تعاليقرأي

بين طوفان الأقصى ومركز “تكوين”

الطوفان جعل العالم يسأل عن الإسلام الذي تفتخر حماس بالانتماء إليه، يبحث فيه، يفهمه، بعيدا عن الصور النمطية المشوهة التي يسوّقها الإعلام منذ عقود، وبدأ الغربيون يعرفون الحقيقة ويقبلون على هذا الدين بشكل لافت للنظر، والظاهرة مرشحة للتوسع…هنا تحرك بعض الملاحدة العرب وتركوا التقية المعتادة لأن الخطر يداهمهم، وأسسوا في مصر هذا المركز ليحارب الإسلام من الداخل وينشر الإلحاد، وذلك بالتشكيك في الثوابت الدينية والطعن في السنة النبوية وتمييع القرآن الكريم من خلال قراءات متعسفة حداثية تحيله إلى نص بشري تاريخي عفا عليه الزمان وشاخ، وهي المهمة التي بدأها منذ مدة طويلة أفراد تحركهم الدوائر الاستشراقية والتبشيرية من أمثال أركون ونصر أبو زيد والقمني، وخلف هذه المبادرة أنظمة عربية متصهينة لم تعد تتحرك خلف الستار بل أسفرت عن وجهها بكل وقاحة، وأخرى ما زالت تعمل بطرق ملتوية، كل هذا في إطار مخطط شامل لمحاربة الإسلام من الداخل تندرج تحته خطوات برزت في المدة الأخيرة، مثل تبني دولة الإمارات لما يسمى الديانة الإبراهيمية كبديل عن الإسلام، وقد تجاوزت العنوان إلى احتضان الهندوسية والبوذية فأعادت الشرك إلى الجزيرة العربية، ومثل العلمنة اللادينية الحثيثة في بلاد الحرمين التي جمعت بين فتح البلاد لكل المحرمات الفردية والاجتماعية وبين ما سمي إعادة النظر في الأحاديث النبوية بحيث لا يبقى منها إلا ما يتعلق بالشعائر التعبدية الفردية وبعض الأخلاق “الإنسانية” التي ترتضيها العلمانية، وجاء التتويج بتدشين مركز “تكوين” لنشر الزندقة بين المسلمين، والحقيقة أن هذه خطوة طبيعية تندرج في إطار إحياء إسلام من نوع جديد وضعت معالمة مؤسسة “رند” الأمريكية الشهيرة منذ مدة، وصفته بالإسلام المعتدل أي إسلام ينحصر في الشعائر التعبدية الفردية ويقطع علاقته بالشأن الاجتماعي والسياسي والحضاري، هو كما سماه الشهيد سيد قطب في خمسينيات القرن العشرين ب”إسلام أمريكاني”، هو إسلام علماني طيّع منحصر في الصلاة والصيام والحج، لا جهاد فيه ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، لا علاقة له بالتربية ولا الاقتصاد ولا المال فضلا عن شؤون الحكم، بل لا ثوابت له أصلا، فالسنة غير ثابتة، والقرآن عجينة يصنع منها من شاء ما شاء، والأصول التي يقوم عليها الدين مجهود بشري قديم سيأتي عليه “التجديد” – أي التبديد – لينتصر في النهاية “الدين الإنساني” الذي يبشر به الملحدون والحداثيون، ولا ننسى أن مركز “تكوين” ليس بدْعا من الفعل الإلحادي، فقد سبقه نظير له سموه “مؤمنون بلا حدود” يحمل نفس القسمات ويهدف إلى نفس الغايات، لكن أمره افتضح، وقام العلماء والدعاء في وجهه فخفت صوته وقلّ نشاطه.

لا يجوز الاستهانة بهذا الأمر فهو مشروع خطير تقف خلفه دول وهيئات كبيرة له سوابق في النشاط التخريبي الممنهج والمتدرج، فيجب على النخبة المؤمنة أن تتصدى له بالكتابة والتحسيس والمواجهة لأنه سيملأ الساحة الثقافية العربية ووسائل التواصل المختلفة بالشبهات المثيرة، وفينا سماعون له، كيف لا والعلمانية متحكمة في السياسة والإعلام والتربية، بدأت منذ مدة في تجفيف منابع التدين، فأفرغت المدرسة من اللمسة الدينية والأخلاقية، وجعلت من المسجد مؤسسة إدارية باهتة تسوّق خطابا رتيبا لا يحرك قلبا ولا عقلا ولا حوّاس، وجعلت من الإعلام معول هدم للدين والأخلاق والأذواق، وضيقت على العمل الدعوي تضييقا كبيرا، وأطلقت العنان لنشر الشبهات والشهوات، وأحاطت نفسها بمجموعة من رجال الدين الذين يدورون معها حيث دارت، وكل هذا أدى إلى انتشار الانفلات من أحكام الشريعة وانتشار الإلحاد بصورة خبيثة ماكرة، فكان من نتائج ذلك ظاهرة سبّ الله تعالى والدين جهارا بين الكبار والصغار، والاستهزاء بالإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم وبالشريعة في البلاد الاسلامية، وأصبح التنصير ظاهرة معتادة في بعض البلاد، كل هذا بلا رادع قانوني ولا مواجهة دعوية إعلامية مما يرشحه لكسب مزيد من الساحات واقتحام مزيد من الميادين.

والذي يدمي القلب موقفُ التواكل الذي عليه جزء كبير من النخبة المؤمنة الذي يكتفي بترديد “والله متم نوره” كأن المعركة حسمتها السماء وعليه هو أن يخلد إلى الأرض وينتظر المعجزات، في حين أن هذا الدين ينتصر بالرجال “هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين”، وهذه الروح التواكلية الخطيرة هي التي يعوّل عليها مركز “تمكين” وأمثاله للتحرك والنجاح والتمكن.

الحل يكمن في عمل شعبي حر موازٍ على طريقة ابن باديس، وهذا موضوع مقال مستقل بإذن الله.

عبد العزيز كحيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى