في الواجهة

تغيير استراتيجي للسياسة الأوروبية

حازم كويي

هذا هو عنوان الكتاب الصادر حديثاً “لماذا تحتاج أوروبا إلى سياسة انفراج جديدة” من تأليف ساندرا كوستنر،الخبيرة في مجال التعليم،وستيفان لوفت،الخبير في قضايا التحليل السياسي.
كيف يجب أن تسير الأمور في أوروبا حتى تصمت البنادق في شرق القارة ولا ينتشر الصراع الدموي في أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي،رغم القتلى والجرحى وزرع الكراهية من جميع الجهات،كيف يتوقف هذا الصراع الدامي؟
الكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام.
يتناول الجزء الأول خلفية الحرب. حيث تكتب ساندرا كوستنر عن الفرص التاريخية الضائعة. التي حدثت على وجه التحديد في فترة الاضطرابات السلمية في نصف الكرة من الأتحاد السوفيتي وفي شرق وجنوب شرق أوروبا الوسطى في الثمانينيات من القرن الماضي.
في بداية التسعينيات، كانت هناك نافذة زمنية سياسية حقيقية لتنفيذ مقترحات السوفيات وكذلك(أمل الملايين من الألمان في الشرق والغرب) من أجل بيت مشترك في أوروبا. وفقاً لذلك، كانت روسيا ستصبح جزءاً لا يتجزأ من عائلة الدول الأوروبية من لشبونة إلى فلاديفوستوك. يوضح كوستنر أنه بعد فترة وجيزة من إعادة التوحيد السلمي، لم تكن مصالح الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال متوافقة دائماً مع مصالح أوروبا. كما هو معروف، تحقق حلم بيت أوروبي مشترك. بالإضافة إلى المقالات الأخرى التي كتبت من كتاب آخرين التي تستحق القراءة، فالسياسي في الاتحاد الديمقراطي المسيحي والنائب السابق ووزير الدولة البرلماني السابق في وزارة الدفاع الفيدرالية فيلي فيمر،يحذر من أن السياسة الألمانية محصورة أعقاب المصالح الأمريكية . يتذكر فيمر أن أول وزير خارجية فيدرالي،والذي كان يحظى باحترام كبير في ألمانيا والعالم، هانز ديتريش غينشر (من الحزب الديمقراطي الليبرالي) قد أستقال لأنه لم يرغب في دعم سياسة خارجية ألمانية كانت موجهة فقط لمصالح الولايات المتحدة. كان وزير دفاع الاتحاد الديمقراطي المسيحي، جيرهارد ستولتنبرغ، أول وزير دفاع في ألمانيا، الذي تصرف وفقاً لما يمليه عليه ضميره. نتيجة لذلك، كانت هناك سياسة خارجية ألمانية بالكامل ألغت المصالح الأمنية الحيوية لروسيا. لكن حتى المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول لم يرغب في ذلك. بعد زياراته لواشنطن، أشتكى في كثير من الأحيان في المجموعة البرلمانية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي من هذه السياسة الخاصة بالولايات المتحدة. حيث أعرب المستشار كول مرات عديدة عن عدم فهمه، أن واشنطن ليس لديها مخاوف بشأن الاستفادة من حقيقة أن الولايات المتحدة قد أنتصرت في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي. كان كول يرى أنه لا ينبغي لأحد أن يتعامل مع شعب كبير – الروس – لأنه بخلاف ذلك يخاطر المرء بالدخول في الموقف العدائي التالي. وهو مُحق في ذلك. وحقيقة أنه مع ذلك تتماشى السياسة الألمانية مع المصالح الأمريكية هي تعبيرعن العجز السياسي فيما يتعلق بواشنطن. “ويحذر السياسي فيمر أيضاً من استمرار أحتراق برميل البارود في البلقان، حيث تلتقي المصالح الجيوسياسية للغرب وروسيا. كان “استبعاد صربيا من التنمية الأوروبية” في ذلك الوقت أحد أسباب هذا الخطر الشديد.
الجزء الثاني من الكتاب المعنون “ردود الفعل على حرب العدوان الروسية”. يبحث عن مدى تحقيق العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على روسيا – خاصة في قطاعي الغاز والنفط – لأهدافها المرجوة. لا يمكن إجراء تقييم نهائي وجاد لهذا السؤال في الوقت الحالي. يوضح رولاند سبرينغر، الذي عمل، من بين أمور أخرى، لسنوات عديدة في منصب رفيع المستوى في مجلس إدارة شركة مرسيدس „Mercedes Benz AG“ (ومثلما لا تعترف أوكرانيا ببساطة بالهزيمة عسكرياً وتقاوم المعتدي الروسي بقوة، فإن روسيا من جانبها لا تعترف بأنها هُزمت اقتصادياً من قبل المعتدي الغربي ولا تبدِ أي مقاومة واضحة). ويتابع سبرينغر،من أن الطرف الثالث المقاوم بشدة في هذا السباق وحاجاتها بوصول السلع الأقتصادية اليها،التي اصبحت نادرة للغاية بسبب العقوبات،هي دول أوبك ودول أفريقيا،آسيا وأمريكا اللاتينية الغنية بالمواد الخام. من اللافت للنظر، من أجل الحفاظ على هذه البلدان كشركاء تجاريين، فأن السياسة الخارجية الألمانية لا تستند إلى أحترام القيم وتلتزم بحقوق الإنسان للأمم المتحدة، ولكن ينطبق عليها مسرحية بريشت البنسات الثلاث “يأتي الطعام أولاً، ثم تأتي بعد ذلك الأخلاق”.
يتناول الجزء الثالث من الكتاب وجهات النظر والأفكار. “لا يمكن أن يكون هناك سلام إلا مع روسيا وليس ضد روسيا” ، كما يقول كلاوس فون دوناني، وزير الدولة في وزارة الخارجية الألمانية، ووزير العلوم الاتحادي والعمدة الأول السابق لمدينة هامبورغ والمنظر الأوروبي من الحزب الديمقراطي الأجتماعي. فعلى سبيل المثال، لم تكن سياسة ألمانيا الغربية تجاه روسيا قبل عام 1990 قائمة على مبدأ التغيير من خلال التجارة، بل على التغيير من خلال التقارب. لم تكن هذه النظرة للسياسة آنذاك ولا الآن ساذجة. يوضح دوناني “مهما كانت العلاقة مع جار كبير ويحتمل أن تكون خطرة، لا يوجد بديل لمحاولة صنع السلام، ولفهم مصالح المرء.”
في الختام، خرج ستيفان لوفت باستنتاجه، لماذا إنهاء الصراع مع روسيا تصب لمصلحة ألمانيا الخاصة: هذه حرب تدور بالوكالة في أوكرانيا بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا من جهة أخرى. من الناحية السياسية، ألمانيا هي بالفعل طرف في الحرب. كواحدة من أهم المراكز اللوجستية الغربية للحرب، هناك خطر جسيم على ألمانيا من أن الصراع يمكن أن ينتشر ويتصاعد إلى دول ثالثة. والمقصود بلغة واضحة هو توسيع منطقة القتال المميتة على الأراضي الألمانية. يتابع لوفت “غالباً ما يُطيل الدعم الخارجي مدة الحرب ويزيد من عدد القتلى وأحتمال إندلاع الصراع مرة أخرى في المستقبل”. لكن “الجبهة الداخلية” أصبحت أيضاً دعائية وسياسية وقانونية ” وكمثال على ذلك، يستخدم لوفت التشديد المثير للجدل للفقرة 130 من قانون العقوبات الألماني للتحريض على الكراهية. تم أعتبار جرائم الحرب الروسية المزعومة في نزاع أوكرانيا الحالي في الأصل جريمة لإنكار الجرائم الألمانية مثل الهولوكوست، وسيتم إدراجها الآن إذا أعرب أي شخص في ألمانيا عن شكوكه علناً بشأن وجودها. يشير لوفت إلى المخاطر التي ستنشأ من الآن فصاعداً فيما يتعلق بالحق الأساسي في حرية التعبير. وهو يشير هنا إلى الانتقادات التي وجهها خبير القانون الجنائي الألماني الشهير وعضو لجنة القانون الدستوري في نقابة المحامين الفيدرالية الألمانية غيرهارد ستراتي. وبناءاً على ذلك، فإن التغيير في الحقائق يؤدي إلى تجريم المعارضين السياسيين. أخيراً وليس آخراً، ملاحظات لوفت حول العواقب البيئية للحرب الأوكرانية على أوروبا كلها مهمة. تتخلف ألمانيا باستمرار عن الأهداف المناخية التي حددتها لنفسها. ومع ذلك، فإن كل “حرب حديثة” هي “قاتل للمناخ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى