مجتمع

رشفات الحياة

رولا حسينات

بعد سنوات من العمر في التمني لأنبت أرضي، وبعد سنوات من المعاناة والألم عليَّ أن أصدق الحقيقة كاملة بمرارتها؛ بأنَّه لن يستفيق قرص الشمس لينير صفحة وليدي الذي صرخ أول صرخاته قبل يومين، حين اتخذ الكون قراره بأن تنتهي لعبة الحياة ويحيل نفسه إلى النهاية…
يا قاضي الملمات أسعفني لألقم صغيري لبناً خالصاً من غير ما أحسب للملمات حساباً!
في جوف نفسي أرجع صدى للهاثي الذي تنوس ذبالته فلا أطيق له سمعاً. وصغيري في الظلام أنير صفحة وجهه بنور شمعة يتراقص ذات اليمين وذات الشمال، وقد رسم على وجهه ابتسامة.
أيعقل أن يكون قد عرف حقيقة نهاية الكون واستسلم؟
وقد اتخذ قراره في أن يبقي على صبر أمه جذوة متقدة رغم أيامه القلائل..
عن أي صبر أهذي وقد عاف الصبر كل حيلنا في أن نبقيه وديعاً؟!…الصرخات والعويل التي تأتي من البيوت المجاورة والطرقات باتت أمراً لا مفر منه…الأيام القلائل باتت ساعات، ولحظات لا ندري أيهم أقرب إلى حافة النهاية؟
أن تفقأ عين الحقيقة بدبوس أو أن تغطي الشمس بيديك..أو أن تخيط وشاحاً شفيفاً ليقيك الليالي الصقيعية كله ضرب من الحمق؛ الحمق الذي لم يجد له مكاناً في خيالي. أيمكن أن يكون جنينه في خيالك البريء؟! لقد كبرتُ بما فيه الكفاية لألتمس الطريق وحدي دون أن يعيلني الصبار أو الأرضي شوكي..عليَ أن أقنع الآخرين بأنني سأبقي عليك؟! رغم أن رفوف الكتب وصفحاتها التي التهمتها وجعلتني عارفة بالغيب، تقرُّ بجنوني وأني قد صبأت حين قررت أن أرسم لك المستقبل حين لا مستقبل ليرسمه أحد…لن يغيَّر أحد من واقعنا شيئاً.. لن تحبل الأيام بما لم يُخلق بعد.
لا أدري لِم عليَّ أن أتعلق بأوهام وأحلام راقدة على بئر معطوبة؟! وأن أرتدي سراويل من حرير كبعضهم حين فتر الحنين للمستقبل؟؟ غريب أمركم أيُّها الخائفون.
ذلك المساء المرير الذي تلقفت فيه نبأ أختفاء قرص الشمس ونهاية الكون جعلني أبدو أكبر بعشرين عاماً وربما أزيد من ذلك! عين الحقيقة المصابة بالرمد تبصر فيّ أنك طفل التغيير يحبو على جمر ونيران..آمالي التي أرسلها إلى ما وراء الأفق وتتلقف بعدها رسائل تزيدني أملاً، كما تزيدني ألماً إلى متى أستطيع البقاء وأياك في عالمين يفصلهما جذذ بليدة من خناجر سوداء؟! تحجب النور والريح والعطر..هزة واحدة كفيلة بذود الإذعان، وخزة دبوس كفيلة بفقأ البثور المليئة بالخراج من وجوه ساكني المدينة المدفونين تحت وطأة ضعفهم واستكانتهم…رغم كثرة اللصوص…رغم الرصاص الطائش، رغم كلّ شيء أبقى هؤلاء على حسهم اليقظ في أن يسرقوا ما يمكن أن نبقيه لأحلامنا المصادرة….
الصفير الذي بدا كأزيز حشرات الليل المتكورة بصقيعية الصيف والشتاء على حد سواء..كان لا ينذر بعاصفة وحسب بل بحرب إبادة..
لقد تغيرت صفحة السكون وجبابرته واختفائهم.. لتولد الثورة من باطن الأرض من جديد..قد لا أدرك أنني قد جثوت على فوهة بركان من أقف على الحياد…رغم الموت بكافة صوره لن تكون يا صغيري لقمة هانئة لأمثال هؤلاء. مرتعشة تبدو الصفحة السوداء أمامي، والخيط الأبيض الرفيع ينسل ضعيفاً ضئيلاً أمام كتل السواد، ورائحة البارود، وطعم الموت الذي يفوح في الأجواء. ..
أحلامي المصادرة لم تعد ذات أهمية في أن تُبقيني متيقظة، غير أن صغيري يستحق أن أحاول رغم أن المحاولات رصيد خاسر لا يمكن الرهان عليه أمام حقيقة النهاية.
بدا وكأنه ينصت إليَّ بكلّ سكينة، رفعته وهو يحرك شفتيه وكأنَّه يشتم رائحة اللبن، رسم على وجهه ابتسامة، وهو يلتقم صدري، ويصرُّ على النجاة رغم السكينة التي تملؤه ثقة…دعني يا صغيري أرسم لك المستقبل كما أشتهيه لك نبيذاً من النصر، ونشوة الانتصار…دعنا معاً نكبر…
أترى ذلك أصبح عودك أشدَّ وأقوى…أردت أن تستقل في طعامك بل وتحدد اختياراتك…فغدوت تميز بين ما تحب وتكره، وما بين ما تبقيه دون أن تقرر أن تفطم نفسك عنه…ولكنها الحياة كما ترى، تدفعك إلى أن تكبر وأن تستمر.
فيا قاضي الحاجات أقضي لي حاجتي! لا تبتأس يا صغيري ستتمكن من الوقوف والسير بلا معين ها أنت بعد عام ونصف مستقلا في اتخاذ قرارك تمارس طقوسك في انتقاء ألوان الحياة التي تريد…الكثير من الدمى ترتبها أمامك وتلقنها دروساً في الحياة، وكأن لك الكثير من الحكمة!…أيُّ متسلط أنت أيُّها الحكيم؟! وقد قررت أن يكون لك حيوانك المدلل…أعرضت عن كلّ ما قدمته لك، وأيقنت أن قرارك هو الذي سيفصل بين كلّ شيء في النهاية فاخترت كلباً صغيراً رغماً عني، وأنت تعرف أنَّي لا أطيق العيش معها…ماذا لو كانت قطة ذات شعر كثيف وعينين زرقاوين؟ لكنك اتخذت قرارك وانتهى…الملعقة الخشبية التي تصممم على حملها، وتستند عليها باتت شيئاً مرعباً يحكي عن كم التصميم الذي لديك في أن تقود الآخرين ولكن من ستقود وكلُّ من عليها فان؟! على من ستملي قراراتك وقرص الشمس أبى أن يستيقظ ولو لهنيهة كي تمعن نظرك في الحياة دون أن ترتدي نظارات سوداء؟! في الحديقة بات لك بيت صغير والكثير من الألعاب، القليل من الأصدقاء يلقون السلام من بعيد…لا أدري لِم لم تفضل البقاء مع أصدقاء يعينونك على السير في مشقة الحياة؟! ولكن يبدو أنَّه جين وراثي في عائلتنا بأن نبقي على الخيط الرفيع من الحياة بوحدتنا…أبوك قد قرر منذ زمن بعيد أن يُخرج نفسه خارج اللعبة؛ فالذي أردته بأن يكون لديَّ طفل قد كان، وهو لن يُبقي على نفسه أسيراً في ما يسمى أسرة، هو يريد أن يكون حراً دون أن يُلقي على كاهله الكثير…لا تعتقد أني أختلف عنه كثيراً، ولكني فضلت بأن أجعلك نسخة مني في البقاء دون أن تَمَسك نيران صديقة…الوحدة هي مقياس النقاء! ربما تختلف معي وربما تتفق، لكن صدقني هي كذلك، النقوش التي تمدُّ أيديها لتعبث في دواخلنا، وفي الرسوم على أجسادنا هي التي تُملي علينا أن نسير في طرق لم نكن نعرفها، ولم تكن لدينا أيُّ نية في اختيار السير فيها.
ها قد مرت عشر أعوام، وقد اشتد عودك، وأصبحت ملفتاً للنظر أينما حللت وبت حديث مدرستك في رجاحة العقل والرزانة، لا أدري أن كنت أستطيع أن أمنحك رفاهية الحياة، لقد أبقيت على القليل مما لديَّ وكلي رجاء بأن تكفيك…العمر يمضي بي إلى حيث قررت أن تسافر لتكمل دراستك، ياه! كم أنت قصير أيُّها العمر؟ أتراني أقف اليوم أمام رجل لأغيّر قراره؟ لا، بالكاد أستطيع أن ألتقط الرجاء من هنا وهناك في أن يحفظك الله…وها أنت تلوح لي من السماء، وقد طرت إلى البعيد إلى حيث لا أستطيع أن ألقي إليك بالسلام.
أرأيت يا صغيري؟! لقد مرت سنوات ولم تعد…في رسالتك المقتضبة أخبرتني بأنّك قد وجدت عملاً، وفي الرسالة التي تلتها أرفقت صورة لزوجتك…أعترف أن ذوقك رفيع، لقد بدت رائعة الجمال…ثم أخبرتني برسالة بأنّك قد أصبحت أباً…أيُّها العمر لقد سرقت مني كلَّ شيء حتى الحنين للذكريات.
نعم، يا صغيري لقد اخترت بأن تكون لك جذور في مكان بعيد، لا تريد أن تكون أن تكون آسراً لي رغم تسلطك، ورغم عصاك التي لوحت بها للدمى ورغم القرارات التي اتخذتها في أن تكون نفسك.
لكنها كانت تعني بأنّك تريدني أن أكون حرة…لا تريدني أن أكيل همك، وأن أأسر نفسي في حفنة أحلامك…
يا صغيري كم عميقة ابتسامتك…!
كم أنت واثق بأنَّ شمسك ستستيقظ يوماً…رغم أن الكون سينتهي؛ لكنك أبقيت على جذوة الأمل لديك…سأبقيك على صدري ملتقماً رشفات الحياة. دعنا نحلم معاً، دعنا نستسلم لابتسامتك…ستكون لنا حياة…ولكننا لا نعرف أين ستكون؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى