أحوال عربيةأخبار العالمأمن وإستراتيجيةفي الواجهة

المخفي من زيارة جو بايدن 1

د. محمود عباس

1

معظم رؤساء أمريكا يدمغون الشرق الأوسط، عادة يعتبرونها زيارة تاريخية، تسبقها وتلحقها ضجة إعلامية، يحركون قضايا عديدة، إقليمية وعالمية، لتكون على مستوى الهيمنة الأمريكية كإمبراطورية عالمية، فعلها كلينتون وبوش وأوباما وترمب، واليوم سار على خطاهم جو بايدن، وفي كل مرة يتم الحوار على القضية الإسرائيلية -الفلسطينية كأحد المنعطفات المهمة، لكن في الواقع، لكل زيارة مهامها التكتيكية والإستراتيجية، والتي تختلف عما يتم الإعلان عنه، وما تنشر في بياناتهم الختامية.

إحدى وعشرون نقطة تضمنتها بيان مؤتمر جدة الختامي، جميعها مواقف روتينية؛ وكأنها صادرة عن مؤتمر القمة العربية، وليس من مؤتمر ترأسها رئيس الإمبراطورية الأمريكية، للتغطية على ما عقدت من أجله والتي ستكون إحدى ركائز الإستراتيجية الأمريكية حول المنطقة والعالم للمرحلة القادمة، وما قيل ضمن قاعة المؤتمر من قبل الرؤساء العرب، وصدرت على أسسه البيان؛ ليس بأكثر من ترضية إعلامية، أو بالأحرى توهيم الدول لشعوبها، أو بلغة دبلوماسية؛ سياسة الأنظمة مع رعاياها.

مصالح أمريكا تتجاوز رغباتهم وما وردت في كلماتهم الروتينية العربية، والتي تركز على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومواجهة التمدد الإيراني-الشيعي. فهي تهدف إلى اتجاهين: آني، متعلق بالطاقة، والصراع الأوكراني-الروسي، وإظهار أمريكا على أنها الإمبراطورية التي لا يمكن تجاوزها بأية قضية. وعلى المدى الطويل، وهو الأهم، الصراع مع الإمبراطورية الصينية الصاعدة، ومحاولة ترسيخ الحلف الأمريكي في العالم، ومن المعروف أن الشرق الأوسط إحدى المناطق الرئيسة بالنسبة لمخططات التمدد الصيني التجاري-الاقتصادي، فهي إحدى أغنى مناطق العالم، وأكثرها اضطرابا، وسهولة في التغلغل.

ففي البعد الأول تم الحديث:

1- عن قضايا جميع دول المنطقة، بدءً من اليمن، والعراق، وسوريا ولبنان، وليبيا، والسودان، وسد النهضة الأثيوبية، إلى البعد الإسلامي، تطرقوا إلى القضية الأفغانية، وإشكاليات الإرهاب، وعرضوا حلول نظرية للجميع، والتطبيق سيظل بذمة الزمن القادم، خاصة ومعظمها، إن لم يكن جلها قضايا تتجاوز قدرة الدول المعنية، وأحيانا قدرة الدول الكبرى ذاتها، لكن بعضها ربما تحتاج إلى الأموال الخليجية، فكم سيكون كرمهم بالدعم، أو ما سيفرض عليهم دفعها تحت منطق المساعدات، كلبنان وسوريا والسودان، التي لن تتجاوز المساعدات الإنسانية، مادام النظام والمعارضة التكفيرية قائمتين في بعض الجغرافيات، وغيرها من الإشكاليات لم تكن بأكثر من متطلبات الواجب البحث فيها، كما هي العادة في مثل هذه المؤتمرات السياسية، أي تبيان موقفهم من قضايا المنطقة.

2- تم الحوار على بناء ما يشبه الناتو العربي-الإسرائيلي-الأمريكي، تحت استراتيجية مواجهة التهديد الإيراني وأدواتها والمد الشيعي في المنطقة، وفكرة الحلف المزمع، ربما القول بأنه كان مجرد حديث عابر، والجميع يدرك أنه مفهوم غير قابل للتطبيق في هذه المرحلة، لكنه مهم بالنسبة لدول الخليج الغنية والمحاطة بخطر دائم، لذا فعرض المشروع بحد ذاته كان نجاحا، وعلى الأرجح سيدرج مستقبلا كخطة، وبعدها سيتطور إلى حوارات، و قد يبدأ به بعد مرحلة تعميق مسيرة التطبيع، وإدراج جميع الدول المعنية، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية، إلى ساحة التطبيع، وإيجاد حل مبدأي عملي منطقي للقضية الفلسطينية-الإسرائيلية بعيداً عن الصراع الديني والصورة النمطية الشاذة والمترسخة طوال القرون الماضية. هذا الطرح، والترويج المبطن له، يشبه بداية عرض فكرة التطبيع وعملية السلام على مبدأ الدولتين، واللتين رفضتا كليا في البداية، واليوم نجدهما من بين أهم بنود الحوارات، وتم تطبيق بعضه.

3- القضية الإسرائيلية-الفلسطينية أكثر من واضحة لديها، مع ذلك يتم ترديد المخطط الأمريكي، وهو بناء الدولتين، مرفقة بشروط مسبقة في حال البدء بالتطبيق، كما وأن إشكالية المستوطنات، وقدس العاصمة، بنود تجاوزتها اللجان الأمريكية، ودعمها لإسرائيل حتى ولو جاءت على أشكال مختلفة تظل في جوهرها هي ذاتها، ورحلة بادين منها دلالة على عدم تغيير الموقف المعروف، وما ورد في خطابات البعض من الرؤساء في المؤتمر كان روتين لموقف سياسي عربي أمام القضية، والتي أصبحت المقياس ما بين الوطنية والخيانة، الإيمان بالإسلام وعدمه، وهو المفهوم الذي تم ترويجه بين المجتمع الإسلامي منذ نشوئه، أي محاربة اليهودية، واليوم يتم تحت منطق الصهيونية، علما أن النص الإسلامي وسابقيه من النصوص تثبت أحقية اليهود في إسرائيل، ويذكرنا القرآن الكريم على أن نبي الله (سليمان عليه السلام) ضم سبأ (بلقيس) إلى مملكته، وبالإمكان على أسسه، حل القضية، بإيجاد الدولتين، فيما لو تم إعادة النظر في المفهوم المطعون فيه.

وفي الحقيقة أبعاد الزيارة وعقد المؤتمر الموسع تتجاوز المذكور، وهو على نقيض إستراتيجية زيارة ترمب الذي قدم إلى المنطقة من مركز القوة، فارضا شروطه لمصلحة أمريكا الحاضرة وشركاتها، مرغما دول الخليج وعلى رأسهم السعودية على عقد صفقات تجارية عسكرية تتجاوز عقدين من الزمن كلفتهم أكثر من نصف تريليون دولار، مع حفاوة غير عادية، أما هذا التجمع والذي حصر في العلن ضمن البروتوكولات الرسمية، ليتم التركيز على:

1- الطاقة، والأزمة العالمية، وهنا سنحصرها في النفط والذي نسبته تتجاوز 31 % حتى اليوم من مزيج الطاقة العالمي، المتفاقمة في الدول الصناعية وعلى رأسها أوروبا قبل أمريكا، وزيادة الأسعار، والتضخم المتصاعد والذي يتجاوز 20 % وفي بعض القطاعات أكثر، خاصة في قطاع الوقود والذي تضاعف خلال الستة أشهر الأخيرة، ومعها أسعار البيوت والسيارات والكهرباء، وهي المواد الأكثر تأثيرا على المجتمعين الأوروبي والأمريكي، إلى أن أصبح الحديث اليومي للشارع الأمريكي ، وضمن قاعات الكونغرس وأروقة البيت الأبيض، والمؤثرة بشكل صارخ على حاضر إدارة جو بايدن، وقادم الحزب الديمقراطي، واحتمال ترجيح الميزان السياسي الانتخابي لصالح الجمهوريين، وهو ما يدفع جو بايدن الحث على تأمين حاجة أوروبا قبل أمريكا، لتعويض النقص الحاصل بعد الحرب التي تخوضها مع أوكرانيا ضد روسيا، وهي من إحدى خلفيات زيارته المطمورة بين السطور إلى المنطقة الغنية بالطاقة.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى