الصحافة الجديدةرأي

تجارة التحليل السياسي وتلون الحديث الإعلامي

علي مهدي الاعرجي
انسان

المرتزق هو شخص يقدم عمل مقابل أجر مادي اعتدنا سماع هذا المصطلح حول بعض الأرقام العسكرية الذي يتم استخدامهم في الحروب لكن اليوم تطور هذا المصطلح لينتقل إلى واجهة الاعلام حيث يطل علينا بعض المرتزقة من المطبلين في الشارع العام ينعقون مع كل من يدفع الأموال ويتلونون بشكل مختلف .هذه العدوى أصبحت منتشرة على مساحة واسعة من صعيد الاعلام المسيس في معظم دول العالم ، مثلا لم يختلف المشهد السياسي الهولندي عن المشهد العراقي من حيث تجارة الكلمة والتنوع في الطرح ،حيث يتحكم سوق العرض والطلب للأصوات المزعجة التي تغير ثيابها مع كل ظهور إعلامي ،حسب توجه القناة وحسب انتمائها. فكل يوم هذه الوجوه تأخذني برحلة مع العقل الباطن نحو اقزام الظهور الإعلامي في العراق “بلدي الأم” حيث يتلون أصحاب الكلمات بشكل مريب بألوان علم قوس قزح “علم الشواذ” يبيعون انفسهم امام الظهور الإعلامي متناسين مهنتهم ودورهم في ارسال الحقائق الى الجمهور، لم يعد بإمكانهم الثبات على قاعدة اسمها المبدأ والعقيدة والضمير. فحب الشاشة الصغيرة يتملكهم. والاعلام غير منصف لا يهتم بالكلمة الحق بل يهتم بمن يمضي مع توجهاته. فيركن صوت الحق على الرف ويتيح الى بوق القطيع بالظهور على هذه الشاشة متسلق بين القنوات أشبه بقرد في السيرك القومي. واعتذر من القرد للتشبيه. لما للقرد من صورة واضحة في التصرفات. إلا ان هذه النماذج ليس لديها صورة واضحة محددة يمكن أن تعتمد من قبل الجمهور.
التحليل السياسي او الظهور الإعلامي رسالة نبيلة متفردة تخاطب جموع من الشعب قادرة على أن ترسم وتخلق صورة مستقبلية لتوجهات البلد السياسية والتي هي الاخر تلعب بدورها في رسم الواقع الاجتماعي للمواطن. من المنطلق الفكري إذا صلح المنظر تهذب المتعلم. اذن كيف لنا أن نخلق مجتمع قادر على فهم الواقع ويتحرك بشكل مباشر من أجل استرداد حقوقه والدفاع عنها وفهم مجريات العملية السياسية وماذا يمكن ان يحاك من دسائس و مؤامرات تضرب بالمساحة الشعبية الخاصة ولربما تمزق البلاد وتأخذه الى منحنيات خطيرة كما هو الحال في العراق. لذلك يجب ان يكن هناك مؤسسة رقابية تحمل على عاتقها متابعة ومحاسبة كل من يلعب على أوتار التمزيق او الفتنة او التجهيل العام وغيرها وتعاقب وتمنع هذه الأصوات القبيحة من الظهور .والا سنشهد مراحل خطيرة من الانحراف العام في سلوكيات وأفكار المجتمعات وبالتالي تنحاز الى عالم بمثل وأخلاقيات جديدة لا تمد الى واقعنا الإنساني بشيء .ان المنظومة الأخلاقية والاجتماعية ليست وليدة اللحظة بل هي تراكم زمني دخل في مراحل عديدة من اجل ان تصل الى مستوى التهذيب وإن كاد يشوبها بعض السواد الا انها أصبحت سنة ثابتة يمكن لها أن تتهذب لكن من غير الممكن ان تحذف او تبدل بواحدة ثانية .
الخلاصة أن مرحلة الانحراف والتلون السياسي هي جزء من شبكة عملية محكمة النسج تسعى الى تغيير الرسم البياني للمجتمعات من خلال التأثير والظهور الإعلامي وفي مراحل تدريجية تحل المجتمعات وتهب نحو المحظور بشكل تلقائي قبل أكثر من نصف قرن كانت المثلية غير متواجدة على السطح واليوم نشهد عالم يختص بالمثلية وزواج الجنس الواحد والتحول الجنسي وغيرها اصبح مفهوم عام يستقبله المجتمع بشكل اعتيادي .حتى العمالة او الانتماء الى دولة أخرى اصبح في مفهومنا الحالي قابل للانشطار و التقسيم يمكن ان يتجزأ نحو الولاء الديني او الاعتقاد المذهبي او العمق القبلي .اليوم لم يعد جرم ان تكن تابع الى الدولة (س) وانت مواطن في الدولة (ص) وتملك منصب ريادي او سيادي وتضع علم الدولة المغارة ممن تدفع لك الأموال بدل من عملك في مكب العمل .في السابق من يعمل هذا كان يتهم بالعمالة والخيانة وتصل عقوبته الى الإعدام اما اليوم وبسبب التأثير الإعلامي خفف من وقع هذا الامر واصبح شبه طبيعي و اوجد لها مخرجات سببية في الانتماء و اصبحنا نستقبلها بكل هدوء واصبح هذا الفعل المستنكر أمر طبيعي .لا اعلم ما سنشاهده في الربع قرن القادم الا انني على يقين سنتحول اكثر من تحولنا الآن سنبيع مساحة القيم والمثل الأخلاقية بمساحة جديدة مستنكره مستهجنة في الفعل العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى