إقتصادفي الواجهة

بعض قضايا الزراعة والغذاء

بعض قضايا الزراعة والغذاء الطاهر المعز

يَنْدَرِجُ هذا المقال ضمن سلسلة من المقالات بشأن المسألة الزراعية وأهميتها في تحقيق السيادة الغذائية والتّخلّص من التبعية، وتدرس الفقرات الموالية مسألة التناقض بين وَفْرَة الإنتاج العالمي للغذاء وارتفاع عدد الفُقراء الذين يعانون من الجوع أو من نقص الغذاء، ويعود ذلك إلى احتكار الأرض والإنتاج والتوزيع من قِبَل الشركات الإحتكارية العابرة للقارات التي استغلت حرب أوكرانيا لتسريع وتيرة الإستيلاء على الأراضي الخصبة هناك، ونظرًا للنفوذ المالي والسياسي لهذه الشركات فإن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي يفرضان شروطهما على الدّائنين، لمصلحة هذه الشركات، وفي النّص فقرة عن واقع الزراعة والغذاء في الوطن العربي، مع بعض التفاصيل عن تونس، كنموذج للتبعية الغذائية العربية التي تستوجب إصلاحًا زراعيا وإعادة توزيع الأراضي على من يفلحها وإنشاء علاقة مباشرة بين الفلاح المُنتِج والمواطن المُستهلك، كخطوة نحو تحقيق السيادة الغذائية…
حقائق مُرّة:
ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد من 565 مليون سنة 2014 إلى 924 مليون سنة 2021، بسبب أزمة الغذاء العالمية الحالية، وهي أزمة هيكلية (وليست طارئة) للنيوليبرالية المفروضة على الشعوب، حيث لم تعد عدة فِئات من السكان قادرة على تحمُّلِها، بسبب ارتفاع الأسعار قبل عدة أشهر على الحرب في أوكرانيا.
يشير تقرير للأمم المتحدة، الصادر في أيار/مايو 2022، إلى انطلاق أزمات غذائية جديدة، رغم النمو المستمر في إنتاج الغذاء العالمي لأكثر من نصف قرن، بل وصل محصول الحبوب العالمي إلى رقم قياسي تاريخي سنة 2021، إذ ينتج العالم كميات وافِرة من الغذاء، لكن 10% من سكان العالم يعانون من الجوع، خاصة في بلدان “الجنوب”، حيث يُعَدّ البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والدّائنون الآخرون هم الحاكمون الفعليون لهذه البُلْدان، منذ عُقُود، يُخَطّطون ويأمرون بتطبيق مخططاتهم الإقتصادية، ما جعل الدّول المُقْتَرِضَة تعتمد في غذائها على الواردات، لأن تطبيق شُرُوط الدّائنين خفض الأنشطة الزراعية المحلية التي لم تعد تنتج الحبوب أو غيرها من المنتجات الأساسية.
المُضاربة بالغذاء:
يسمح النموذج النيوليبرالي للشركات الرأسمالية الكبيرة بالمضاربة على الجوع، والسيطرة على السوق المالية وجني أرباح كبيرة، وتطورت المضاربات في أسواق الحبوب بحلول 25 فبراير 2022 (غداة بداية الحرب في أوكرانيا) وبالتالي ارتفعت أسعار القمح والذرة بشكل مصطنع بنحو 50% خلال أسبوعين.
تُسيْطر أربع شركات متعددة الجنسيات على 70% من سوق الحبوب، ما يُمَكّنها من تحديد الأسعار وحجم العَرْض، وتحقيق أرباح هائلة، وهي: آرتشر دانيلز ميدلاند و دي بونغ و كارغيل و لويس دريفوس وغالبًا ما يشار إليها بالاختصار ABCD، وتصف منظمة أوكسفام شركة “كارغيل” ( Cargill ) ب “عملاق الأعمال الزراعية العالمية وواحدة من أكبر الشركات الخاصة في العالم، وهي مملوكة بنسبة 87% من قبل أغنى 11 عائلة في العالم ، والتي تقدر ثروتها من قبل قائمة فوربس للمليارديرات بـ 42,9 مليار دولار سنة 2021، وزادت ثروتها بأكثر من 14 مليار دولارا، خلال أقل من سنتَيْن، بفضل ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، وخاصة الحبوب. … »، فيما كتبت وكالة “بلومبرغ” المملوكة للملياردير الذي يحمل نفس الإسم (رئيس بلدية نيويورك الأسبق) إن شركات الأعمال الزراعية والسلاسل التجارية الكبيرة مثل وول مارت أو كارفور ، فَرَضَتْ سنة 2921، زيادات غير مُبَرَّرَة في أسعار السّلع الغذائية بنسبة لا تقل عن 30% ثم بنسبة 50%، بين شباط/فبراير وتموز/يوليو 2022، في حين أن انخفض سعر القمح في بورصة شيكاغو بنسبة 32%، وانخفض سعر الذرة بنسبة 22%، بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس 2022، لكن هذا الإنخفاض (الذي وَرَدَ كذلك في مُؤَشِّر منظمة الأمم المتحدة “فاو” لأسعار الغذاء ) لم ينعكس في أسعار التجزئة، لأن الشركات الخاصة الكبيرة تتمتع بحرية تحديد الأسعار، فيما حَرّمَت منظمة التجارة العالمية على الحكومات تطبيق سياسة التحكم في الأسعار أو تحديد سَقَفٍ لها، وتتكامل سياسة منظمة التجارة العالمية مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي اللّذَيْن يشترطان على حكومات الجنوب إزالة صوامع تخزين الحبوب التي كانت تستخدم لتزويد السوق الداخلية في حالة حدوث نقص في العرض أو زيادة في الأسعار. لقد دفع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حكومات الجنوب لإلغاء الضمانات التي كانت تقدّمها لمنظمات الائتمان العامة للمزارعين الذين يطلبون قُرُوضًا، ما يضطرّهم الآن إلى طلب قروض من كبار التجار أو المصارف الخاصة التي تمارس الرّبا…
كانت شركات الأعمال الزراعية هذه، مسؤولة عن أزمات غذائية مأساوية لعقود، لأنها نُفُوذها الكبير يُمكّنها من استصدار قوانين تسمح لها بانتزاع الأراضي والموارد الطبيعية كالمياه والغابات، وباستخدام البذور المعدلة وراثيًا والمبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية، واستغلال الفلاحين المحليين الذين فقدوا أراضيهم وعملهم، وكان المُزارعون الصغار والفلاحة الأُسَرِيّة التقليدية توفر ما يقرب من 80% من الغذاء في جميع أنحاء العالم ، لكن الشركات متعددة الجنسيات فرضت ما يسمى باتفاقيات التجارة الحرة التي تعد (إلى جانب الدَّيْن الخارجي) إحدى أدوات الهيمنة واحتكار أراضي وثروات البلدان الفقيرة، وتعميم هذا النموذج النيوليبرالي للإنتاج الزراعي على كافة مناطق العالم، ما جَعَلَ هذا النّوع من “زراعة الأعمال والتجارة” عقبة رئيسية أمام السيادة الغذائية التي تُعدّ أحد أركان الإستقلال الإقتصادي والسّياسي، وأحد بدائل هذا النموذج الإنتاجي الرأسمالي الذي لا يهدف تلبيةَ الاحتياجات الإنسانية الأساسية، بما في ذلك الغذاء المحلي اللائق، بل تحقيقَ أقصى قدر من الأرباح، من ذلك استخدام نحو 10% من محاصيل الحبوب العالمية لإنتاج الوقود و 35% لتغذية الحيوانات… إن الإجراءات التي تفرضها المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي تُعِيقُ تحقيق السيادة الغذائية في بلدان الجنوب المثقلة بالديون.
لا تستثمر بعض الدول (المغرب وتونس ومصر ، إلخ) في القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك الزراعة، وبالإضافة إلى ذلك تعيق الدّولةُ الحلول البديلة مثل الزراعة العضوية أو البيئية وإنشاء تعاونيات تربط مباشرة بين المنتجين والموزعين والمستهلكين، دون وسطاء، رغم أهمّيّة هذه البدائل التي تسمح للسكان ذوي الدخل المنخفض باستهلاك أغذية ذات نوعية جيدة وبتكاليف منخفضة، مع الحفاظ على العملات الأجنبية المخصصة لاستيراد المنتجات الغذائية…
تنشر منظمة الأغذية والزراعة مؤَشّرًا شهريًّا لعينة مُختارة من أسعار الغذاء بأسواق الجملة العالمية ( الحبوب والزيوت النباتية والسّكّر واللحوم والألبان ومشتقاتها)، وهي أسعار بعيدة كل البُعْد عن أسعار البيع في أسواق الجملة المحلّية، ناهيك عن الأسعار في متاجر البيع بالتجْزِئة، حيث يتزوّدُ المواطنون “المُسْتَهْلِكُون”، وبحسب مؤشر أسعار نهاية شهر آب/أغسطس 2022، “سجلت أسعار الغذاء انخفاضا للشهر الخامس على التوالي” وأورد التقرير تفاصيل عن الإنخفاض الإفتراضي (دون عِلْمِنا؟) لأسعار الحبوب والزيوت النباتية والسكر واللحوم والألبان، فهل شَعُرَ أحَدُكُم بانخفاض الأسعار أو حتى استقرارها؟ أم أن الناس في مجمل أنحاء العالم يُبالغون أو ربما يكذبون عندما يشيرون إلى ارتفاع أسعار السّلع الغذائية بنسبٍ قياسية، وتُشير كافة التّقارير الأخرى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية كأهم العوامل المساهمة في التضخم في كافة بلدان العالم، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية غير المصنعة بنسبة 10,9% في منطقة اليورو، ما رفَعَ معدل التضخم على أساس سنوي إلى 9,1% بنهاية آب/أغسطس 2022، ولا يختلف الأمر في بريطانيا والولايات المتحدة، وتُشير دراسات أخرى إن أسعار الغذاء العالمية لا تزال أعلى مما كانت عليه خلال ذروة ارتفاعها التّاريخي سنة 2011، وبالنسبة للمُزارعين يُؤَدِّي ارتفاع أسعار الطاقة والبُذُور والأسمدة وعلف الحيوانات، وإلغاء الدّعم الحكومي (بفعل ضَغْط الدّائنين) إلى إفلاس العديد منهم وإلى نقص الإنتاج الفلاحي.
كانت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) قد نَشَرت، بداية تموز/يوليو 2022 تقريرأ بعنوان
(FAO – The State of Food Security and Nutrition in the World 2022 )
أورد التقرير “يعاني 30% من سكان العالم من انعدام الأمن الغذائي المعتدل وأصبح 20% من سكان أفريقيا في حالة انعدام أمن غذائي حاد و 10% من سكان العالم يعانون من الجوع، وأصدرت منظمة الطفولة (يونيسيف) التابعة للأمم المتحدة تقريرا يوم الثالث والعشرين من حزيران/يونيو 2022، احتوى على عدد من البيانات، منها: في عام 2021 ، كان نحو 2,3 مليار شخص (29,3% من سكان العالم) يعانون من انعدام الأمن الغذائي، سنة 2021، ما أثار هلع الدّول الغنية التي اجتمع ممثلوها بالأمم المتحدة، يوم 17 أيار/مايو 2022، حيث تبادلت الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والهيئات الأخرى الأفكار حول موضوع “كيفية التعامل مع أزمة الغذاء التي قد تثير انتفاضات شعبية”، وفي في أفريقيا، يعاني حوالي 80% من السكان من انعدام الأمن الغذائي المعتدل والشديد، وفقًا لمعيار أوسع تم تطويره من قبل منظمة الأغذية والزراعة ووكالات الأمم المتحدة الأخرى، وقبل ذلك (سنة 2020 )، عانى نحو 45 مليون طفل دون سن الخامسة من الهزال، وهو الشكل الأكثر فتكًا لسوء التغذية، والذي يمكن أن يزيد من خطر الوفاة بين الأطفال بمقدار 12 ضعفًا، ويعاني 149 مليون طفل دون سن الخامسة من توقف النمو بسبب النقص المزمن في العناصر الغذائية الأساسية في وجباتهم الغذائية، ونجمت 45% من حالات وفيات الأطفال دون سن الخامسة (حوالي 3,1 مليون طفل ) عن سوء التغذية، فيما يتعرّض نحو ثمانية ملايين طفل دون سن الخامسة في 15 دولة أفريقية لخطر الموت من الهزال الشديد إذا لم يتلقوا طعامًا علاجيًا ورعاية فورية (…). استمرت أزمة الغذاء العالمية منذ شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، وما انفَكّت تتصاعد منذ بداية العام 2022، حيث أثر الهزال الشديد على 260 ألف طفل إضافي (طفل كل 60 ثانية). في الوقت نفسه، ارتفع سعر الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام المخصص لعلاج الهزال الشديد بنسبة 16% في غضون أسابيع قليلة، مما حرم ما يقرب من 600 ألف طفل إضافي من هذا العلاج، بينما عانت نسبة 31,9% من النساء و 27,6% من الرجال في جميع أنحاء العالم، سنة 2021، من انعدام الأمن الغذائي.
سبقت أزمة الغذاء العالمية الحرب في أوكرانيا، لتصبحَ أسوأ أزمة غذاء، نتيجة انتشار نموذج الزراعات التجارية الكُبْرى، على أساس البحث عن الحد الأقصى من الأرباح… فأزمة الغذاء هي نتيجة المضاربة بالإنتاج الفلاحي واحتكار الأراضي الزراعية من قبل الشركات الكبيرة، متعددة الجنسيات، التي قَضَتْ على الفلاحة المحلية…
حرب أوكرانيا فرصة للإستيلاء على الأراضي الخصبة
وتقدر قيمة الصادرات الأوكرانية من المنتجات الزراعية سنة 2021 ب 27 مليار دولار، وخصوصًا من القمح وعباد الشمس، ما جعل الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات مهتمّة بالتربة السوداء الخصبة جدًا في أوكرانيا (المعروفة باسم – cernozëm – ) التي تحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث الإنتاج الزراعي لكل هكتار، وقدّرت إحصاءات اتحاد المزارعين الأمريكيين أن أوكرانيا تحتل المرتبة السابعة بين أكبر مصدري القمح في العالم ورابع أكبر مصدر للذرة التي تستخدم في الولايات المتحدة لتغذية المواشي ولإنتاج الوقود الحيوي،.
أجْرت شركات الثروة الحيوانية الأمريكية دراسات لتحليل نسبة التكلفة إلى الفائدة، وخلصت إلى أن استخدام الذرة المدعومة في الولايات المتحدة أرخص من العشب لتغذية الماشية، وإن الذّرّة الأوكرانية التي تنتجها الأراضي الخصبة عناك، أرخص من الذرة الأمريكية المدعومة، ما جعل هذه الشركات تستحوذ على مساحات متزايدة من الأراضي الخصبة بأوكرانيا منذ أزمة الغذاء سنة 2007. أما عن تأثيرات الحرب الحالية في أوكرانيا، فيتوقع الاقتصاديون في قطاع الزراعة زيادة بنسبة 12% في الإنفاق على الأسمدة وزيادة بنسبة 7% في الإنفاق على الحيوانات، خلال النصف الأخير من سنة 2022. وتتزايد تكاليف تشغيل المزارع بسبب الزيادة في أسعار المواد الخام والطاقة والأسمدة وما إلى ذلك.
سيطرت شركات Monsanto و Cargill و DuPont منذ أزمة 2008/2009 على العديد من جوانب النظام الزراعي الأوكراني، من خلال الاستثمار في مرافق إنتاج البذور والمدخلات ومن خلال الاستحواذ على إنتاج ومعالجة ونقل السلع، وأفاد معهد أوكلاند أنه في عام 2015 (بعد عام واحد على انقلاب 2014)، استحوذت الشركات الزراعية الغربية التي تُزَوِّدُ أسواق الوجبات السّريعة والبقالة، بشكل أساسي، على أكثر من 2,5 مليون هكتار من الأراضي الخصبة في أوكرانيا، وأفاد تحليل نشرته مؤسسة Open Democracy في تشرين الأول/أكتوبر 2021 أن عشر شركات خاصة تسيطر على 71% من السوق الزراعية الأوكرانية، بما في ذلك Archer Daniels Midland (ADM) و Bunge و Cargill و Louis Dreyfus و COFCO الصينية المملوكة للدولة.
من جهة أخرى، سمحت اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 2017 للشركات الأوروبية بالاستثمار في “الإنتاج الزراعي الحديث والتكنولوجيات الحيوية”، أي المحاصيل المعدلة وراثيًا، التي لا يمكن زراعتها في أوروبا، في حقول أوكرانيا ، قرب الحدود مع روسيا التي استنكرت هذه الإتفاقية.
تتحكم الاحتكارات الزراعية – التي فرضت الخيارات الغذائية لمليارات الناس – في إنتاج ونقل ومعالجة المنتجات الزراعية في الولايات المتحدة، ما ضَيَّق هامش حرية الاختيار في السوق فأصبح المستهلكون الأمريكيون يخصصون حوالي 90% من الإنفاق على الغذاء لشراء الأطعمة المصنعة، التي ينتجها ويتحكم فيها عدد صغير من تكتلات الإحتكارات الغذائية التي ساعدتها حكومة الولايات المتحدة في العثور على أراضي خصبة وعمالة رخيصة لزراعة المنتجات الغذائية التي تبيعها محلات السوبر ماركت وسلاسل الوجبات السريعة، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وهي وجبات تزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب التي تُعَدُّ أكبر سبب للوفاة في أمريكا، فضلا عن الإصابة بأمراض أخرى.
التّبَعيّة الغذائية العربية
في الوطن العربي (منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بلُغَة صندوق النقد الدّولي وشركائه ) زادت مخاطر الجوع، بسبب “الإرتفاع غير المسبوق في الأسعار” بحسب الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتخوّفُ (كما رئيس البنك العالمي ومديرة صندوق النقد الدّولي) من تأثيرات “انعدام الأمن الغذائي (على) الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومن عدم الاستقرار والاضطرابات والهجرات الجماعية لملايين الأشخاص الذين يعانون من تضخم أسعار الغذاء في بلدانهم”.
تُشير الوقائع إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، منذ شهر شباط/فبراير 2022، حيث وصلت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستويات لها على الإطلاق، وربما منذ انتشار وباء “كوفيد- 19″، بسبب ارتفاع نفقات الإنتاج واضطرابات حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، واستغلّت الشركات الإحتكارية الحرب لحجب الإنتاج الفلاحي من الأسواق، بفعل تَحَكُّم هذه الشركات (محدودة العدد) في العَرْض والطّلب.
أما البُلدان العربية فتأثَّرت بالحرب لأن أنظمتها الحاكمة لم تهتم بالإستثمار في إنتاج الغذاء، وبقيت الدّول العربية تستورد حوالي 42% من احتياجاتها من القمح من كل من أوكرانيا وروسيا، و23% من احتياجاتها من الزيوت النباتية، وفق بيانات برنامج الغذاء العالمي، فارتفعت أسعار دقيق القمح الّليِّن (الذي يُصنَعُ منه الخُبْز) بالدّول العربية، في بداية شهر آذار/مارس 2022، وهو الشهر الذي تلا اندلاع الحرب في أوكرانيا، بنسبة تراوحت بين 11% و 50 % وارتفعت تكلفة “سلّة الغذاء” بنِسَبٍ تراوحت بين 81% و 351% وفق تقرير نشرته وكالة “رويترز- تومسون”، لا يتضمّن أسعار اليمن وسوريا…
أصدرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية منذ 2008، عددًا من التّوصيات والتقارير عن “تعزيز التعاون والتكامل الزراعي العربي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية”، و”إطلاق برنامج عربي طارئ للأمن الغذائي، عبر زيادة واستقرار إنتاج الغذاء في الوطن العربي، وبخاصة الحبوب والبذور الزيتية والسكر… “، ولكن وبعد أربعة عشر سنة، لا تزال الدّول العربية تعتمد على توريد نسبة هامة من غذاء مواطنيها بالعُملات الأجنبية، وأشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة سنة 2017 بعنوان “الآفاق العربية 2030: فرص تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة العربية”: “إن الوضع الحالي يُشير إلى تزايد اعتماد الدّول العربية على الواردات الغذائية إلى ما بَعْدَ سنة 2030” إما بسبب تقلبات الطقس ونقص المياه الذي يُؤَدِّي إلى التّصحُّر، أو بسبب عدم الإستثمار في الزراعة، بل وإلغاء دعم المُزارعين والإنتاج الفلاحي، ما أدى إلى انخفاض المساحات الزراعية وتدهور الإنتاج وإلى هِجْرة المزارعين إلى المناطق الحضرية أو إلى الخارج، فضلا عن الحُرُوب التي أطلقتها أو غَذّتْها الإمبريالية (بزعامة الولايات المتحدة) في الصومال والعراق وسوريا واليمن وليبيا والسُّودان… كما أن الأزمات الأخيرة، من أزمة 2008/2009 إلى حرب أوكرانيا، أكّدَتْ ضرورة الإستثمار في القطاع الفلاحي، وتأمين الغذاء من الزراعة المحلية وتربية الحيوانات والصّيد البحري، والعمل على تحقيق الإكتفاء الذّاتي والسّيادة الغذائية، وليس “الأمن الغذائي” الذي يُمكن تحقيقه بواسطة التّوريد من الخارج، وعلى سبيل المثال فإن دُوَيْلات الخليج تستورد نحو 90% من احتياجاتها الغذائية من الخارج، بالعملات الأجنبية التي تحصل عليها من صادرات المحروقات، في ظل ضُعْف حركة التبادل التجاري وغياب التّكامل الإقتصادي العربي.
تونس كنموذج للعجز الغذائي العربي
أصبح توفير الغذاء عسيرًا في العديد من بلدان الوطن العربي، سنة 2022، وفيما يلي بعض من واقع تونس، كنموذج للعديد من البُلدان الأخرى:
يُعاني المواطنون التونسيون من افتقاد بعض السلع الغذائية الأساسية التي لم يُرفَع عنها الدّعم بصفة كاملة، خصوصًا منذ شهر حزيران/يونيو 2022، منها الأرز والطّحين (الدّقيق) والزيوت النباتية والحليب ومشتقاته والسكر والقهوة، وتنْسِب الدّعايةُ الرسميةُ هذا الشُّح في المَعْرُوض إلى المضاربين والمحتكرين، وهو رُبع الحقيقة، لأن الدّولة تستورد العديد من المواد الغذائية بالعملة الأجنبية التي تفتقدها منذ فترة، بدل إنتاج العديد من هذه المواد محلّيًّا، وفي ظل انخفاض قيمة الدّينار، استجابةً لأوامر الدّائنين، بزعامة صندوق النّقد الدّولي، زادت الصعوبات وارتفعت الأسعار، لترتفع معها نسبة التّضخّم التي بلغت، بحسب البيانات الرسمية، 8,2% بنهاية شهر تموز/يوليو 2022، وهو أعلى مستوى خلال ثلاثة عقود، .ولما عجزت الحكومة عن تسديد واردات القمح، لَجَأت، منذ شهر تشرين الأول/اكتوبر 2021، إلى شَحْذِ “المُساعدات” (أي قُرُوض بفائدة أقل من صندوق النقد الدّولي) الغذائية من البنك العالمي والإتحاد الأوروبي والمصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير واليابان…
أدّى فقدان السّكّر ومشتقات الحليب إلى إغلاق العديد من المقاهي ومصانع المشروبات الغازية والشوكولاتة والمعجّنات وغيرها من المصانع التي يعتمد إنتاجها على السُّكّر المُستورد، في ظل افتقاد الدّولة للعملة الأجنبية، وارتفاع حجم الدّيون، ما جعل الدّولة عاجزة عن تسديد ثمن الواردات من المحروقات والحُبُوب والموادِ الأساسيةِ الأخرى، وفق وكالة الصحافة الفرنسية التي نقل مُراسلها تصريحات بعض النّقابيين بالقطاعات التي اضطرّت إلى خفض وتيرة العمل أو إغلاق المصانع وتسريع العُمّال
يشترط صندوق النقد الدولي تنفيذ “إصلاحات اقتصادية”، منها إلْغاء الدعم للسّلع الأساسية، قبل الموافقة على قرض تُحاول الحكومة الحصول عليه، منذ عدّة أشْهُر، كما يشترط الصندوق خفض فاتورة الرواتب بالقطاع العام، أي عدم تعويض المتقاعدين وتسريح عشرة آلاف موظف سنويا لمدة خمس سنوات، وخصخصة ما تَبَقّى من القطاع العام، ما يزيد من تخوفات الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجراء)، في ظل البيانات المُتشائمة (لكنها تعكس الواقع) للمصرف المركزي عن عجز الميزانية التراجع القياسي للعملة المَحَلِّيّة (الدينار)، بنسبة 16%، خلال سنة واحدة، مقابل الدولار، وعن ضُعْف حجم احتياطي العملات الأجنبية، مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين، فضلاً عن عجز المواطنين عن توفير ثمن الطاقة والحاجيات الضّرُوريّة…
خاتمة
دفع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، على مدى خمسة عُقُود، دول الجنوب لتقليل إنتاجها من القمح أو الأرز أو الذرة واستبدالها بمحاصيل مُعَدّة للتصدير كالموز والأزهار والقطن والشاي والقهوة والكاكاو وغيرها، وإلغاء كافة أشكال الدّعم لصغار المزارعين وللسلع الغذائية، بينما تستفيد الشركات الزراعية الكبيرة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان وأستراليا من الإعانات الحكومية الهائلة.
بالنسبة للبلدان الفقيرة، هناك حاجة مُلِحّة للإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي والدعم العام للزراعة الإيكولوجية وللمزارعين الذين يتدَمَّعون في تعاونيات الإنتاج الزراعي، ويفترض هذا مُعارضة توصيات أو شُرُوط الدّائنين وهيمنة الشركات العابرة للقارات التي تحتكر الأرض وموارد المياه، كما يتطلب تكوين الاحتياطيات الغذائية وتنظيم أسعار المواد الغذائية لتمكين جميع السكان من الحصول على طعام صحي وبأسعار مناسبة، فالإصلاح الزراعي هو وسيلة لوضع حد للخصخصة والاستيلاء على المياه والبذور والأراضي من قبل الشركات العابرة للقارات التي تنتهك حقوق ومصالح الشعوب، وخاصة حقوق الفلاحين وسكان الريف، ويفترض ذلك أن تُيَسِّر السلطة السياسية العلاقات بين المنتجين في المناطق الريفية والمستهلكين في المناطق الحضرية، وأن يندرج الإصلاح الزراعي ضمن سياسات تعزيز الخدمات العامة في المناطق الريفية، بما في ذلك الصحة والتعليم والنّقل والثقافة والترفيه وما إلى ذلك. لكن هل يمكن لأنظمة عميلة، خدمت مصالح الإمبريالية أن تنفّذ الإصلاح الزراعي؟
تعريف منظمة الصحة العالمية واليونيسيف لبعض المُصْطَلحات الواردة في النّصّ:

نقص التغذية: الحالة التي يكون فيها استهلاك الطعام المعتاد للفرد غير كافٍ لتوفير الطاقة اللازمة لحياة طبيعية ونشيطة وصحية. يستخدم انتشار نقص التغذية لقياس الجوع.
الهزال: قدّرت منظمات الأمم المتحدة عدد الأطفال الذين لم تبلغ أعمارهم الخامسة، ويعانون من الهزال، سنة 2021، بأكثر من 45 مليون طفل، والهزال شكل من سوء التغذية الذي يجعل الطّفل ضعيفًا وهزيلاً، ما يُعرّضُهُ لخطر الموت، فضلاً عن مشاكل النمو والتطور والتعلم..
الهزال الشديد: يتميز بالنحافة الشديدة للطفل بالنسبة لسِنِّهِ ولطوله، بسبب ضعف جهاز المناعة، والهزال الشديد هو الشكل الأكثر إلحاحًا والمرئي والمميت لسوء التغذية، ويُعاني منه أكثر من 13 مليون طفل دون سن الخامسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى