إقتصادفي الواجهة

دراسة اقتصادية ..اتفاق منظمة التجارة العالمية في مواجهة تباطؤ النمو ومخاطر الركود التضخمي


غازي أبو نحل
رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات: Nest Investments (Holdings) L.T.D
والرئيس الفخري لرابطة مراكز التجارة العالمية

توصلت الدول الـ164 اعضاء منظمة التجارة العالمية الى اتفاق حول رزمة تدابیر تتراوح بين الغاء الدعم عن صيد السمك ورفع براءات الاختراع عن اللقاحات ضد وباء کوفيد-۱۹، مروراً بالوعد ببذل المزيد من الجهد لضمان الامن الغذائي العالمي. کما مددوا اتفاقية عدم فرض تعريفات جمركية على التجارة الدولية في الوقت الراهن… في نتيجة غير مسبوقة وغير متوقعة، تم انتزاعها بعد خمسة أيام من المفاوضات المكثفة، وأعلنت المديرة العامة للمنظمة نغوزي اوکونغو-ایویلا ان هذه “مجموعة غير مسبوقة في النتائج” مضيفة امام رؤساء وفود الدول الاعضاء “مضى وقت طویل منذ حققت منظمة التجارة العالمية مثل هذا العدد الكبير من النتائج المتعددة الاطراف. النتائج تبين ان منظمة التجارة العالمية قادرة على الاستجابة للحالات العاجلة في عصرنا”.

لا بد من التوقف عند النقاط الآتية:

  1. حين بدأ الاجتماع، كان الأمل في التوصل الى نتيجة بشأن كل هذه المواضيع ضئیلاً جداً، وحددت اوکونغو- ايويلا نفسها عتبة النجاح عند اقرار نص او نصّین، لکن الاجتماع الوزاري استمر اکثر مما كان متوقعاً بنحو 36 ساعة، كمؤشر واضح الى اهمية المواضيع المطروحة وادراك الوزراء ضرورة الخروج باكبر قدر من التفاهمات لتعزيز موقع المنظمة في هذا الوقت الحساس الذي يمر به العالم، حيث تتعزز افكار القوقعة والانعزال وترتفع الاصوات منادية بقوميات على حساب العولمة والانفتاح واسقاط الحواجز الجمركية بين الدول والقارات.
  2. كان النص حول انعدام الامن الغذائي يثير ترقباً كبيراً رغم انه مجرد اعلان وزاري; وأدت الحرب الروسية- الاوكرانية الى حرمان العالم من الحبوب والاسمدة، ممّا تسبّب بإرتفاع حاد في الاسعار بات يهدّد ملايين الناس عبر العالم بالجوع. لكن الوثيقة الصادرة تشير الى اهمية عدم فرض حظر او قيود على الصادرات، تكون مخالفة لقواعد منظمة التجارة العالمية، وتطالب بان تكون كل التدابير الطارئة المتخذة استجابة للمخاوف على صعيد الامن الغذائي مثل تجميد الصادرات “مؤقتة وهادفة وشفافة” وان يتم ابلاغ المنظمة بها.
  3. الاتفاق حول صيد الاسماك عدَّ نجاحاً، ذلك ان الشكوك بشأنه استمرت حتى اللحظة الأخيرة، علماً انه كان من المواضيع الرئيسية المطروحة على الاجتماع. مع الاشارة الى ان المفاوضات حول هذا الموضوع كانت بدأت منذ أكثر من 20 عاماً وهي تندرج في سياق اهداف التنمية المستدامة التي تعتمدها الامم المتحدة، والهدف منع بعض اشکال المساعدات التي قد تشجّع الصيد الجائر وغير القانوني. وعلم في هذا الاطار، ان منظمة التجارة العالمية تعتزم انشاء صندوق يسمح بتقديم مساعدة فنية لمساعدة الدول النامية، وتعزيز قدرات البلدان لتتمكن من تطبيق الاتفاق ومساعدة صياديها على اعتماد صيد اكثر استدامة.
  4. بعد عامين ونصف العام من مكافحة وباء کوفید-۱۹، توصلت دول المنظمة الى اتفاق من اجل تیسير تجارة المواد الطبية الضرورية لمكافحة الاوبئة، كما اقرّت رفع براءات الاختراع مؤقتاً عن اللقاحات ضد کوفيد-19 الموجهة إلى الدول النامية لتسهيل انتاج اللقاحات، وذلك بعد معارك ضارية بين لوبي الادوية من جهة وعدد من الدول النامية والمنظمات غير الحكومية من جهة اخرى، بما يعّد انتصاراً للشعوب الفقيرة والدول النامية التي بات باستطاعتها انتاج اللقاحات محلياً وتوزيعها على شعوبها. مع الاشارة في هذا المجال الى ان الاتفاقية تنطبق على اللقاحات فقط وتستبعد معدات التشخيص والادوية، ما جعلها عرضة لانتقادات منظمة اوكسفام والتحالف العالمي للقاحات.

مرة جديدة تثبت منظمة التجارة العالمية قدرة على الاستجابة للظروف الطارئة من جهة والاستمرار في التوصل إلى اتفاقات تعزز التجارة العالمية وتحرّرها من جهة اخری.

اضافة الى بارقة الامل المستشفّة من اتفاقات منظمة التجارة العالمية، برز معطىً آخر يصب في الاتجاه نفسه ویعارض بالتالي ما تشهده بعض الدول من ارتفاع الاصوات الداعية إلى التقوقع والانعزال… وهو تدشین التحالف العالمي للمناطق الاقتصادية الخاصة، حيث اعلنت المنظمة العالمية للمناطق الحرة تأسيس التحالف العالمي للمناطق الاقتصادية الخاصة، وذلك على هامش فعاليات الدورة الثامنة للمعرض والمؤتمر الدولي السنوي للمنظمة الذي انعقد في خليج مونتيجو بمنطقة سانت جيمس في جامايكا في منتصف شهر حزيران/يونيو الماضي وجمع نخبة من المتحدثين العالميين وصانعي السياسات والأكاديميين والمنظمات متعددة الأطراف وقادة الشركات العالمية من أكثر من 100 دولة.

وشهد الحدث الذي اقيمت فعالياته تحت شعار: المناطق الحرة: شريككم الأمثل لتحقيق المرونة والاستدامة والازدهار، إطلاق الدورة السنوية الأولى من مؤتمر التحالف العالمي للمناطق الاقتصادية الخاصة، بالتعاون بين مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والمنظمة العالمية للمناطق الحرة، والذي تناول أبرز القضايا الناشئة والمتعلقة بالمناطق الاقتصادية الخاصة ودور الشراكات في تمکین تبادل الخبرات خلال مرحلة التعافي من جائحة كوفيد-19.

وجاء تدشين التحالف خلال حفل رسمي أقيم بحضور آندرو مايكل هولنس رئيس وزراء جامايكا، والدكتور محمد الزرعوني، رئيس المنظمة العالمية للمناطق الحرة، وعددٍ من الأعضاء المؤسسين للتحالف. ويضم التحالف الأونكتاد، والمنظمة العالمية للمناطق الحرة، ومنظمة المناطق الاقتصادية الأفريقية، ورابطة مناطق التجارة الحرة للأميركتيتن، والرابطة الدولية لمجمعات العلوم، والرابطة الوطنية لمناطق التجارة الحرة وسلطة المنطقة الاقتصادية الفليبينية والاتحاد العالمي للمناطق الاقتصادية الحرة والخاصة.

تشکیل هذا التحالف يؤكد التزام المنظمة بدعم جهود تطوير المناطق الحرة في جميع انحاء العالم، حيث يأتي في إطار الجهود الرامية لتعزيز مساهمة المنظمة في رسم ملامح مستقبل الشراكات بين المؤسسات المالية والجهات المطورة للمناطق الاقتصادية الخاصة والحكومات وشركات الترويج الاستثماري. ان هذه المبادرة تهدف إلى تطوير الشراكات الإقليمية والدولية وتزويدها بفرص النمو، ما يعد عاملاً محورياً لتحقيق النمو المستدام في المناطق الحرة.

لا بد من الاشارة في هذا المجال الى ان أعداد المناطق الحرة ومساحاتها شهدت خلال السنوات العشر الماضية نمواً لافتاً، إذ يوجد اليوم نحو 7 آلاف منطقة حرة في أنحاء العالم يعمل فيها أكثر من 100 مليون عامل وموظف من مختلف الدول، ما يبرز أهمية هذا القطاع ومساهمته الكبيرة في نمو الاقتصاد العالمي، ولا سيما خلال فترة التعافي من الأزمة الصحية.

اتفاق منظمة التجارة العالمية معطوفاً علی تدشين التحالف العالمي للمناطق الاقتصادية الخاصة، خطوتان تصبان في مصلحة الاقتصاد العالمي ككل وتلعبان دوراً مساعداً للاقتصادات النامية والناشئة على حد سواء، خصوصاً في ظل اوضاع اقتصادية صعبة ناجمة عن ارتفاع مخاطر الركود التضخمي في خضم التباطؤ الحاد في وتيرة النمو، حيث من المتوقع ان يتراجع النمو العالمي من 5.7% العام 2021 الى 2.9% العام الحالي، وهي نسبة اقل بكثير من تلك التي كانت متوقعة بداية العام الجاري والبالغة 4.1%، کما يتوقع البنك الدولي ان يتابع النمو العالمي تأرجحه حول هذه الوتيرة خلال العامين المقبلين، في وقت تتسبّب فيه الحرب في اوكرانيا في تعطيل النشاط الاقتصادي والاستثمار والتجارة على المدى القريب، ويضعف فيه الطلب، فضلاً عن انهاء العمل بالسياسات المالية والنقدية التيسيرية التي كانت تنتهجها المصارف المركزية في العالم.
اقتصادات الاسواق الصاعدة والنامية سيكون وضعها اكثر صعوبة من مثيلاتها المتقدمة، وهي تختلف بالتأکید بين دولة وأخرى، اذ من المتوقع ان ينخفض النمو فيها من 6.6% العام 2021 الى 3.4% العام الجاري، أي اقل بكثير من المتوسط السنوي البالغ 4.8% الذي ساد خلال الفترة من 2011 الى 2019. ولن تؤدي التداعيات السلبية للحرب الى تحييد اي انتعاش قریب الأجل يشهده بعض البلدان المصدّرة للسلع الأولية من ارتفاع اسعار الطاقة فحسب، بل ستفوقه ایضاً، من هنا تبرز الحاجة الى اتخاذ اجراءات حاسمة على صعيد السياسات الاقتصادية الوطنية والعالمية لتجنب اسوأ عواقب الحرب الدائرة في اوکرانیا علی الاقتصاد العالمي، وهذا بدوره سيتضمن جهوداً عالمية للحد من الأضرار الواقعة على المتضررين من جراء الحرب، وتخفيف آثار الضربة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والغذاء، وتسريع تدابير تخفيف وطأة الديون، وكذلك توسيع نطاق حملات التلقيح في البلدان منخفضة الدخل. كما سيتضمن ذلك استجابات فعالة وقوية في جانب العرض على المستوى الوطني مع الإبقاء على تشغيل أسواق السلع الأولية العالمية بشكل فعال.

علاوة على ذلك، ينبغي على واضعي السياسات الحد من السياسات التشويهية مثل ضوابط الأسعار، وإعانات الدعم، وفرض الحظر على الصادرات، التي يمكن أن تفاقم الوضع السيئ الناجم عن الزيادة الأخيرة في أسعار السلع الأولية. وفي ضوء هذه البيئة الصعبة التي تتضمن ارتفاع مستويات التضخم، وضعف النمو، وتشديد الأوضاع المالية، فضلاً عن حيز التصرف المحدود المتاح من خلال سياسات المالية العامة، سيتعين على الحكومات إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لصالح المساعدات الإغاثية الموجهة للفئات السكانية الأكثر احتياجاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى