر إدانة موسكو بسبب ربيع براغ عام 1960، نفس الموقف حدث مع الصين لأن الجزائر ترفض الاعتراف بتايوان وتعترف بصين واحدة، ولا غرابة أن تقتسم الجزائر مع تونس اللقاح القادم لها من الصين وروسيا لأن تونس اعترفت بتايوان وهي تراجع علاقتها مع بيجين كما فعلت عدة دول عبر العالم.
يمكنك أن تسير في شارع بيكين ودون الحاجة للسفر الى الصين لان الجزائر قامت بتسمية شارع بيكين غير البعيد عن مبنى التلفزيون الجزائري العمومي وقريبا من مبنى وزارة الخارجية الجزائري. فالجزائر عملاق شمال افريقيا النائم يخرج من القمقم بهدوء دون مواجهة أي من وكلاء باريس وسيكون على المخزن المغربي التفكير في استعادة جزء بسيط من قراره المختطف لأن الكيان الصهيوني سيطر عليه بلا رجعة.
لقد لفت تصريح ماكرون بخصوص الفيزا والسينما وكرة القدم نظر الأذكياء بالفعل، ففي وقت تتوجه فيه أنظار العالم نحو الباسيفيك لا يزال الرئيس الفرنسي يستخدم الفيزا كورقة وعد أكثر منها ضغط، أثبتت التجارب القريبة أهمية الصين وتحضيراتها لإطلاق أنترنت الجيل السادس عام 2027، كما كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مخابر إنتاج الفاشيات والجوائح المصطنعة في مصانع خفية تحت الأرض ليثبت صدق عمليته العسكرية Denazification. وعليه، فإن المؤامرة القائمة ضد الاتحاد الأوروبي قد صممتها واشنطن ولندن بعد خروجها الى بريكسيت. لذلك لم يعد الاعلام مركزا على صيغة النورماندي (ألمانيا فرنسا روسيا) وتتوجه أنظار العالم الى اتفاقية نيوستارت NewStart للحد من الانتشار النووي الروسي الأمريكي التي تمتد الى (فبراير 2026). فالصين من جهتها ترى أن موضوع تسلحها النووي لا يتحمل أية مشروطية أمريكية كما أنه ملف غير متفاوض عليه، مثل ملف تايوان غير القابل للنقاش.
تدخل فرنسا ضمن كل هذه الحسابات وهي منهارة تماما، ولا أتوقع أن يتوقف السفير غوييت ومعه برنارد إيمي عن توظيف أشباه المعترضين كأبواق قبل اعلان تسليمهم للجزائر كما حدث لبن عبد الله وبن حليمة وبنويرة، كما أن استضافة فرنسا والمغرب لانفصاليي الماك Separtistes Makistes دليل آخر على حتمية استعدادنا لخوض معركة غير احتكاكية لا اتصالية “دون دماء” ضمن حروب الجيل الرابع والخامس والسادس السيبرانية (الحرب الهجينة Hybrid War).
سيستمر السفير الفرنسي غوييت اتصالاته مع راديوM ودرارني وإحسان وطابو وبلعباس وبوشاشي، لكن هذه الأوراق المحترقة المخترقة ستصبح أدوات فرنسية للاعتذار والمساونة وربما المقايضة.
وعليه، فلنستعد لمعركة كسر عظام بسبب التصعيد الغربي الأمريكي والأوروبي المتوقع والذي سيتسبب في انفراجة لعدة قوى صغرى بامكانها الارتقاء ومنها الجزائر. المملكة العربية السعودية تسير على النهج الجزائري بتردد، لكن موقفها أقوى من مصر التي ستعود بقوة عام 2030 بعد انضمام مصر والجزائر لتجمع بريكس. مشكلة مصر هي الديون المستحقة ولا بد لآلية ما أن تزيل هذه الديون وليتها تكون بالتفاوض بدل الحرب، فشطب الديون سيعني شطب الشروط معها، واعلان بداية جديدة New Reset لتشغيل النظام الدولي لكن بعد 2030. يقول تقرير خطير لفورين بوليسي أن الصين ستطلق عام 2027 النت الصيني للجيل السادس 6G ما يعني تكريس أزمات الطاقة والاكسجين واللقاحات، فإما أن تسحق الصين الفرنسيين، أو يحالف الحظ الفرنسيين بفوز أمريكي احتيالي على حساب الصين، وفي كل الحالات سيتم تأديب أنصار الطرف المهزوم كما علمتنا دروس التاريخ. لذلك قال عنه المؤرخ الفرنسي الراحل تزيفتيان تودروف “التاريخ كالخمر القديم، لكنه في زجاجات جديدة”، واتفق معه الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد حين قال: ” التاريخ مثل الخل الجديد، لكن في جرار جديدة”.
وسأختم بما يلي،
التطبيع يعني أن فلسطين هي العدو!
وعليه،
على المطبعين شراء نظارة لتصويب البصيرة، خاصة وأن حاخام حزب شاس كوهين قد توفي ولم يبقى للمطبعين عرابون بعد!!..
الصين تعرف معنى الكولونيالية حين قسم العالم القديم اقليمها مثل الكعكة، وروسيا تعلم دروس التاريخ لأنها قامت بغزو شبه جزيرة القرم في القرن 16م عقب وباء فتاء نشره الغربيون في الصين ففتك بالشعب الإيطالي!!
نفس مسيرة كوفيد 19 لكن بعد مرور 06 قرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى