إقتصادفي الواجهة

حرب الغاز في أوروبا .. إلى أين ؟

 
زاهر بولس
الحرب الرّوسيّة – الأوكراينيّة ترتقي إلى مراحل جديدة لم يتوقعها الغرب من ناحيّة التوقيت بداية، وطول الأمد، والشكل. ويبدو من قراراتهم أنهم بعد التفاجؤ باندلاعها أنهم اعتقدوها تقليديّة، بمعنى أن دولة نووية عظمى مثل روسيا عليها أن تجتاح اوكرايينا خلال أسابيع، ومن ثم يرهقونها بحرب عصابات، بالمفهوم العسكري لكلمة عصابات، غاريلّا، كما حصل للولايات المتحدة الأمريكيّة في فييتنام، أو لروسيا وفيما بعد للولايات المتحدة في أفغانستان، أو للكيان الصهيوني في جنوب لبنان، وفي عدة مواقع أخرى من العالم.
لقد وضعت روسيا مخطّطها التدريجي لحرب طويلة الأمد وبطيئة، لتتجاوز الأهداف التكتيكيّة المعلنة، لنيل مكاسب استراتيجيّة عالميّة غير معلنة، بالتنسيق مع الحوت المتظاهر بالنوم، المراقب لكل صغيرة وكبيرة، والشريك في السرّ في التخطيط المسبق للحرب ولامكانات تداعياتها العسكريّة والاقتصاديّة، بما فيها المنظومة المصرفيّة.
لقد أعلنت روسيا عن قطع امدادات الغاز الطبيعي والنفط عن بولونيا وبلغاريا، ومن المعلوم أن روسيا تزوّد بولونيا بما مجمله %46 من احتياجاتها للغاز الطبيعي، لسببين، الأوّل لتمريرها سلاحًا من دول الناتو من أراضيها للأوكرانيين، وثانيّا لرفضها دفع المقابل بالعملة الرّوسيّة، الرّوبل، بدل الدولار، ضمن قرار جاهز مسبقًا متّفق عليه بين روسيا والصين، من أجل ضرب منظومة البترودولار المصرفيّة، لإرهاق الدولار الأمريكي مقابل الروبل الرّوسي واليوهان الصّيني من جهة، وتقوية عملتهما كتحصيل حاصل من جهة أخرى.
الغرب يتخبّط في تداعيات قراراته التي عاد أذاها عليه مثل البوميرنغ، ولا يزالون، وضمن تحليلاتهم المتقوقعة في قوالب فهمهم لهذه الحرب بأن روسيا أخطأت في قرارها، وتأخرت به، لأن قطع الغاز عن بولونيا وبلغاريا في فصل الربيع المتدافئ يومًا بعد يوم يخسر من مفعوله الضّاغط وضرره، لأن معظم الغاز الرّوسي المستخدم في بولونيا مثلًا يذهب إلى استخدامات المنازل كالتدفئة والطهو، والصيف على الأبواب! وقد يكفيها احتياط الغاز لمدّة شهر إضافي، تريد أن تسارع الزمن به لتأمين مصادر طاقة بديلة.
لكن الحسابات الرّوسيّة تختلف عن حسابات بولونيا المذدنبة للولايات المتّحدة والمتعلّقة بها، وهذا بالضبط ما تبتغيه روسيا بقرارها هذا ثلاثي الأبعاد:
1- تشكّل إدراكًا متزايدًا لدى متّخذي القرارات في الغرب أن لدى الرّوس القدرة على تنفيذ التهديدات، مما يشكّل انعكاسّا ضاغطًا من شعوب الدول الغربيّة على حكوماتهم عندما تطال هذه القرارات الإرتداديّة مستوى معيشتهم.
2- عندما أوقفت روسيا تزويد الطاقة عن بولونيا وبلغاريا، يصبح لزامًا على دول النّاتو، وعلى رأسهم الولايات المتّحدة الأمريكيّة تأمين البديل بالسعر المحتمل شعبيًا، وهو مستحيل، وبالسرعة القصوى، وهذا معناه على حساب تزويد دول اوروبيّة صناعيّة، كألمانيا وأيطاليا وفرنسا، مما سيعيق نموّها الاقتصادي، ولن تسمح به هذه الدّول، فيزداد الشّرخ بينها وبين الولايات المتّحدة.
3- والأهم، فإن ايقاف تزويد بولونيا وبلغاريا بالغاز فيه إشارات إلى عدم الاستعجال في حصد النتائج، وأن الحرب قد تطول حتّى الشتاء القادم، عندها تنقلب المعادلات في وجه تخطيطات الولايات المتحدة وذيليها البولوني والبلغاري، وكل هذه الإطالة هي ربح صافٍ للمشروع النووي الإيراني، وهو موضوع آخر سنطاله في مقالة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى