رأي

الكثير…والقليل

 
تَدورُ رَحى عجلةُ الزمان على عَجَل، وتسير بالناس من غيرِ وَجَلْ!؛ وتمَرُ الأيام، وتمضي، وتنقضي السجالات، والمُقابلات، والمقالات، واللقاءات، والندوات، والحوارات، والنجاحات، والانتكاسات والحروب، والمشاحنات، والمُشاكسات، والمشاغبات، والانتصارات؛ كُلها تَنَصرم، وتنصرِفْ، و كُل الأحداث تنتهي، في كُلِ ما كان يدور فيها من حديث بين الكثيرِ من الناس، والقليل منهم، ولا غضاضة في ذلك، ولكن إن النجوى الباقية الفائز أصحابُها هي ما كانت في الفضيلة، وفعل الخير، وعمل الصالحات، وما كان دون ذلك من نجوى، فإننا نكتفي بما جاء في الآية الكريمة التالية: ” لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ”؛ وهذا ينقلنا لِبيت القصيد من هذهِ الخاطرة عن الكثير والقليل فهنُاك بينهُما فرقٌ كبير ِ، وهامِش ليس بالصغيِر!؛ وبُعد بينهما كالبُعَد ما بين السماء والأرض؛ لذلك نوضح الفرق بين الكثير، والقليل وبإيجاز، فلو بحثنا عن حَال أكثر الناس نجد الرد المُحكم في القرآن الكريم؛ حيثُ وردت آيات الكثرة في أكثر من (90) آية، وفي مقابل الكثرة تحدث القرآن عن القلة في أكثر من ثلاثين أية ؛ حيثُ يعتقد معظم الناس أن الحق دائمًا في الكثرة، لكن القرآن الكريم ذم الكثرة، ومدح القلة على جميع المستويات قال تعالى: “وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ”؛ تلك هي حقيقة أكثر الناس للأسف!!؛ فلو نزل فيديو به رقص أو فيلم ماجن، أو صورة تافهة ربما تجد أكثر الناس يعلق عليها ويُعجب بها ألاف، بينما المقال المفيد والكتاب المجيد تجد القليل من يَقَرأهُ، وحتي شكر أكثر الناس لخالقِهم مَنقُوص؛! وصدق الله العظيم القائل: ” وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”؛ فالمتتبع لأوصاف (الأكثرية) في القرآن الكريم، يجد بأنهُ وصف الأكثرية منهُم بأنهم:” فاسقون، وأن أكثرُهم لا يشكرون، وأكثرهم لا يؤمنون، وأكثرهم مشركون، وأكثرهم كافرون، وأكثر الناس ضالون، وأكثرهم يخرصون، وأكثرهم يضنُون، وأكثرهم لا يعلمون، وأكثرهم لا يعقلون الخ..؛ ونورد هنا بعض تلك الآيات يقول سبحانه، وتعالى: “وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ”، ومن الآيات التي ذمت الكثير، وأهله قوله جل جلاله :” أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا”؛ وقال جل جلاله: ” وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا كُفُورًا”؛ وقال عز وجل: ” قُل لَّا يَسْتَوِي الْـخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْـخَبِيثِ”، وقال سبحانهُ: “”فكثير منهم لا يؤمنون، وكثير منهم لا يعلمون”، وكثير منهم لا يشكرون”، وقال تعالى: “وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ “وقال جل جلاله: ” لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ “، وقال تعالى: ” وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون”؛ وقال تعالى: “وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ”، وقال سبحانه: “فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا”، وقال عز وجل: ” وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ”،” وقال جل جلاله : وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ”، وقال جل جلاله: ” فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ “، وقال تعالى: “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ظَنًّا، وقال جل جلاله: “وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”، وقال جل جلاله: “وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا “؛ فهذا هو حال الكثير من الناس لذلك جاء ذكرها في حوالى 90 موضع في القرآن الكريم، وأما حال القليل فنقول بإيجاز، وجيز: يقول الله جل جلاله: “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ”، وقال تعالى: ” وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”، وقال جل جلاله: ” وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا”، وقال جل جلاله: “وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْـمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ “؛ وعن القليل سمع سيدنا عمر رضي الله عنه رجلاً يقول: “اللهم اجعلني من القليل”!؛ “فقال عمر: ما هذا الدعاء”؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: “وقليل من عبادي الشكور”، فقال عمر رضي الله عنه: “كل الناس أعلم منك يا عمر”.
لذلك فإن القرآن الكريم من خلال وصفه للأكثرية، وصفهم بتلك الأوصاف ليكشف طبيعة النفس البشرية في كل زمان ومكان، لكي يحملها على مخالفة أهوائها، ولجم شهواتها، والحد من رغباتها؛ فالآيات التي ذمت (الأكثرية) ينبغي أن تقرأ ضمن سياقاتها التي وردت فيها، وأن تُفهم، وفق أسباب نزولها؛ إذ الأغلب في تلك الآيات وردت في حق أقوام معينين، وبالتالي فذم (الأكثرية) ليس على إطلاقه، والأقلية في اللغة ضد الأكثرية، والقِلَّة في اللغة العربية تُقابِل الكثرة، ومنها القليل، والأقل؛ لذلك نجد القليل هُم مَن يُؤْمِنُونَ، والقليل هم من يجاهدون قال جل جلاله: “فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ”؛ والقليل هم من يتحلمون، والقليل هُم من يصبرون قال سبحانهُ وتعالى: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ”؛ وقال جل جلاله: “وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا”، بمعني أن الكثير من الناس والعياذُ بالله يتبعون خطوات الشيطان!!؛؛ نسأل الله عز، وجل أن يجعلنا وإياكم من الذين طال عمرهم وحسن عملهم ومن عبادهِ الذين يمشُون على الأرض هونًا ومن القليل الشكور .
الباحث، والكاتب، والمحاضر الجامعي، المفكر العربي، والمحلل السياسي
الكاتب الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين
رئيس مجلس إدارة الهيئة الفلسطينية للاجئين، عضو مؤسس في اتحاد المدربين العرب
عضو الاتحاد الدولي للصحافة الإلكترونية
dr.jamalnahel@gmail.com

دكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى