أحوال عربيةأخبار العالم

حول شخصنة الأزمة

عبدالحميد برتو
باحث

إنبرى محللون الأوضاع السياسية في العراق، الى طرح العديد من المصطلحات، لتوصيف حال البلاد. كانت نقاط إنطلاقهم من مواقع مختلفة. ينطبق ذات التقدير على الأهداف. كان بين أولئك الدارس المخلص الدقيق والمدفوع الثمن أيضاً، وهناك من هو بين هذا وذاك. الحياة غنية بكل الحالات.

كما تراوحت أساليب الكتابة بين الجد والهزل. هناك من أتبع مناهج علمية. تراوحت فيها المواقف بين الفهم التحليلي الممنهج وبين الوصفي بإتقان أو عدمه. قسم غاص في مجاهيل عالم السياسة المحلية والإقليمية والدولية بإخلاص وقسم بعدمه. تسلح البعض ببعض الفنون الأدبية، بما فيها الشعر. وعند الخيبة يلجؤون الى الهايكو الياباني، حيث معاييره أقلّ صرامة وجمالاً من ذائقة الشعر العربي.

يحاول بعض المحللين التحليق عالياً، تحت ذريعة؛ ليرى مساحة أوسع. وهو لا يعلم بأن إتساع الرؤية يضعف التبحر في التفاصيل. نعم الإرتفاع يوسع دائرة الرؤية، لكنه يشترط في الوقت ذاته وجود أدوات مساعدة على الوضوح. مَنْ لا يدرك هذه الحقيقية، ينطبق عليه وصف أو تعبير أو حكمة أجدادنا: “… كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاَحِ”.

تبدو الأزمة في بلادنا وكأنها صراع بين رجل الدين مقتدى الصدر، ورجل “الدين السياسي” نوري المالكي. في تعبير أوسع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي. نعم إن قوة الصراع البارزة في اللحظة الراهنة بين الإثنين. إن مشكلة التحليل السياسي في بلادنا تكمن في إختلاط التعميم بالتفصيل. مما يترك أثراً فعالاً على عدم إدراك اللحظة الفاصلة بين القانونيين الإثنين ـ التعميم والتفصيل.

في البدء ينبغي التأكيد أيضاً على أن الشخصنة غير منعزلة عن المنهج. كما ينطبق عليهما ما ينطبق التعميم والتفصيل. إن كل الكوارث حصلت بفعل الإختلاط بين فهم الحالتين وعدم أدراك لحظة الأسبقية لمن. ولكي تكتمل صورة التحليل العلمي، تقع علينا مسؤولية قراءة وتحليل سايكولوجية القيادة ودورها في التأثير على الأعضاء، وتأثير الأعضاء عليها، ومعرفة كيفية نشوء القيادة والعوامل المُرَكِبَة وتأثيرها عليها.

لنلاحظ المشتركات بين التيار الصدري والإطار التنسيقي. كما ينبغي أن ندرس مميزات الشخص الأول فيهما والممارسات الفعلية لكل منها. من المعايير الإجتماعية ـ الطبقية المعروفة للجميع. أن التيار الصدري معظم عناصره من الفئات الفقيرة والمسحوقة، بينما التنسيقي يضم الفئات المنتفعة بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003. هذا دون أن تغيب عنا الفوارق في درجات الإنتفاع، التي تتدرج من الإنتفاع بالحصول على وظيفة وترقيات وتقاعد وغيرها، الى درجة الغني المالي والمادي الإسطوري، بدون أدنى ضمير شخصي أو إنساني أو ديني.

وعلى الصعيد الشخصي نحاول إجراء مناظرة أولية أو مقارنة عادلة بين مقتدى والمالكي، من حيث: النزعة الدموية فإن سيرة المالكي تتفوق على الصدر بما لا يقاس. الصدر قاوم الإحتلال الأمريكي، المالكي كان أداة طيعة بأيديهم. الصدر رجل دين شخصياً وعائلياً، المالكي من أتباع “الدين السياسي” بكل وحشية هذا المنهج. ينبغي ألاّ يغيب عنا أن تاريخ الأمم عرّف رجال دين مصلحين، بينما الدين السياسي لم يقدم لنا شخصية دينية إيجابية واحدة، وفي العراق لا من الدعوة ولا من الحزب الإسلامي. مقتدى تصله الأموال عبر التبرعات الدينية (الخمس) والمالكي يسرقها من ملكية الشعب. مقتدى يعاقب إحياناً شخصيات مهمة في تياره على فسادهم، بينما المالكي يدفعهم الى الفساد من أجل إستغلال فسادهم ضدهم، ويمارس ذات السلوك مع الآخرين الذين قبلوا بدوره الإستحواذي.

وعلى الصعيد الوطني الصدر يفتح نافذة للفكر والسلوك الوطنيين العراقيين (درجة الصدق توضحها التجربة الملموسة لاحقاً). بينما يتعكز المالكي على تمزيق وحدة الشعب العراقي، لعله يكسب طائفيين من طائفته، يعزز بهم مكانة وقدراته السياسية. المالكي يخلص لسلطته وتسلطه، بينما يتعامل الصدر بحرص حقيقي على سمعة وحق مذهبه بالعدل على الأقل نظرياً، أذ ليس لدينا ما يدينه في هذا المجال. إن معرفة الآخر على صعيد العمل الوطني المشترك مع أي قوة سياسية واجب لا غنى عنه. كما لا يعني تحالفاً سياسياً، بما يحمل مسؤوليات طرف على الآخر.

ما كان يقع الكفاح الطبقي بهذه الدرجة من التراجع المؤقت وحتى التيه، لولا تأثير وحكم جملة عوامل، ينبغي أن تؤخذ الحسبان، عند رسم الخطط الوطنية للكفاح العادل. فعلى الصعيد العالمي كان لتفكك الإتحاد السوفياتي أثر مروع على كفاح الشعوب. كما نجح الغرب بحرمان الشعوب من ممارسة النضال الفعال، من خلال تعميم مفاهيم جميلة في الصورة، فارغة من حيث المضمون. إنطلت هذه الصور الخادعة حتى على أوساط من جبهة الشعوب.

حاولت الدول الرجعية في المحيط الإقليمي للعراق، دس إنوفها ونفوذها في قلب المجتمع العراق، الى درجة حطت في مراحلها الأولى، من الروح الوطنية والكرامة والمصالح العراقية. لكن هذا الخطر الدموي التدميري، بدأ يتراجع. ليس بفعل التوعية، التي تمارسها القوى السياسية، إنما بفعل نبض ووقع الحياة نفسها، عبر رحلة ألم وشقاء وفقر مميت.

إن المصادر والممهدات الإجتماعية لهذا الوضع الشائن، تكمن بالأساس في الواقع الإقتصادي للبلد. يقوم إقتصادنا الريعي بمجمله على عائدات النفط. تلتهم الطغم السلطوية معظم العائدات، وترك البلد بدون إستثمارات في الصناعة الزراعة والخدمات العامة. ومن جانب آخر مهدت اللصوصية لنشوء الميليشيات العسكرية كمصدر للرزق، حيث لا توجد فرص عمل كافية. كما تلبي النزعة الميليشياوية النوازع السادية عند المتلسلطين والمنتسبين إليهم.

حين تغيب أمام القوى الثورية فرصة أو إمكانية التغيير الجذري الثوري، عليها أن تتعامل بمشرط جراح ماهر، لإزالة بعض الأمراض الأشد خطورة والممكنة الإزالة حسب معطيات الظرف الملموس. ينبغي ألاّ تتحول مسألة “شخصنة الأزمة” الى فزاعة للتعمية المقصودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى