ثقافة

جاذبية السلطة عند العرب بين التكليف والتشريف

عزالدين معزة
كاتب

وصف المؤرخ هينري أدامز السلطة على أنها “نوع من الأورام، ينتهي به الحال إلى القضاء على تعاطف الضحايا مع بعضهم بعضًا” وصفا مجازيا، لا طبيا. لكنه لا يختلف كثيرا عما انتهى إليه داكر كلتنر، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بركلي، بعد سنوات من التجارب المخبرية والميدانية. اكتشف كلتنر، بعد عقدين من الدراسات، أن سلوك الشخص المتبؤ لمنصب سلطوي، يشبه سلوك إنسان يشكو إصابة دماغ رضية، وهو ما يجعله أكثر اندفاعا، وأقل إدراكا للمخاطر، وأقل قدرة على رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين، بدرجة كارثية.
زُيِّن للناس حب المال والسلطة وجُبِل الإنسانُ على حب الشهوات والسعي إليها على مر العصور، غير أنَّ ذلك لا يعني بالضرورة عدم وجود من زهدوا ومن يزهدون في الشهوات وبالأخص منهم أولئك الذين يستنكفون عن السلطة مهما غَزُر عِلمُهم أو عَلا شأنُهم، ويكتفون بدور استشاري يتّخذون من الجوانب الأخلاقية والقيمية منطلقا له. إلى أمثال هؤلاء تحتاج الشعوب والقوميات ليرشدوا أنظمتها وحكامها إلى سبل السلم والتقدم والنماء وبعيدا عن التبعية أو التوسع أو الاعتداء. لكن العكس هو الذي يحصل في الغالب، فلا يكاد يخلو تاريخ أمّةٍ من فصول دموية من الصراع حول السلطة سواء على المستوى القبلي أو القومي، فما الذي يفسر استمرار الجاذبية القوية للسلطة مهما تطوّرت البشرية وتنوّرت وسعت إلى تغيير أساليب القيادة وأنماط الحكم؟ أعتقد أن هناك عوامل ذاتية وأخرى موضوعية يمكن أن تفسر نوعا ما الجاذبية الكبيرة التي تمارسها ‘السلطة’ على الإنسان، منها العامل الذاتي المتمثل في طموح الإنسان اللامتناهي، هو الذي لم يكفّ أبدا عن رفع سقف التحدي وتخطي عتبات الإنجاز المتميّز، وكذلك العامل الموضوعي ذو الصلة بالارتباط الوثيق بين السلطة من جهة والدوائر المالية ومنابع الثروة ومصادر الإنتاج من جهة أخرى، ولا شك أن هناك عوامل كثيرة تحفظ للسلطة جاذبيتها وإغراءها الذي لا يقاوم إلا ّ في النادر، لكن أهمها على الإطلاق وأكثرها قدرة على تفسير انجذاب الإنسان للسلطة هو اعتباره إياها تشريفا لا تكليفا. وللعرب كما لغيرهم من القوميات حكاياتهم الطريفة مع السلطة والساعين إليها، حكايات ما زال مَعِينُها لم ينضب وما زال ذوو السلطة والمسؤولون العرب ينسجون على منوالها، فانجذابهم إلى السلطة ربما يفوق انجذاب غيرهم إليها وإلاّ فكيف نفسر أن أغلب المتمسكين بالسلطة في العالم بل والمتمسكين حتى بالمناصب القيادية الجمعوية والنقابية هم من العرب؟ ولماذا نجد العرب في ‘عزّ’ تخلُّفِهم سبّاقين إلى ‘ابتكار’ تحويل الجمهوريات إلى ‘جملوكيات’ وراثية؟ بل وكيف نفسر فضائح هتك أعراض المستضعفات من لدن بعض المنتسبين إلى ‘أصغر سلطة في العالم وأغرَبِها’ كونها تحت الاحتلال؟ كيف نفسر هذا وذاك سوى بالانجذاب إلى السلطة أكثر من الغير بكثير؟ إن مسؤولي وشعوب العرب، يعتبرون أكثر من غيرهم السلطةَ تشريفا يُطلق اليد في خيرات البلاد وأعراض العِباد، لا تكليفا تصحبُه مراقبة وتتلوه محاسبة، إذ تنهال على كل من بلغ منصبا، رسائلُ التبريك ووفود المهنِّئين، في حين أنَّ ما يجب أن ينهال على من يتقلد سلطة أو مسؤولية هي رسائلُ المؤازرة والتعزية في راحة باله وساعات نومه التي يُفترَض أنْ يفقدها من فرط ما سيبذله من مجهودات ليكون أهلا للمسؤولية ويؤدّي الأمانة، وحتى نتجاوز شيئا ما مرحلة تشخيص الظواهر التي ابتُلينا بها عوامَّ ونُخباً، يمكن اقتراح بعض الحلول منها على الخصوص: الشروع في التطبيق الصارم لمبدأ المحاسبة والحد من ظاهرة الإفلات من العقاب التي تكاد تنفرد بها الأنظمة العربية. اعتماد آليات تطبيق ديمقراطية تناسبية من شأنها الرفع من مستوى الهيئات التشريعية لتصير في مستوى فرض الرقابة اللازمة على مختلف السلطات التنفيذية والقضائية وحتى
الرئاسية، حثّ النخب والمؤسسات على اعتماد مبدأ ‘نحن لا نولّي السّلطة مَنْ يطلُبُها’، فعلى النخب ألاّ تسعى في طلب السّلطة بكل ما أوتيت من علم ونفوذ وأن تترك أمرَ ترشيحِها واختيارِها لغيرها من أشخاص ومؤسسات، وتترفّع عن اللهاث خلف التشريف، مع البقاء على استعداد للتكليف.
من يحاسب الحاكم العربي إذا أخطأ؟
من المعروف أنه انبثقت عن الاستعمار الأوروبي الغربي للدول العربية، في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، أنظمة سياسية ملكية متوارثة وجمهورية خضعت لحكم العسكر.
اتخذت هذه الدول أنماط حكم، وإن اختلفت في تسميتها إلا أنها اتفقت حول أسلوب ممارستها للسلطة. ففي الكثير من الدول العربية كان الملك أو الأمير أو الرئيس الحاكم المطلق الذي لا يرد له أمر ولا صوت يعلو فوق صوته.
وترسخت ثقافة في أوساط العامة من الشعوب العربية، بعد الاستقلال، فكرة طاعة ولي الأمر باعتباره الزعيم الذي قاد الكفاح من أجل الاستقلال والساهر على مصلحة الأمة وراحة مواطنيها.
ويعود السبب في ذلك الولاء الأعمى للحاكم العربي انتشار فكرة طاعة الحاكم وعدم مساءلته لعوامل ثقافية وتاريخية دينية واجتماعية كثيرة. ففي القرن العشرين كانت نسبة الأمية عالية بين أفراد جل الشعوب العربية. واقتصرت الثقافة السياسية الديمقراطية على نخبة محدودة، منها من أصبح خادما للحاكم واستفاد من الانحياز لنظامه، ومنها من اختار معارضته والتمرد عليه بأفكار سياسية مخالفة والمطالبة بالمشاركة في الحكم. فكان مصيرها حظر نشاطها والتضييق عليها وسجن أفرادها أو الدفع بهم الى المنافي أحيانا وتصفية بعضهم في أحيان أخرى.ولا تستثنى أية دولة عربية من ذلك.
وسجل التاريخ تنكر العديد من الحكام العرب لرغبات الشعوب في حرية الرأي والتعبير واختيار ممثليها. وطوروا مع مرور السنوات، تجارب سياسية كان الهدف منها إضفاء صفة شبه ديمقراطية على أنظمة لم تكن تقبل بالرأي الآخر ولا بالاحترام الفعلي لحقوق الانسان السياسية والاقتصادية.
وظل القائد والزعيم في دول عربية يحكم دون حسيب أو رقيب، فوق كل مساءلة وخارج كل مراقبة شعبية في ظل برلمانات طيعة شكلية. فمنع مواطنيه من الحق في إبداء رأي مخالف لقراراته وإجراءات حكومته، وفرض عليهم انتخابات بمرشحين وأحزابا من اختياره أفرزت له حكومات صورية على مقاسه، ينصب فيها من يشاء ويقيل منها من يشاء، ليظل رأيه هو السائد. ” مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أرى” غافر ، 29
أما في العالم الغربي فيخضع الحاكم أيا كانت مرتبته لمحاسبة الشعب من خلال البرلمان. ولطالما سجل تاريخ دول غربية عديدة سقوطا مدويا لمسؤولين كبار من سدة الحكم لأنهم أخطأوا التقدير وفقدوا ثقة الشعب.
هل بالإمكان تغيير ذهنية هذا الحاكم حتى يقبل بالمحاسبة والمراقبة؟
وبينما نجحت الدول الأوروبية وبعض الدول الأخرى في العالم، في الحد من قوة الحاكم وتجبره عن طريق القوانين والدساتير وفصل السلطات، مما أفضى إلى ميلاد ما أطلق عليه “الدولة الليبرالية الدستورية البرلمانية” ، فإن دولا عديدة أخرى ومنها الدول العربية كلها لم تنجح في الوصول لهذه النتيجة لتظل حتى الآن في طور “الدولة التسلطية”.الاستبدادية ، حيث يعرفه عبد الرحمن الكواكبي في “طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد”، وذلك باعتبار “الاستبداد هو الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون ناقد الحكم. ولا عبرة فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوى أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة”
في تصدى البعض لإشكالية الحكم الاستبدادي والسياسة وقضية الحرية وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات والديمقراطية في واقعنا العربي، جاء التناول من خلال منهجية تكرس العودة للوراء بدلا من السير إلى الأمام أو حتى النظر بإمعان للواقع المباشر.
إن قضية الحرية والديمقراطية في بلادنا ليست مجرد أن الدول العربية تقع تحت نظم ملكية أو عسكرية مما يجعل الحكم وراثة أو شوكة، وليست مجرد أن هناك قوانين طوارئ وقوانين استثنائية تكبل الحريات -وهي أيضاً في نظر أصحاب هذا التوجه- ليست وجود أحكام عرفية وأجهزة أمن وبوليس وجيش ومخابرات واعتقالات وسجون وتزييف لإرادة الشعوب عبر انتخابات مزورة، وتأليه للحكام، واستلاب الوعي لدرجة إسباغ القدسية الإلهية أو شبه الإلهية على الحاكم السياسي، والتعددية الشكلية لحساب قوة واحدة مسيطرة كانت فردا أو نخبة أو حزبا، وحتى ليست القضية في انعدام فرصة تداول السلطة كل هذا، من وجهة نظر هذا التوجه، ليس هو سبب الإشكالية السياسية وتعثر الحرية والديمقراطية في واقعنا العربي، وإنما الإشكالية تعود إلى “عمق الموروث الثقافي بعد أن ترسخ في الثقافة الشعبية وأصبح جزءا من الوعي القومي”

هناك شيئا في الثقافة العربية الإسلامية موروثة منذ قرون إما أنها تعادي الديمقراطية صراحة أو لا تعطيها أهمية مركزية في منظومة القيم والمعايير السائدة في مجتمعاتنا.
فالاستبداد لا يعود فقط إلى “أنظمة حكمنا الاستبدادية” ولكن أيضا يعود إلى “ينابيع ثقافتنا الموروثة، التي تجعل جماهيرنا نفسها مهيأة لقبول هذا الاستبداد، أو متواطئة في التعايش معه والرضا به وكأنه قدر محتوم.
للمقال مراجع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى