أمن وإستراتيجيةفي الواجهة

تغيير البنية الأمنية للاتحاد الأوروبي وشمال أوروبا

انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو سيغير البنية الأمنية لشمال أوروبا

 
 
ترجمة : محمد ناجي
تنويه من المترجم :
(( في هذه الأيام تتزايد وتيرة النقاش في السويد ، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ ، حول الموقف من قضية العلاقة بين السويد وحلف الناتو . وبالرغم من الارتفاع الملحوظ في نسبة التأييد للانضمام للناتو 54% مقابل 24% معارض ، وهو آخر ما نشر يوم 30 نيسان-أبريل ، إلا أن الموقف لم يحسم بعد ، فالانقسام والاختلاف في الرأي ملحوظ في الشارع ولدى أصحاب الاختصاص وصنّاع الرأي والقرار .
بدأت بعرض ترجمة لرأي منظمة السلام السويدية المعارض ، وهذا رأي أخر مؤيد للانضمام للناتو )) .
****************************************
قبل أن يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوه لأوكرانيا ، كانت مسألة عضوية الناتو بالكاد جزءاً من النقاش السياسي في فنلندا والسويد . كلا البلدين يتمتع بتاريخ طويل من عدم الانحياز العسكري ، وعلى الرغم من أنهما سعيا بشكل تدريجي إلى تعاون وثيق مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي – وكان السياسيون في كلا البلدين قد دافعوا منذ فترة طويلة عن العضوية – لكن لم يُنظر إلى الانضمام إلى الناتو على أنه قضية ملحة .
غير غزو بوتين لأوكرانيا كل ذلك . ورداً على العدوان الروسي ، يعيد كلا البلدين تقييم سياساتهما الأمنية ، ويظهر السعي للحصول على عضوية الناتو سريعاً باعتباره الخيار الأكثر واقعية . استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر أن الغالبية الواضحة والمتزايدة في كلا البلدين تدعم الانضمام إلى التحالف . بالإضافة إلى ذلك ، قام كلا البلدين بتسليم كميات كبيرة من الأسلحة إلى أوكرانيا ، بما في ذلك 10000 قطعة من الأسلحة المحمولة المضادة للدروع من السويد .
من خلال غزو أوكرانيا ، سعى بوتين ليس فقط لإعادة وضع تلك الدولة تحت نفوذه ، لكن أيضاً لتغيير النظام الأمني ​​في أوروبا ، وقد نجح فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة ، لكن ليس بالطريقة التي أرادها على الأرجح . لقد وحد الهجوم الروسي الناتو وجعل توسعه أكثر احتمالا . إذا انضمت فنلندا والسويد إلى التحالف ، كما يبدو أنهما على استعداد للقيام بذلك ، وسوف تجلبان قدرات عسكرية جديدة كبيرة ، بما في ذلك القدرات الجوية والغواصات المتقدمة ، والتي ستغير البنية الأمنية لشمال أوروبا وتساعد في ردع المزيد من العدوان الروسي .
الحياد المسلح
تتشابه دول الشمال مع بعضها البعض في كثير من النواحي ، لكنها اتبعت سياسات أمنية مختلفة تماماً منذ الحرب العالمية الثانية . تعكس هذه الاختلافات إلى حد كبير تجارب الجيران المختلفة أثناء الحرب ، حيث سعت الدنمارك والنرويج إلى الحياد ، ولكن احتلتهما ألمانيا النازية في عام 1940 . بينما واجهت فنلندا في البداية الغزو السوفيتي في حرب الشتاء 1939-1940 ، وفي وقت لاحق ، وجدت نفسها تقاتل إلى جانب هتلر حتى تتمكن من إخراج نفسها من الحرب . السويد وحدها من بين بلدان الشمال الأوروبي نجت من ويلات الحرب والاحتلال بسياسة الحياد المصممة لضمان بقائها . يعود نجاح هذه السياسة إلى حد كبير إلى أن حسابات هتلر العسكرية لم تتطلب الاستيلاء على الأراضي السويدية ؛ ويمكنه تحقيق أهدافه في المنطقة بوسائل أخرى .
بعد الحرب ، فكرت السويد في تشكيل اتحاد دفاع لدول الشمال مع الدنمارك والنرويج . لكن المفاوضات انهارت ، ويرجع ذلك أساساً إلى أن النرويج كانت تعتقد أن التحالف مع القوى البحرية الأنجلو-سكسونية هو الوحيد الذي يمكن أن يضمن أمنها . لم تكن السويد مستعدة لمثل هذا التحالف ، ويرجع ذلك جزئياً إلى الوضع في فنلندا . بعد خروجها من الحرب ، كانت فنلندا – التي كانت دولة واحدة مع السويد لمدة ستة قرون حتى عام 1809 – في وضع غير مستقر ، فقد فقدت ثاني أكبر مدنها ، فيبورغ ، واضطرت لقبول معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي ، وكانت لديها قيود على قواتها المسلحة وقاعدة عسكرية سوفيتية تقع مباشرة إلى الغرب من العاصمة هلسنكي ، كما سيطر السوفييت أيضاً على لجنة مراقبة الحلفاء المكلفة بالإشراف على البلاد في سنوات ما بعد الحرب مباشرة .
بالنسبة للسويد ، كان ضمان عدم وقوع فنلندا تحت نير السوفييت مصلحة حيوية . اعتقد القادة السويديون أن أي تحرك نحو تحالف غربي أوسع سيجعل موقف فنلندا أكثر خطورة . وعلى الرغم من أنهم تجنبوا قول ذلك علناً ، إلا أن هذا الاعتبار كان السبب الرئيسي لسياسة الحياد المسلح التي انتهجتها السويد خلال الحرب الباردة .
لكن الحياد لا يعني إهمال القوات المسلحة . خلال الحرب الباردة ، حافظت السويد على قوات عسكرية قوية ، بما في ذلك القوة الجوية التي كانت تعتبر لبعض الوقت على أنها رابع أقوى قوة في العالم . كانت سياستها الرسمية سياسة عدم الانحياز العسكري الصارم ، لكنها قامت أيضاً باستعدادات خفية للتعاون مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في حالة الحرب ، وكان يُنظر إلى موقفها عموماً على أنه يتماشى والمصالح الأمنية الغربية في المنطقة .
زلزال سياسي
مع سقوط الاتحاد السوفياتي ، تغير الوضع الأمني ​​في شمال أوروبا بشكل دراماتيكي . فتمكنت فنلندا ، التي عززت تدريجياً موقعها كدولة ديمقراطية مستقلة في الشمال ، أن تتخلص الآن من القيود الأخيرة في فترة ما بعد الحرب . كانت دول البلطيق الثلاث – إستونيا ولاتفيا وليتوانيا – قد انفصلت عن الاتحاد السوفيتي حتى قبل زواله الرسمي . وفي عام 1995 ، انضمت فنلندا والسويد إلى الاتحاد الأوروبي ، وهي خطوة اعتبرها كلا البلدين في السابق مستحيلة بسبب سياساتهما الحيادية .
بالنسبة لهاتين الدولتين ، كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعني التخلي عن مفهوم الحياد . لكن القيام بذلك لم يؤد على الفور إلى إثارة مناقشات حول الانضمام إلى الناتو . وقبلها في سنوات ميثاق باريس لعام 1989 ، الذي سعى إلى بناء نظام أمني أوروبي شمل روسيا ، والمؤتمرات التي أدت إلى إنشاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا . أعربت كل من فنلندا والسويد عن أملهما في أن تكونا قادرتين على تطوير علاقة أمنية بناءة مع روسيا ديمقراطية واصلاحية . وحتى بعد أن حصلت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا على عضوية في الناتو والاتحاد الأوروبي بعد أكثر من عقد من الزمان ، كان هناك القليل من الجدل في السويد او فنلندا حول إعادة النظر في الوضع العسكري غير المنظم للأحلاف .
لكن ابتداءً من عام 2008 ، بدأت الأمور في موسكو تتغير بشكل ملحوظ . كشف الغزو الروسي لجورجيا في ذلك العام أن حد استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها السياسية كانت أقل بكثير مما كان يعتقد الكثيرون ، وبدأت نغمة تغييرات واضحة تتسلل إلى تصريحات سياسة موسكو . تسارعت هذه الاتجاهات بشكل كبير في عام 2014 ، عندما سعت روسيا إلى منع أوكرانيا من متابعة اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي وتفكيك البلاد من خلال العدوان العسكري .
أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا هذا العام إلى تغيير جذري في المشهد الجيوسياسي مرة أخرى . ومع أن هدف بوتين الفوري هو إخضاع أوكرانيا ، لكنه يشن أيضاً حرباً ضد الغرب . لقد أوضح الرئيس الروسي ومعاونيه أنهم يرغبون في استبدال النظام الأمني ​​بعد عام 1989 في أوروبا بترتيبات تمس سيادة الدول الأخرى . ومثلما دفع انهيار الاتحاد السوفيتي السويد وفنلندا إلى إعادة النظر في علاقتهما بأوروبا ، دفعهما الزلزال السياسي الحالي إلى إعادة النظر في العناصر الأساسية لسياساتهما الأمنية ، بما في ذلك علاقاتهما بحلف الناتو .
لا تزال نتيجة الحرب في أوكرانيا غير معروفة . من المستحيل التنبؤ بنوع الدولة التي ستكون روسيا في العقود المقبلة ، لكن ما يرجح أن يظهر هو بلد أضعف من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية وأكثر يأساً وخطورة من الناحية السياسية . ومن غير المرجح أن يتخلى نظام بوتين – سواء كان هو أو أحد شركائه في القيادة – عن طموحاته الإمبريالية طالما بقي في السلطة .
هذا الواقع يغير بشكل جذري الاعتبارات الأمنية لكل من هلسنكي وستوكهولم . من الواضح أن زيادة الإنفاق الدفاعي جزء من الرد على الوضع الأمني ​​الجديد . أعلنت كل من السويد والدنمارك أنهما ستزيدان إنفاقهما الدفاعي إلى 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي ، والسويد بحلول عام 2028 . النرويج وفنلندا ودول البلطيق الثلاث هناك بالفعل إلى حد ما . منذ عام 2014 ، وسعت فنلندا والسويد أيضاً تعاونهما العسكري بشكل كبير مع الناتو والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ، مما أوجد أساساً لمزيد من الخطوات التعاونية . لأكثر من عقد من الزمان حتى الآن ، كانت القوات الجوية السويدية والفنلندية والنرويجية تتدرب معاً على أساس أسبوعي تقريباً .
لكن مجرد تعزيز القدرات الدفاعية لم يعد يُنظر إليه على أنه كافٍ ، ولهذا السبب أصبح الانضمام إلى الناتو حقيقة واقعة بسرعة . بحثت كل من فنلندا والسويد البدائل . بعثت الحكومتان برسالة إلى جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين تذكرهم ببنود التضامن الواردة في الفقرة 42.7 من معاهدات الاتحاد الأوروبي ، والتي تشبه بند الدفاع الجماعي في المادة 5 من ميثاق الناتو . هناك مبادرات مهمة لتعزيز تكامل السياسة الدفاعية والأمنية في الاتحاد الأوروبي ، ولكن فيما يتعلق بالدفاع الإقليمي ، فإن تكرار المؤسسات والهياكل القيادية لحلف الناتو لن يكون له معنى ولن يحدث . وبالطبع ، لا يضم الاتحاد الأوروبي الدولتين الأكثر أهمية عسكرياً في شمال أوروبا – الولايات المتحدة ليست عضواً لأسباب واضحة ، والمملكة المتحدة ليست عضواً لأسباب مؤسفة .
من المرجح أن تستمر كل من السويد وفنلندا في متابعة الإجراءات التي من شأنها أن تجعل الاتحاد الأوروبي تحالفاً أمنياً أقوى ، ولكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الأراضي ، لا يوجد بديل لحلف الناتو . كان هذا هو الاستنتاج الواضح للعمليات المستقلة التي اضطلعت بها هلسنكي وستوكهولم لتقييم البدائل .
كل من فنلندا والسويد يشيران إلى اهتمامهما بالانضمام إلى الحلف قبل وقت طويل من قمة الناتو في أواخر يونيو في مدريد . قال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ إنه يتوقع عملية انضمام سريعة إلى حد ما في ضوء درجة التكامل العسكري العالية التي حققتها فنلندا والسويد بالفعل ، لكن التصديق من قبل جميع الدول الأعضاء الثلاثين سيستغرق وقتاً . يأمل كلا البلدين في أن يكون التصديق ، لا سيما في مجلس الشيوخ الأمريكي ، سريعاً إلى حد ما وأن أعضاء الناتو الحاليين سيكونون مستعدين بشكل مشترك لردع أي استفزازات روسية محتملة بين بدء عملية الانضمام والانتهاء المحتمل في عام 2023 .
مشهد متغير
عندما تنضم فنلندا والسويد إلى الناتو ، ستتغير البنية الأمنية لشمال أوروبا . تجلب كل دولة قدرات عسكرية كبيرة إلى التحالف : تحتفظ فنلندا بجيش به احتياطيات كبيرة للغاية ، والسويد لديها قوات جوية وبحرية قوية ، وخاصة قوات الغواصات . مع إضافة مقاتلات گريپن السويدية المتقدمة إلى طائرات F35 التي يتم طلبها الآن أو قيد التسليم إلى النرويج والدنمارك وفنلندا ، سيتوفر أكثر من 250 مقاتلة حديثة للغاية في المنطقة ككل . إذا عملوا معاً ، سيكونون قوة كبيرة .
إن السيطرة المتكاملة على المنطقة بأكملها ستجعل الدفاع عن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا أسهل ، لأن الأراضي والمجال الجوي السويديين على وجه الخصوص مهمان لمثل هذه الجهود . سيؤدي ذلك إلى تعزيز الردع وتقليل احتمالية نشوب صراع هناك ، وفقاً للدراسات التي نشرتها كل من السويد وفنلندا . ولكن ربما تكون أهم نتيجة لانضمام فنلندا والسويد إلى الناتو هي زيادة القوة السياسية للحلف باعتباره ركيزة الدفاع عن أوروبا ومنطقة عبر الأطلسي . سيساعد كلا البلدين في تسهيل التنسيق الأعمق بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ، وبالتالي المساهمة في تحسين تقاسم الأعباء عبر المحيط الأطلسي – وهو هدف ذو أهمية متزايدة في ضوء المطالب الأكبر التي تفرض على الولايات المتحدة بسبب الوضع الأمني ​​في شرق آسيا .
حتى مع انضمامهما إلى حلف الناتو ، فمن المرجح أن تحرص فنلندا والسويد على عدم استفزاز روسيا بشكل غير ملائم من خلال تهديد مخاوفها الأمنية طويلة المدى . يمكن للنرويج ، التي نجحت في الجمع بين التكامل العسكري القوي في الناتو وسياسة الطمأنينة تجاه روسيا ، أن تكون بمثابة نموذج . تعتبر القوات والمنشآت الروسية في شبه جزيرة كولا – في المنطقة المجاورة مباشرة لكل من الأراضي النرويجية والفنلندية – ذات أهمية أساسية للقدرات الروسية النووية الاستراتيجية للضربة الثانية ، وفنلندا ، بالطبع ، قريبة من المركز السكاني الرئيسي والمركز الصناعي سانت بطرسبرغ . لهذه الأسباب جزئياً ، من غير المرجح أن تسعى فنلندا ولا السويد إلى أي قاعدة دائمة لوحدات الناتو الرئيسية في أراضيها ، ومن المرجح أن يكون لكلاهما نفس التحفظات بشأن امتلاك أسلحة نووية كما أعربت الدنمارك والنرويج عندما انضمتا إلى الحلف .
مع اقتراب قمة الناتو في مدريد ، سيتعين على الحلف النظر في طلبات فنلندا والسويد للانضمام السريع . يجب أن يُنظر إلى هذا ليس فقط على أنه وسيلة لتعزيز الاستقرار في مناطق الشمال ودول البلطيق ولكن أيضاً كفرصة لتقوية الحلف ككل ، في وقت جعل العدوان العسكري الروسي ذلك أمراً ضرورياً .
كارل بيلدت – الرئيس المشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ورئيس وزراء السويد والخارجية الأسبق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى