أمن وإستراتيجيةفي الواجهة

تداعيات الحروب بالنيابة على الشعب الأمريكي والعالم

محمد رياض اسماعيل
باحث

قرأت مؤخرا بان جو بايدن قد (تصدق) ب 1.2 مليار دولار أخرى للأوكرانيين بالإضافة إلى الستين مليار أو نحو ذلك، التي هي في طور الإعداد في خطط الحروب بالنيابة، ولكن لا يوجد من يحاسب قرارات هذا الرئيس! أمريكا قوة اقتصادية مهمة في العالم، ويفترض ان توازن جميع النشاطات العالمية ويجلب للأسواق حركة انتعاش يلقي بضلالها إيجابا على اقتصاد أمريكا ودول العالم على حد سواء. كما ان القرار السياسي الأمريكي تهدر اموالا ضخمة والتي هي استحقاق للشعب الأمريكي دافعي الضرائب، أولئك اللذين يتطلعون الى رعاية الحكومة لقطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة والعاطلين.. ان اهداء هكذا مبالغ خيالية (بدون حتى رقابة المفتش العمومي الأمريكي، لتعلق الامر (حسب الكونجرس) بأمن الدولة!!) إذ تضرر الشعب الأمريكي، فهي لا تساعد على إرساء السلم العالمي ايضا، ويدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود. وفي جانب ثان، فان فلاديمير بوتين مشارك في لعبة امن الدولة هذه! لقد ولى زمن التظاهر الوطني، بدءا من غورباتشوف الذي تظاهر بالوطنية وابتدع نظرية البروسترايكا (حبا في الوطن)، ثم أهدى الاتحاد السوفيتي متفتتاً على طبق من ذهب الى الولايات المتحدة الامريكية، وتتكرر أمثال هؤلاء الرموز الوطنيين في دول أخرى حسب مقتضيات السياسة الانكلوامريكية، كصدام حسين في الشرق الأوسط، والجنرال تيتو في البلقان، وجمال عبد الناصر، وغاندي، ونهرو، ومصطفى كمال، وغيرهم.. وكان لوجودهم تداعيات كارثية في تفتيت بلدانهم وتغيير التوازن السياسي في العالم، لسنا بصدد الحديث عنها. أن الممارسات الامريكية المتمثلة بقراراتها الأمنية تلك، تدفع العالم نحو حرب كارثية، وهي مهمة حمقاء ستجلب الويلات للبشرية. ومن السخرية ان لا تجد في حاشية الرئيس الأمريكي وإعلامه المُسير، من يقول الحقيقة، حتى لو كانوا يعرفون ما يعنيه هكذا قرار!
كما ان مصالح الأمن القومي الروسي (الوجودية) التي تصورها الجهات الرسمية الروسية، كلها قابلة للتفاوض، لكن الولايات المتحدة والتحالف الأوروبي لا يهتم بالتوصل إلى حل وسط، بل زادوا الطين بلة كما يقال، فزودوا نظام زيلينسكي الفاسد بالأسلحة والمال والدعم السياسي. والنتيجة النهائية هي صراع من المرجح ألا ينتهي إلا بموت آخر أوكراني، او ينسحب الى حرب نووية تقضي على البشر والحجر والشجر …
استغرب الموقف الأمريكي الرافض، والتعنت الروسي، والتراشق الطفولي المسرحي بينهما دون أي جدية وإحساس بالمسؤولية الأخلاقية تجاه ضحايا الحرب وويلاته على بلدان العالم اجمع. هل هو حظ العالم في ان يتقلد زمام أمور هذا الكوكب حفنة من الفاشلين وتكتلات ذات اهداف مبهمة! تدفع البشرية الى الهلاك بدوافع غير مبررة، فثقافة بايدن لا يزيد على ترامب ومن سبقوه، البارعون في ترديد شعارات “الحرية” و “الديمقراطية” كلما سئلوا عن دوافعهم. والادهى في الامر هم أولئك الحفنة التي تحيط بالرئيس، التي تجيد السمسرة فحسب، دون التفكير بعمق حول القضايا الاجتماعية وابعاد القرار السياسي عليها… بدأت اثار الحرب تظهر جليا في العالم، نرى بان كلف جميع أشكال الطاقة تتضاعف وهي مستمرة في التصاعد، وأن ارتفاع تكاليف الطاقة سيؤثر على أسعار الضروريات الأخرى، بما في ذلك الغذاء والدواء. ان هذه النتائج ضارة على الشعب الأمريكي وشعوب العالم، فاين الديموقراطية التي تقف ضد أوهام نظرية حفظ الامن الخارجي والداخلي التي تبرر استباحة الاقتصاد الأمريكي؟
لقد بلغت الميزانية العسكرية الامريكية عام 2003 اثناء غزوها للعراق نحو 415 مليار دولار امريكي، تم زيادة الميزانية العسكرية لعام 2023 من ميزانية هذا العام، حيث بلغ مجموعها 858 مليار دولار، وزيادة للقواعد الامريكية في العالم الى أكثر من ألف قاعدة بحجة حماية امن أمريكا، وتبقى الانفاق عليها سنويا بمبالغ ضخمة امرا غير مبررا للأمريكيين، حيث يوضح دستور الولايات المتحدة أن الجيش الوطني مكرس للدفاع عن البلاد من التهديدات الأجنبية على حدودها!! ان النهج التصاعدي المضطرد للميزانيات العسكرية في العقدين الأخيرين نذير حرب ضروس ينسف السلام العالمي ويقبر الرخاء والتنمية الاقتصادية في العالم ونؤول الى المجهول. أصبحت الميزانية العسكرية محركا رئيسيا للعجز في الموازنة المالية الامريكية (كما تذكرها الصحافة الامريكية). إذا وضعنا موت الملايين من الناس بشكل مباشر وغير مباشر في الحروب التي بدأت في 11/9 جانبا، فقد كلفت الحروب ما يقدر بنحو 8 تريليونات دولار، تكفي لبناء عالم جديد.
وفي ضل هذا التصعيد تأتي التصريحات الامريكية الرسمية بتهديد الصين، وبانها ستدافع عن تايوان إذا حاولت الصين ضمها! مع حزمة مساعدات عسكرية تقدر بخمسة مليارات دولار، علما بان تايوان كانت جزءا من الصين عبر التاريخ!! والواقع هو عدم القدرة على التنافس الاقتصادي مع الصين. وستكون الحرب التجارية مع الصين كارثة على الاقتصاد الأمريكي، الذي يعتمد بشكل كبير على السلع المصنعة في الصين، لكن بكين، بميزانيتها العسكرية الصغيرة نسبيا، لا تشكل تهديدا ماديا للولايات المتحدة.

كما امتدت الحرب الأمريكية الى حروب بالنيابة في اصقاع العالم بدءا من ايران ولبنان وسوريا، في سوريا تمتلك واشنطن بالفعل قوات على الأرض تحتل المنطقة المنتجة للنفط في البلاد، وقد الغت خطة العمل الشاملة المشتركة لحد ايران في التوسع المحتمل لبرنامجها النووي لإنتاج سلاح نووي، التي بدأت عام 2015، والتي بُذِلت فيها جهود مضنية بمشاركة أمريكا، انسحبت منها أمريكا بقرار ترامب المتعجل والغير الحكيم… ثم هناك المكسيك وفنزويلا وكوبا ونيكاراغوا والقائمة تطول، شملتها العقوبات الاقتصادية الامريكية والتهديدات والمحاولات الانقلابية..ان القرارات التي اتخذتها الحكومات الامريكية المتعاقبة ضد هذه الدول ،جعلت منها الأكثر كرها للولايات المتحدة الامريكية لتضررها وافقارها المواطنين، اللذين كانوا متضررين أصلا من حكامهم المأجورين والمسيرين للسياسة العرجاء للمخابرات المركزية الامريكية.
مما ورد أعلاه نستنتج بان ضياع معايير الأمن القومي الأمريكي، تجعل الحكومات تتصرف وفق ما تدفع بها مصالح الشركات العالمية المساهمة التي تسير مقدرات السياسة العالمية، غير آبه بما تؤول اليها مصالح الشعب الأمريكي أساسا، وشعوب العالم التي تبتلعها تلك الحروب بالنيابة وتزيدها كرها بالولايات المتحدة الامريكية، وتزيد شعوبها فقراً وحرمانا وفسادا لتتحول الى سرطانات في الجسد العالمي! ويدفع الشعب الأمريكي الثمن سواء من حيث انخفاض مستويات المعيشة بسبب الاضطرابات التي نشأت في أوكرانيا وأماكن أخرى ذكرنا بعضها في أعلاه، فضلا عن فقدان ثقة الشعب الأمريكي (الذي لا يعيش بسلام مع نفسه) تماما في نظام الحكم القائم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى