تعاليقرأي

المكافأة الحقيقيّة هي النتائج الجيّدة التي تأتي في الختام

رشيد مصباح (فوزي)

**

مداوروش في: الخميس 15 سبتمبر 2022

الموافق لـ: ٢٠ صفر ١٤٤٤ هـ


إحدى الزّميلات مشواري معها كان وجيزا. لكنّ تأثّري بها كان بليغا. نظراتها المسمومة أصابتني في مقتل، بينما كنتُ قد أخذت العهد على نفسي بعدم تضييع البكالوريا والفرصة الأخيرة في تلك السّنة المهمّة.

استطاعت هذه الزّميلة، بخفّة روحها، وتسريحة شعرها ورموش عيونها العسليّة الجميلة.. أن تسلبني إرادتي وتفكيري.

وأذكر أنّني أردتُ ذات مرّة أن أكتب لها رسالة، فانتهيتُ بكتابة سجل “4 أيدي” استعرضتُ فيه كل الأحداث والقضايا. من قضية (إرنست همنغواي) الذي حاول الدّفاع عن نفسه أمام معشوقته التي انتقدت إسرافه في الشّرب. إلى العلاقة المحرّمة التي أقامها (أدولف هتلر ) مع إحدى قريباته. بتُّ اللّلية طولها وعرضها أكتب ثمّ أشطب كعجوز قريش: ((كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًا)). في ليلة “كالحة” شديدة البرودة. بينما أنا جامد جنب الطّاولة أحاول جاهدا توظيف كلمات رنّانة ذات المعنى العميق، أنقل كلمة من هنا وكلمه من هناك.. والثّلج يتسلّل عبر زجاج النّافذة المكسورة، ووالدتي -رحمة الله عليها- مشفقة على حالي تتفقّدني بين الفينة والأخرى، تعتقد المسكينة أننّي أراجع دروسي استعدادا لإمتحان البكالوريا، تدعو لي بالتّوفيق والنّجاح.

استحضر الأوقات الرّرومنسيبّة التي عشناها لحظة بلحظة؛ رومنسية ولكنّي لستُ متأكّدا إن كانت هي الأخرى تشاطرني فيها؟

مرّة نقف أمام البو”ابة الكبيرة، ومرّة لستُ أدري أين؟..، وكانت تعشق الفرنسيّة.

وذات مرّة قالتْ لي بالفرنسي: “أنت خجول”.

فتصبّب وجهي عرقا. وطفشتُ، وكدتُ أغيب عن الوعي.

لم تدم العلاقة التي بيننا سوى دقائق معدودات.

حدث هذا بعد سنوات “عجاف”.

لكن قبلها؛ حين كنتُ في السنة الأولى ثانوي وعمري لم يتجاوز بعد السّادسة عشر، لم تكن لديّ تجارب في هذا “الفن” و “العوم” الخطير. ولا أعرفُ من العلاقات -الدرامية أو الغرامية- سوى ما أشاهده في المسلسلات التليفزيونية والأفلام الرّومنسيّة (حتّى لا أقول شيئا آخر).

والحقيقة أن الخجل هو الذي كان يحول بيني وبين الجنس الآخر ويمنعني من إقامة علاقة جادّة معه. مثل أولئك المتبجّحين. الفاشل في نظر هؤلاء هو ذاك الخجول الذي لا يستطيع أن يفعل مثلهم. وليس لدى هؤلاء المتبجّحين ما يقدّمونه؛ من تفوّق حقيقي وتميّز في الدّراسة، سوى ما يبدونه من مشاعر هابطة. وأنا أتكلّم عن بعض الزّملاء الذين أعرفهم معرفة وطيدة.

بينما هناك ثلّة من المجتهدين لا يعرفون المزاح وقت الجدّ؛ ولي صديق كان يقضي بقيّة أوقاته في غرفة الأحذية يراجع دروسه حتّى آخر اللّيل. بينما غيره في الأضغاث يغوص.

وانتهت السّنة الأولى من التعليم الثانوي. قضّيتها بين رومانسية (جبران) وأغاني (عبد الحليم)، لم يبق لي منها سوى رائحة النّظام الدّاخلي بنكهة الأغطية والمناشف المستعملة. يتخلّلها فرح بالعودة إلى الديّار؛ أثناء العطل وفي نهاية كلّ أسبوع. والسّعيد هو من حقّق نتيجة مرضية. وللأسف فإن كثيرا من الأولياء لا يعنيه سوى رؤية ابنه، فلذة كبده. ولا تهمّه النّنيجة. وهو الأمر بالنسبة لي؛ حيث كان الفرح قد أعمى بصيرة والدتي – رحمها الله- وطيّب ثراها. فلم تكن تقوى على فراقي. كما لم يكن والدي مهتمّا كثيرا مكترثا لحالي. بسبب ظروف ومكان عمله الشّاقين من ناحية، وتواطؤ صاحب المحل التّجاري الحانوتي الذي كان يخفي عنه كشوف البيانات التي يتلقّاها من ساعي البريد.

ومع نهاية فصل الرّبيع يبدأ المتبجّحون في استعراض قدراتهم الكامنة وتكثر أضغاثهم. لكن المكافأة الحقيقيّة هي النتائج الجيّدة التي تأتي في الختام. و”كلّ إناء بما فيه ينضح”.

ضائع بين أقرانه

الجزء الثاني

(16)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى