رأي

رجال أقوياء

  • رجال أقوياء : من موسوليني حتى الوقت الحاضر-

مقدمة المترجم :
ترجمة : محمد ناجي
وجدت هذا المقال يستحق الترجمة وأن يقدم للقارئ العربي لأكثر من سبب :
1- لأني أرى أن نهج الاستبداد هو السبب في كل ما تعانيه شعوبنا العربية ، فالإستبداد هو الأساس والبقية نتائج ومظاهر له . وهذا المقال ، الذي يتضمن نبذة عن كتاب (رجال أقوياء…) هو في صلب هذا الموضوع .
2- صعود اليمين في أوروبا والعالم وخاصة الجناح (العنصري) ، حيث أعلن اليوم عن فوز أحزاب اليمين في الانتخابات السويدية ، وخاصة حصول حزب (ديمقراطيي السويد) ذو الجذور والنهج العنصري على موقع ثاني أكبر حزب في السويد ! ويوم الاثنين المقبل ستجري الانتخابات في إيطاليا والمتوقع حصول نفس الشئ ، وفوز اليمين وجناحه العنصري ، ومعه برلسكوني الذي يرد ذكره في هذا المقال .


في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) من هذا العام 2021 ، أصدر المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) ، ومقره ستوكهولم تقريره السنوي الذي يُظهر تراجعاً ديمقراطياً وصعوداً استبدادياً في جميع أنحاء العالم ، مع تصنيف الولايات المتحدة ضمن الديمقراطيات المتراجعة في العالم . كان الاستنتاج المشؤوم للتقرير هو أن عدد الدول التي تتحرك في اتجاه الاستبداد يعادل ثلاثة أضعاف العدد الذي يتجه نحو الديمقراطية . بعد أقل من شهر ، افتتح الرئيس الأمريكي جو بايدن “قمة من أجل الديمقراطية” في واشنطن العاصمة ، حضرها تقريباً ممثلو أكثر من 100 دولة ، جنباً إلى جنب مع نشطاء المجتمع المدني وأصحاب الأعمال والصحفيين . وصف بايدن مهمة تعزيز الديمقراطية لمواجهة الاستبداد بأنها “التحدي الحاسم في عصرنا” ، في إشارة إلى التهديدات المتزايدة للديمقراطية التي تواجهها الولايات المتحدة داخلياً ، لكن دون أن يسهب في الحديث عنها .

تزامنت الفترة القصيرة بين تقرير IDEA وقمة الديمقراطية مع الوقت الذي كنت فيه متشبثاً بكتاب روث بن غيات “رجال أقوياء : من موسوليني حتى الوقت الحاضر” ، وهو عمل يوفر خلفية مفيدة ولكنها بالكاد مطمئنة عن الهيمنة الاستبدادية اليوم . كما يوحي عنوان الكتاب ، وجدت بن غيات أصول هذه الصيغة من الاستبداد في نظام بينيتو موسوليني الفاشي ، الذي عينه الملك فيكتور إيمانويل الثاني عام 1922 لرئاسة الحكومة الإيطالية كرئيس للوزراء ، وهو التعيين الذي شكل نهاية الليبرالية الإيطالية كنظام برلماني ديمقراطي .

تعرّف بن غيات السلطوية على أنها نظام سياسي تتركز فيه السلطة التنفيذية لدى فرد واحد وتهيمن “على حساب السلطتين التشريعية والقضائية للدولة” ، مع ادعاء الفرد أنه وأتباعه “فوق القانون” ، فوق الحساب وغير ملزمون بالصدق . ” . بن غيات أستاذة التاريخ والدراسات الإيطالية في جامعة نيويورك ، والخبيرة الأكاديمية الرائدة في دراسة موسوليني والتاريخ الإيطالي الحديث ، تستخدم معرفتها بالرجل المسمى Il Duce وحكم حزبه الفاشي في إيطاليا من 1922 إلى 1943 كنقطة انطلاق لبناء صورة أكثر شمولاً للقادة الذين ساروا على خطى موسوليني – “الرجال الأقوياء” كما في عنوان كتابها ، أو “المستبدين” ، وهما مصطلحان تستخدمهما بالتبادل .

تقسم بن غيات الحكم الاستبدادي الحديث منذ عهد موسوليني إلى ثلاث فترات تاريخية عامة :
1) الحقبة الفاشية لموسوليني وحليفه الألماني ، أدولف هتلر ، 1919-1945 ، حيث خرجت أوروبا من كارثة الحرب العالمية الأولى لتنطلق إلى الحرب العالمية الثانية الأكثر كارثية ؛
2) عصر الانقلابات العسكرية ، 1945 إلى 1990 ؛
3) ما تسميه العصر الاستبدادي الجديد ، من 1990 حتى الوقت الحاضر ، حيث أصبحت الانقلابات العسكرية أقل شيوعاً ، والانتخابات التي يتم التلاعب بها أسلوباً سلطوياً مألوفاً . لكن “الرجال الأقوياء” ليس عملاً تاريخياً ، مُرتَّباً بترتيب زمني .

تركز بن غيات بدلاً من ذلك على الوسائل والتكتيكات التي استخدمها رجال أقوياء مختارون منذ زمن موسوليني . في عشرة فصول ، مقسمة إلى ثلاثة أقسام عامة ، “الوصول إلى السلطة” و “وسائل الحكم” و “فقدان السلطة” ، تشرح على التوالي كيف حصل الرجال الأقوياء على السلطة وحافظوا عليها وفقدوها . يحدد كل فصل المبادئ الأربعة العامة لحكم الرجل القوي ، والتي تضيف إليها أمثلة توضيحية لكيفية التزام رجال أقوياء معينين بالمبادئ . بالنسبة إلى بن غيات ، فإن الوسائل الرئيسية في صندوق أدوات الرجل القوي هي الدعاية والعنف والفساد ، وفي الأساس الرجولة . كل منها موضوع فصل منفصل ، لكنها “مترابطة” ويشار إليها في جميع أنحاء الكتاب .

يتغير طاقم شخصيات بن غيات من فصل إلى آخر ، اعتماداً على مادة الموضوع . في البداية ، أدرجت 17 “بطلًا” ، قادة استبداديين تم ذكرهم على الأقل من حين لآخر في الكتاب ، بما في ذلك قادة معاصرين معروفين مثل فيكتور أوربان من المجر ، ورجب أردوغان من تركيا ، والبرازيلي جاير بولسونارو . لكن ثمانية يهيمنون على سردها : موسوليني وهتلر ، الذين جسدوا الحقبة الفاشية ، مع ظهور موسوليني في كل فصل تقريباً ؛ الجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو ، شخصية انتقالية من الفاشية إلى الانقلاب العسكري ، فاشي في الثلاثينيات وعميل مؤيد لأمريكا خلال الحرب الباردة ؛ أوغستو بينوشيه التشيلي ، الذي نصب نفسه على غرار فرانكو وجسد حقبة الانقلابات العسكرية ، وأربعة مستبدين “معاصرين” ، الإيطالي سيلفيو برلسكوني ، الذي شغل منصب رئيس وزراء إيطاليا في ثلاث حكومات ، من 1994 إلى 1995 ، ومن 2001 إلى 2006 ، ومن 2008 إلى 2011 ؛ الروسي فلاديمير بوتين ، الذي تبع محاولة بوريس يلتسين الفوضوية لتأسيس مؤسسات ديمقراطية ليبرالية جديدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ؛ معمر القذافي الليبي ، وهو شخصية انتقالية من عصر الانقلابات العسكرية إلى استبداد القرن الحادي والعشرين ، ونعم ، دونالد ترامب في أمريكا . يبدو أن تذكير القراء بمدى التزام ترامب وإدارته بكتاب قواعد اللعبة الاستبدادي هو أحد الأغراض الرئيسية للكتاب وإن لم يتم ذكرها .

من بين القادة الاستبداديين الثمانية المميزين ، صعد الجميع إلى السلطة ، باستثناء القذافي ، في أنظمة كانت ديمقراطية بدرجات متفاوتة . كيف ينجح المستبدون في إضعاف الديمقراطية ، غالباً باستخدام الوسائل الديمقراطية ، هذه هي الخلفية الضرورية لاختبار بن غيات لقواعد اللعب ، حيث سعى الجميع بطريقة أو بأخرى إلى تقويض المعايير والمؤسسات الديمقراطية القائمة . لهذا السبب بالذات تستبعد بن غيات القيادات السياسية النسائية القوية ، مثل إنديرا غاندي ومارجريت تاتشر ، وتجادل أنه لا توجد أي امرأة حتى الآن “سعت إلى تدمير الديمقراطية” ، على الرغم من أنها لا تستبعد إمكانية أن تفي الزعيمة المستقبلية بالمعايير الاستبدادية .

علاوة على ذلك ، من بين الثمانية المميزين ، يمكن اعتبار القذافي فقط يسار الوسط في الطيف السياسي ، والسبعة الآخرين يصنفون بأريحية مع اليمين . ومع أنه هناك الكثير من الأشخاص الممكن إجراء الاختبار عليهم كرجال اليسار الأقوياء ، ممن يمكن تذكرهم بسهولة – جوزيف ستالين وماو تسي تونج وفيدل كاسترو – فإن الرجال الأقوياء هو إلى حد كبير تحليل للاستبداد اليميني . وبالنسبة لبن غيات ، كما هو الحال بالنسبة للرئيس بايدن ، تشكل مكافحة هذا الشكل من الاستبداد “واحدة من أكثر الأمور إلحاحاً في عصرنا” .

من موسوليني وهتلر إلى برلسكوني وترامب ، كان حكم الرجل القوي شخصياً للغاية بحكم التعريف تقريباً . تقول بن غيات إن الرجال الأقوياء لا يميزون بين أجنداتهم الفردية وأجندات الأمة التي يحكمونها . لقد أثبتوا مهاراتهم بشكل خاص في مخاطبة المشاعر السلبية والاستياء الشديد . إنهم يصعدون إلى السلطة في فترات عدم الوضوح والتحول ، ويقدمون الدعم عندما يكون المجتمع مستقطباً ، أو ينقسم إلى معسكرين أيديولوجيين متعارضين ، وهذا هو “سبب قيامهم بكل ما في وسعهم لتفاقم الصراع” .

ترى بن غيات أن وعد الرجل القوي بإعادة أمته إلى العظمة يشكل “الغِراء” للحكم الاستبدادي الحديث . عادةً ما يجمع الوعد بين الشعور بالحنين إلى الماضي وخيال العودة إلى حقبة سابقة متخيلة مع نظرة قاتمة للحاضر ورؤية متوهجة للمستقبل . في فوضى إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الأولى ، استدعى موسوليني العظمة الإمبراطورية المفقودة للإمبراطورية الرومانية . بوتين يتحدث بحنين إلى الحقبة السوفيتية . وصف خطاب تنصيب ترامب لعام 2017 الولايات المتحدة كمكان مهجور لـ “مصانع صدئة مبعثرة مثل شواهد القبور عبر المناظر الطبيعية لأمتنا” ، الصورة البائسة لأمريكا المعاصرة التي عززت شعاره المنتشر في كل مكان “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” .

تكتب بن غياث ، كان فرانكو وبينوشيه نموذجاً لسلطويي اليمين الذين فتحوا الطريق إلى المستقبل المجيد للثورة المضادة الصليبية ضد المتمردين اليساريين المحتملين . ولكن في ما يطلق عليه أحياناً “البلدان النامية” أو “العالم الثالث” ، تُركز العودة إلى العظمة الوطنية بشكل متكرر على بقايا الاحتلال الأجنبي . وبدلاً من قيادة تمرد ضد المؤسسات والأعراف الديمقراطية الموجودة مسبقاً ، يستخدم القادة المناهضون للإمبريالية مثل القذافي “غضب شعوبهم من طغيان المستعمرين الغربيين لحشد أتباعهم” ، مع تكييف “تقاليد العنف الاستعماري لأغراضهم الخاصة” .

لاكتساب السلطة والحفاظ عليها ، يستخدم الأقوياء أسلوب الدعاية الذي تصفه بن غيات بأنه “مجموعة من استراتيجيات الاتصال المصممة لزرع الارتباك وعدم اليقين ، وتثبيط التفكير النقدي ، وإقناع الناس بأن الواقع هو ما يقوله القائد .” من استخدام موسوليني للأفلام الإخبارية وتجمعات هتلر العامة إلى استخدام ترامب لتويتر ، استخدم المستبدون “قنوات اتصال مباشرة مع الجمهور ، مما يسمح لهم بالظهور كمترجمين حقيقيين للإرادة العامة” .

علاوة على ذلك ، تشجع الدعاية الناس على رؤية العنف بشكل مختلف ، باعتباره “واجباً وطنياً ومدنياً وثمناً لجعل البلاد عظيمة” . الجنرال فرانكو قتل وسجن اليساريين الإسبان بمعدل مذهل ، سواء في الحرب الأهلية الإسبانية ، عندما كان يدعمه موسوليني وهتلر ، وأثناء الحرب العالمية الثانية ، عندما ظل محايداً . استند ادعائه للشرعية إلى فكرة أنه جلب السلام إلى الأرض وأنقذها من العنف اليساري المروع . تكتب بن غيات أن نجاحه الحقيقي كان في “خلق الصمت حول ذكريات عنفه” .

كما سعى أوغستو بينوشيه ، الذي صاغ نفسه على صورة فرانكو ، إلى تقديم صورة لتشيلي على أنها معقل للاستقرار المناهض للشيوعية . ولكن وفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية ، كان العنصر الأساسي في حكم بينوشيه ، هو التعذيب المنهجي وإعدام المنشقين واليساريين التشيليين ، “ليس كسادية معزولة ، بل سياسة دولة” . اعتمدت وكالة الشرطة السرية التابعة لبينوشيه “DINA” ، على النازيين الجدد الذين يعيشون بين عدد كبير من السكان الألمان في البلاد لتنفيذ مهمتها المتمثلة في “تطهير المجتمع التشيلي من النفوذ اليساري وجعل شيلي مركزاً للنضال الدولي ضد الماركسية” .

تصور القذافي نفسه كمركز لعالم مناهض للإمبريالية والصهيونية ، وقام بتمويل مجموعة واسعة من الحركات الثورية والإرهابية في جميع أنحاء العالم بينما كان يتبنى أساليب إرهابية في الداخل للقضاء على المعارضين الليبيين . استخدم التلفزيون لتقديم العنف كمشهد جماعي ، وإخضاع الطلاب المعارضين للشنق العلني المتلفز . تم بث المحاكمة وإعدام المعارضين بالكامل على التلفزيون في عام 1984 . وكانت دعوات دونالد ترامب لسجن هيلاري كلينتون والتلميحات إلى إطلاق النار عليها ، صادمة للعديد من الأمريكيين ، “سلوكيات مرتبطة بدون تردد بالدول الفاشية أو المجالس العسكرية” ، كتبت بن غيات .

بشكل شبه دائم ، يستخدم الرجال الأقوياء سلطة مناصبهم لتحقيق مكاسب خاصة ، وهو التعريف الكلاسيكي للفساد . بالتوازي مع الوسائل الأخرى ، مثل عمليات تطهير القضاء ، ينتج الفساد نظاماً يتسامح مع الإجرام ويشجع التغييرات الأوسع في المعايير السلوكية “لجعل الأشياء غير القانونية أو غير الأخلاقية تبدو مقبولة ، سواء كانت تزوير الانتخابات أو التعذيب أو الاعتداء الجنسي” . يشير مصطلح “كليبتوقراطية” ، الذي أصبح رائجاً اليوم ، إلى دولة يبدو فيها غالباً أن نهب الخزائن والموارد العامة هو الهدف المركزي للحكومة .

جوزيف موبوتو سيسي سيكو ، الزعيم القوي المناهض للشيوعية في زائير (الآن جمهورية الكونغو الديمقراطية) من عام 1965 إلى عام 1997 ، يظهر هنا بشكل أساسي لتوضيح ما أطلق عليه عضو مجلس النواب الأمريكي ستيفن سولارز في عام 1991 “نظام الفساد لإنهاء جميع الأنظمة الفاسدة” ، حيث وضع موبوتو المعيار الذي “يجري وفقه قياس جميع اللصوص الدوليين في المستقبل ” . تتمتع دولة موبوتو ، الغنية بالمواد الخام التي تقدر قيمتها بما يزيد عن 24 تريليون دولار ، بامتياز مشكوك في صحته بكونها أغنى بلد من حيث الموارد في العالم مع أفقر سكان الكوكب ، وفقاً لدراسة توم بورجيس المتبصرة بالأنظمة الإفريقية الكليبتوقراطية “ماكينة النهب” . بحلول الوقت الذي أُجبر فيه على النفي في عام 1997 ، كان موبوتو قد جمع ثروة قدرها 5 مليارات دولار ، لكن زائير خسرت 12 مليار دولار من رأس مالها وهروب الموارد ، وزادت ديونها بمقدار 14 مليار دولار .

تسمح أنظمة المحسوبية الجديدة لأصدقاء الرجل القوي وأفراد أسرته بتجميع الثروة ، وتمنحهم السلطة والمكافآت الاقتصادية . يضع فلاديمير بوتين الأوليغارشية في منافسة على موارد الدولة وعلى تأييده ، ويتعامل مع البلاد ككيان يتم استغلاله لتحقيق مكاسب خاصة . بينما يتظاهر بأنه مدافع قومي ضد “العولمة” ، فإنه يستخدم التمويل العالمي لغسيل الأموال وإخفائها . قام هو وشركاءه بسحب ما يقدر بنحو 325 مليار دولار من روسيا منذ عام 2006 . وبحلول عام 2019 ، كان 3٪ من السكان الروس يمتلكون 89٪ من الأصول المالية للبلاد .

حافظ سيلفيو برلسكوني على علاقة دقيقة وسرية مع بوتين والتي من شبه المؤكد أنها أفادته مالياً . وقد ذكرت بن غياث بأن برلسكوني قام خلال فترات حكمه الثلاث ، بتطبيع الفساد من خلال تطويع المؤسسات الديمقراطية الإيطالية “لتتلاءم مع ظروفه الشخصية” ، و “الشراكة مع المستبدين ووضع شخصه فوق القانون” . وهو احتفظ بالسيطرة على اسهمه الواسعة في التلفزيون والنشر والإعلان ، ووضع أفراد عائلته والموالين له في المسؤولية . اتساع نطاق إمبراطوريته الإعلامية “جعل من الصعب مراقبة الاختلاط بين مصالحه الشخصية والتجارية” . في حين أن إيطاليا ربما ظلت ديمقراطية اسمية في عهد برلسكوني ، فقد حول الحكومة الإيطالية إلى ما تصفه بن غيات بأنه “وسيلة لتكديس المزيد من الثروة الشخصية والسلطة على نموذج القادة غير الليبراليين الذين أعجبهم بشدة” ، في إشارة إلى شراكته الخاصة مع بوتين .

تذهب بن غيات إلى ما هو أبعد من المناقشات الأخرى حول الاستبداد من خلال تسليط الضوء على المدى الذي تُمكّن فيه الرجولة وعبادة الذكورة من إفساد الرجل القوي ، من خلال إبراز فكرة أنه “فوق القوانين التي يجب على الأفراد الأضعف اتباعها” . إن عروض الفحولة “ليست مجرد تبجح ، ولكنها طريقة لممارسة السلطة في الداخل وإدارة السياسة الخارجية” ، كما تكتب . بعيداً عن كونه شأناً خاصاً ، تكشف الحياة الجنسية للرجل القوي كيف يعمل “الفساد والدعاية والعنف والرجولة معاً” .

في أجزاء من الكتاب التي من المرجح أن تجذب المراهقين ، تكشف بن غيات العديد من التفاصيل عن الحياة الجنسية غير المقيدة لموسوليني والقذافي . ومن المفارقات أن القذافي منح المرأة الليبية استقلالية أكثر بكثير مما كانت تتمتع به قبل أن يتولى السلطة في عام 1969 . وقد روج للمرأة كجزء من إجراءاته الثورية ، بينما كان يبني بشكل خاص نظاماً – على غرار نظام موسوليني على ما يبدو – “للحصول على النساء واحتجازهن لإشباع حاجاته الشخصية ” .

سيلفيو برلسكوني “استخدم سيطرته على التلفزيون وأسواق الإعلان في إيطاليا لإشباع البلاد بصور النساء في أدوار خاضعة .” غالباً ما تتلقى المشاركات الشابات في حفلات الجنس الشهيرة لبرلسكوني نقوداً لمساعدتهن على بدء عمل تجاري ، أو فرصة في مكان في عرض برلسكوني ، أو تصعيدهن في السياسة . من وجهة نظر بن غيات ، تشكل عروض الجسد عاري الصدر “جزءاً لا يتجزأ” من هوية فلاديمير بوتين باعتباره “المدافع عن فخر روسيا وحقها في التوسع في العالم” .

بينما امتنع دونالد ترامب ، وهو رجل في السبعينيات من عمره ، عن الكشف عن نفسه عاري الصدر ، فإن أشرطة Access Hollywood سيئة السمعة التي تم إصدارها في خضم الحملة الرئاسية لعام 2016 ، والتي تفاخر فيها ترامب بتحرشه بالنساء ، لم تُعِق ترشيحه . وبدلاً من ذلك ، فإن هذا العرض “عزز العلامة التجارية الكارهة للنساء المتمثلة في سحر الذكور الذي بناه ترامب على مر العقود .” . بدت حملة ترامب ورئاسته مكرسة لـ “[استعادة] سلطة الرجل” ، كما كتبت ، مما يعني “خلق بيئة يستطيع فيها الرجال التصرف وفقاً لرغباتهم مع الإفلات من العقاب” .

كان القذافي آخر المستبدين الذين استخدموا العنف علانية كأداة للحفاظ على السلطة . في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ، تلاحظ بن غيات أن عمليات القتل الجماعي غالباً ما تولد الصحافة السيئة . يحتاج المستبدون الجدد إلى قياس تسامح النخب والجمهور مع العنف . يميل رجال القرن الحادي والعشرون الأقوياء مثل بوتين ورجب أردوغان إلى للتحفظ على أعدائهم بعيداً عن الرقابة العامة ، ويفضلون العنف الموجه ، والتلاعب بالمعلومات ، والمضايقات القانونية لتحييد المعارضين . يستخدمون منصات مثل Facebook و Twitter “لاستهداف النقاد ونشر خطاب الكراهية ونظريات المؤامرة والأكاذيب” ومحاولة إفقار المعارضين والمعارضين المحتملين من خلال مصادرة الشركات التي قد يمتلكونها هم أو أقاربهم .

ظهر كتاب بن غيات قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 ، قبل أسابيع من تمرد 6 يناير 2021 في مبنى الكابيتول الأمريكي ، وقبل أن ينتشر مفهوم “الانتخابات المسروقة” بين شريحة كبيرة لا تزال متحيرة من الناخبين الأمريكيين . لكن رؤيتها بأن المستبدين اليوم يستخدمون الانتخابات لإبقاء أنفسهم في مناصبهم ، “ينشرون تكتيكات مناهضة للديمقراطية مثل الاحتيال أو قمع الناخبين للحصول على النتائج التي يحتاجون إليها” ، يكشف عن المدى الذي بلغه الرئيس السابق ترامب وشريحة كبيرة من الحزب الجمهوري اليوم ، خاصة في الولايات “ساحة المعركة” الرئيسية ، تعمل وفقا لقواعد اللعب للرجل القوي .

على الرغم من تحليلها المناسب للطريقة التي يهدد بها الاستبداد الديمقراطيات في العالم ، فإن الحلول التي اقترحتها بن غيات تترك لرغبة القارئ . وتذكر بأن “فتح القلب على الآخرين والنظر إليهم بتعاطف” يمكن أن يشكل مقاومة فعالة ضد حكم الرجل القوي ، فالتضامن والحب والحوار “هي أكثر ما يخشاه الرجل القوي” . بشكل ملموس أكثر ، فهي تؤكد أنه لمواجهة الاستبداد المعاصر ، يجب علينا “إعطاء الأولوية للمساءلة والشفافية في الحكومة” ، وقبل كل شيء ، توصي “برؤية واضحة عن كيفية تمكن الرجال الأقوياء من الوصول إلى السلطة وكيف يبقون هناك” . يقدم هذا العمل الذي تم بحثه بعمق وجدل مقنع وجهة نظر كهذه ، مما يجعله مساهمة في الوقت المناسب في المناقشات المعاصرة العاجلة حول مستقبل الديمقراطية .

توم بيبلز
Tocqueville 21 Blog

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى