أخبارإقتصادفي الواجهة

بداية تراجع الهيمنة الاقتصادية الامريكية على العالم

محمد رضا عباس

اعتبر الشعب الأمريكي ان دخول بلده عالم التجارة العالمية , انما جاء من اجل ادخال العالم الى العصر الحديث واستبدال الفقر بالتنمية الاقتصادية , ولكن الحقيقة كانت ليست هذه . الاقتصاد الأمريكي مر بكساد طال عشرة سنوات عام 1890 , وكان على الإدارة الامريكية التفكير بالتخلص من الإنتاج الفائض في اسواقه وفي نفس الوقت الحصول على المواد الأولية الرخيصة الثمن والعمالة الأجنبية . وبمرور الزمن زادت التجارة الخارجية بشكل كبير بين تسعينيات القرن التاسع عشر وستينيات القرن العشرين فقد صدرت الولايات المتحدة الامريكية سلع مصنعة غالية الثمن واستوردت مواد أولية رخيصة تحتاجها في صناعاتها المحلية , إضافة الى تصديرها رأسمال ( الاستثمارات الخارجية ) الذي توفر لها عبر التاريخ . ففي عام 1880 كانت الاستثمارات الخارجية الامريكية تعادل 1.6 مليار دولار , صعدت الى 175.2 مليار دولار عام 1978.
وفيما كانت الولايات المتحدة الامريكية تتوسع في تجارتها واستثماراتها الخارجية , كانت أروبا متعبة بعد ان دخلت حربين عالميتين . وبحلول الستينيات من القرن الماضي وصلت الولايات المتحدة قمة اقتصادها وقوتها التجارية . ففي عام 1950 , كان الإنتاج المحلي الأمريكي يعادل انتاج العالم بأجمعه . انتاج بريطانيا كان لا يساوي اكثر من 13% من انتاج أمريكا , فيما كان انتاج فرنسا وألمانيا الغربية واليابان يساوي 10%, 8% , 4% على التوالي . خلال الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للأسلحة , المخزن العالمي للذهب , و زعيمة الاستثمارات الخارجية .
كانت صادراتها تمثل ثلث صادرات العالم , واكثر من ربع العالم من البضائع المصنعة . مشروع مارشال وان ساعد أروبا الوقوف على قدميها ولكن في الأخير أصبحت مساعدات هذا المشروع أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية عليها , بعد تأسيس حلف الناتو الذي تزعمته الولايات المتحدة الامريكية وبذلك أصبحت أروبا كوكب يدور حول أمريكا .
وبنفس الوقت , استطاعت الولايات المتحدة الامريكية توسيع علاقاتها مع دول العالم الثالث , وأصبحت الكثير من المستعمرات التي كانت تحت سيطرة اروبا , ضمن الكوكب الأمريكي , وذلك عن طريق تقديم المساعدات العسكرية والقروض المالية لدول معروفة بفسادها المالي والسياسي ,وبذلك أسست الولايات المتحدة نظام استعماري جديد , ولكن بدون احتلال على الطريقة الاوربية .
وبدخول الستينيات من القرن الماضي أصبحت الولايات المتحدة , القس المقدس , مفروض الطاعة والولاء له وأصبحت أروبا الغربية , اليابان , ودول العالم الثالث تحت السيادة الامريكية . وحتى الوكالات مثل صندوق النقد الدولي و البنك الدولي , والأمم المتحدة يد أمريكا في تعاملها مع العالم , تجاريا وسياسيا. وفي مثل هذا الواقع سيكون ليس من المدهش ان يكون الدولار سيد العملات العالمية والعجز التجاري لا يشكل مشكلة بعد ان خرج العالم من قاعدة الذهب.
الاستفراد بالعالم لم يعش طويلا , عناصر داخلية وخارجية ادتا الى تقويض الهيمنة الامريكية على العالم ومنها :
أولا. التحدي السوفيتي لم ينتهي بنهاية الحرب العالمية الثانية وانما استمر اقتصاديا وسياسيا واصبح أداة لتصدع التحالف الأمريكي الغربي.
ثانيا. تمكن الاقتصاد الأوروبي بالوقوف على قدميه وبنمو سريع في ستينيات القرن الماضي . بدخول 1972 اصبح الإنتاج المحلي لأوروبا واليابان اكبر من حجم الإنتاج الأمريكي . وبالمقابل فان حصة الولايات المتحدة من السوق العالمي تراجعت بقوة . ما بين 1950 و 1972 تراجعت حصة صنع السيارات من 82% الى 29% , وكذلك انتاج الحديد من 55% الى 20% , وصناعة الطاقة من 50% الى 33% . وفي نفس الوقت استطاعت الدول الصناعية الأخرى اخذ حصة اكبر من الأسواق العالمية . ازدادت استيرادات الولايات المتحدة الى 300% بين عام 1965 و 1970 , فيما كانت صادراتها من السلع بنسبة 80% خلال نفس الفترة.
ثالثا . الهيمنة الامريكية على العالم الثالث تراجعت أيضا , بعد ظهور حروب التحرير ودول جديدة تريد الاستقلال وترفض الهيمنة الأجنبية . الولايات المتحدة لم تستطع التعامل مع عقوبات اوبيك ضدها عام 1972, ولم تستطع التعامل مع الثورة الإسلامية في ايران عام 1979 .
رابعا. ظهور الشركات المتعددة الجنسية . هذا الظهور قلص حجم رأسمال المتوفر في أمريكا وكذلك فرص العمل لعمالها , وادى الى توسع الإنتاج في دول خارج حدود الولايات المتحدة وادى الى توسع فجوة التجارة الامريكية الخارجية , فظهر العجز التجاري لأول مرة في ميزان مدفوعاتها عام 1971.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى