أخبارثقافة

حكاية مختلفة

وُلد آدم من بذرة حبٍّ محرّمة، لأم فارقت الحياة بعد ولادته، وأبٍّ متزوج لم يجرؤ على
الاعتراف بأبوته؛ لتتولى تربيته زوجة أبيه الكارهة لأمه على طريقتها المشبوهة؛ وما أن
اشتد عوده وبدأت ملامح الفتوة والجمال على مُحياه، حتى أقنعته أن المال هو الملاذ الآمن
من كل الشرور مهما اختلفت طرق كسبه.
ومشى آدم في طريق لا تشبه روحه ووجدانه، ولكن بعد وفاة زوجة أبيه بمرضٍ
عضال، قرر تغيير واقعه؛ فبدأ بنقل مكان سكنه رغبة منه ببدء حياة جديدة لا تشوبها شائبة،
وترك عابرات السرير، اللاتي كنَّ مصدر رزقه، وابتعد كلياً عن نمط حياته القديم، وانطلق
إلى الحياة فقيراً معدماً لا نصير له إلّا نفسه، فبدأ العمل في مكتبة، وانغمس في قراءة
الكتب، علّها تساعده بالعثور على إجابات عما يشعر به من أزمة وجودية مع نفسه، لكنه لم
يجد فيها مخرجاً من واقعه.
هذه الحياة التي لم يختارها آدم، ورفضها عقله الباطن، لم تفارق ذاكرته على الرغم من
مفارقته لها، ستجد متنفساً لها في الحلم، حلّم واحد احتوى حياته بأكملها، أحداثه أصبحت
عناصر استدعاءٍ لمواقف شعورية مؤلمة عاشها؛ تُظهر رفضه الواقع المظلم الذي عاشه،
وهنا تكمن براعة الكاتبة رشا عادل أبو سعدة في تأويل العناصر النصيّة للحلّم، لتستجيب
لبنية اللاوعي الذي يحكم المتتالية القصصية القائمة على تناظر الماضي والحاضر
والمستقبل في حياة بطل روايتها؛ وتأويلها عبر الوسائط اللغوية والأدبية؛ والأفكار اللاواعية
للحلم إضافة إلى التصورات والتداعيات المنطلقة بشكل توالدي؛ ابتداءً من مشهد سقوطه في
حفرة مظلمة عميقة، مروراً بمشهد الأشجار الناطقة والكائنات الصغيرة التي حاولت التهامه
وغيرها من أحداث مفاجئة، وصولاً إلى استيقاظه؛ مما يعني إننا إزاء متوالية سببية لحركة
الحدث الروائي المرتبط بحياة الشخصية وانتقالها من منطقة “الحلم” التي تحتل المساحة
الأكبر نصياً في الرواية إلى منطقة الوعي “الحقيقة” التي ظهرت في الخاتمة.
تشكل رواية “عناق الظل”، درساً مهماً في التحليل النفسي، تواكب تجربة مريرة؛
تكشف عن أعطاف مظلمة في عمق الكائن البشري، حالة يكون فيها المرء حبيس ذاته،
وغير قادر على الخروج منها، وفي هذه الحالة يصبح الحلم واقعاً، والواقع حلم، وما على
الإنسان سوى الاختيار بينهما؛ إمّا أن يعانق الظل، وإمّا أن يواجه الواقع.
من أجواء الرواية نقرأ:
“أدركتُ ومن دون أسباب، أنَّ الإنسان يقتل البشر والبشر يقتلون الإنسان. وعلمتُ أنني
لا أختلف عن طبع الذئب الموجود في كل النفوس البشرية، وأنَّ حقدي يقتلني وهو كذلك
يقتل غيري، لذلك فعلتُ ما فعلته. ولأنَّ الليل هو مصباح التائهين ولأنَّ القبور هي أماكن
الولادة المنتظرة، ولأنّ كلَّ ما لا يمكن أصبح ممكناً في هذا الزمن، حملتُ بداخلي كلَّ
الأوزار، وساقتني غرائزي وعوالم الخزعبلات نحو الانهيار والانحدار. شعرتُ لحظتها
أنني لم أعد أنا، وأدركتُ حقيقتي المشوّهة وحقيقة البذرة المحرَّمة والخيانة الدائمة وأصبحتُ
أعيش بروحين وبنصفين، فأنا نصف إنسان ونصف شيطان”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى