رأي

الوقت المقتطع

خليل قانصوه
طبيب متقاعد

لا غرابة في أن موقف المرء من الوقت يتغير توازيا مع تقدمه في العمْرِ ، لا سيما أنه يعلم في وعية و لا وعيه ، أن مدة عيشه محدودة ، و أن انعكاس ذلك ظاهر في تحول سماته الجسدية و من خلال أحاسيسه في ذات نفسه .
ما يهم في الواقع ، ليس هذه الأمور البديهية و لكن هي المتبدلات التي تطرأ باستمرار على العيشة ، وتحديدا تلك التي داخلتها في العقود الزمنية الأخيرة ، فكان طبيعيا أن يتأثر بها سواءً أبناء الجيل و الأجيال التي سبقته و أتتت من بعده .
لا نجا في الحقيقة بالقول أن الاوقات التي تضيع من أعمارنا يتزايد طولها تدريجيا ، تلازما مع تطور طرق العيش الجماعية ، في مختلف القطاعات الإدارية الرسمية و الخاصة منها ، او المخصخصة ، هنا تجدر الملاحظة إلى أن ارتفاع مستوى العمر المتوقع ، أي زيادة عدد المتقاعدين و المسنين بالإضافة إلى متغيرات العمل على النواة العائلية ، يتطلب منطقيا و حضاريا ، بحسب رؤية إنسانية ، تقوية و توسيع نطاق العيش المشترك ، على عكس مما يجري من خصخصة و استغلال في قطاع الخدمات الإجتماعية ، يرجحان كفة الوقت البيولوجي على الوقت الإنساني ,
من البديهي أن مقاربة موضوع الوقت ، بحساب أعمار الناس ، على ضوء المستجدات المتواصلة في الحياة اليومية ، تستلزم الاستفاضة في البحث و الإستعانة بذوي الإختصاص في العلوم الإجتماعية و الطبية ، لذا نكتفي ضمن حدود هذه المقالة بالإشارة إلى بعض الأمثلة .
ـ تتيح الأتمتة الآلية ، في طلب و انجاز المعاملات الرسمية ، مثل جواز السفر و بطاقة الهوية ( أي استخدام شبكة الإتصالات ، و البرامجيات الأدارية ) ، للإدارة من حيث المبدأ تخفيض عدد الموظفين ، مقابل قيام صاحب الطلب ، بالتعويض عنه ، بعد أن يتمم الإجراءات التي تسمح له بالدخول إلى موقع الإدارة و من ثم التفاعل مباشرة مع البرنامج المناسب ، الأمر الذي يستغرق منه و قتا ، قد يصل أحيانا إلى عدة ساعات أو عدة عدة أيام .
ـ يمكننا أيضا القول أن أتمتة طلب المواعيد آليا في حقل الإستشارات الطبية على سبيل المثال ،مستهلكة لوقت المريض ، بقدر ما تحول دون العلاقة المباشرة بينه من جهة و الطبيب من جهة ثانية ، بحيث لا يستطيع هذا الأخير تقييم الحالة المرضية الحقيقة ، و تأثيرها ، و ما قد ينتج عن ذلك من أضاعة للوقت و لحظوظ المعالجة الفعالة ، خصوصا في ظروف خصخصة الخدمات الإجتماعية و الصحية تحت ضغط متطلبات الإقتصاد الليبرالي، و حصرية انتاج السلعة أية سلعة ، و توزيعها.
ـ لا شك في هذا السياق ، أن أجاز التغيير في أي قطاع من العيشة ، صار أصعب و يتطلب وقتا أطول ، نظرا إلى العلاقة الوثيقة التي باتت تربط بين السياسة من ناحية و بين رأسمال و الإعلام من الناحية الأخرى . نجم عن ذلك تشرذم الناس بحيث يكاد أن يكون نشوء جماعة حول فكرة أو حقيقة ، مستحيلا تحت مطرقة الإعلام المأجور و سندان اصحاب النفوذ في دوائر الدولة و مؤسساتها . بكلام أكثر وضوحا و صراحة ، إن النشاط السياسي و الأجتماعي مضيعة للوقت في أغلب الأحيان . فذراع السلطة طويلة و نفودها شامل و ابواقها تصم الآذان إلى حد أن قلب الحقائق الموضوعية إلى أباطيل مرفوضة ، مقدور عليه ، و عكس ذلك بمتناول اليد أيضا على جميع المستويات، بدءا من الحي السكني و القرية إلى معظم بلدان العالم . أين الأحزاب السياسية ؟ و أي مصير لقيه الثوار ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى