ثقافةدراسات و تحقيقات

القراصنة الأتراك في الجزائر من خلال الأسير الهولندي 1816.1814

مقدمة:

أنهيت البارحة قراءة الكتاب الثّالث الذي اشتريته من #معرضالكتاببالشلف :

g.metzon: “journal de captivité à ALGER (1814-1816), traduit en français par: g.h bousquet, et g.w bousquet mirandole, edition houma, 2012, ALGER, ALGÉRIE, contient 46 pages.

بعض ماذكره الأسير الهولندي لدى قراصنة الأتراك:

يتحدّث الكتاب عن وقوع هولندي أسير لدى قراصنة الأتراك بالجزائر سنتي 1814-1816.

ويتحدّث عن الحياة اليومية للأسير الأوروبي لدى قراصنة الأتراك. ومفاوضات السفراء الأوروبيين من أجل التفاوض لإطلاق سراحهم، وعملية القرصنة التي يقوم بها الأتراك بشكل مستمر ضدّ السفن الأوروبية، والاستحواذ على ما فيها، وتحويل قبطانها وركابها إلى أسرى وعبيد.

يتطرّق للشروط التي كان يضعها قراصنة تركيا، لإطلاق سراح الأسرى الأوروبيين،.

وأسر السفراء من طرف قراصنة الأتراك، كما حدث مع السفير الإنجليزي في الجزائري، حيث تمّ تقييده بالسلاسل في بيته، والاستيلاء على خدمه، وتحويلهم للعمل في الميناء، بسبب مساهمته في فرار أبناىه. والعقوبات المسلّطة على السفراء الأوروبيين بسبب التأخر في تقديم الهدايا في الوقت المحدّدّ.

وقف القارىء المتتبّع، على إعجاب الأسير الهولندي -ولم يعلن ذلك-، بقوّة القراصنة الأتراك من حيث السّرعة الفائقة في الاستيلاء على بواخر الأوروبيين، والخفّة الفائقة في الاستيلاء على سفنهم، والاستحواذ على مافيها من بشر ومتاع، بسرعة خارقة ودون خسائر.

يذكر الكاتب، أنّ الأتراك كانوا يشربون الخمر، ويصومون شهر رمضان.

قراءة القارىء المتتبّع للقراصنة الأتراك بين الأمس واليوم:

يعترف القارىء المتتبّع ، أنّه قرأ هذا النوع من الكتب في شبابه، وكان يرى -في حينها-، القوّة والعظمة للجزائر، والدولة العثمانية يومها. لكن، صاحب الأسطر يعترف أنّ نظرته تغيّرت بشكل جذري. كيف ذلك؟.

اليوم، وبعد مرور السّنوات، وتراكم القراءات، وجب القول: في اللّحظة التي كانت أوروبا تتنافس فيما بينها حول الاختراعات والاكتشافات، وحول أيّهم يكون له فضل السّبق، والقوّة، والعظمة كان الأتراك في الجزائر -أقصد المراحل الأخيرة من حكمهم-، في غاية التخلّف والتقهقروالهمجية، ولم يستفيدوا من عالم الاختراعات والاكتشافات التي شهدتها أوروبا يومها، وبما ينفع الجزائر، ويردّ عنها الاستدمار الفرنسي. والسؤال: لماذا؟ وكيف؟

واضح أنّ هناك أسبابا لمنع وتأخر وامتناع الأتراك عن الاستفادة من اكتشافات، واختراعات أوروبا يومها.

قواعد لفهم القراصنة الأتراك، ولماذا لم يستفيدوا من الاختراعات والاكتشافات الأوروبية:

ليس من مقاصد المقال التطرّق للوجود العثماني الجزائر، ولا لبدايات وجوده، إنّما يتطرّق لفترة أواخر الوجود التركي والتحضير للاستدمار الفرنسي، حيث التخلّف، والضرائب، والتدهور الأخلاقي، والظلم المسلّط على الجزائريين،

لست ضدّ القرصنة المتّبعة من طرف القراصنة الأتراك، لأنّ القرصنة كانت -بالتعبير المعاصر-، من قواعد المجتمع الدولي يومها، وكانوا كلّهم يمارسون القرصنة بشكل أو بآخر.

هذه الأسطر ليست موجّهة للحاقدين على الوجود العثماني بالجزائر، ولا لعبيد تركيا، إنّما هي موجّهة للحرّ الأصيل، الذي يحسن أدب الثّناء علانية وبأمانة، ويتقن أدب النقد صراحة وبشجاعة.

الأسير الأوروبي بين القراصنة الأتراك بالجزائر، والاستدمار الفرنسي للجزائر:

من أراد أن يطيل الحديث عن الأسرى الأوروبيين من طرف القراصنة الأتراك وتحويلهم إلى عبيد، فهو مطالب في الوقت نفسه بالحديث مطوّلا عن الأوروبيين الذين ارتكبوا جرائم فاقت جريمة الأسر والعبودية: وهي: احتلال شعوب بأكملها، ونهب خيراتها، وانتهاك أعراضها، واغتصاب بناتها، وتحويل قارات بأكملها إلى عبيد، وعلى رأسهم كبيرهم الاستدمار الفرنسي للجزائر الذي علّمهم الاحتلال والنّهب والاغتصاب.

تتعلّق المسألة بمقارنة بين ماقام به القراصنة الأتراك للأوروببين، وما قام به الأوروبي من النهب والاغتصاب الذي سلّطه على العالم، ومنها الجزائر.

لم يذكر الكاتب، وهو الأسير مدّة عامين عن تعرّض أيّ أسير أوروبي للتعذيب على أيدي القراصنة الأتراك وبشهاداتهم، ولم يمت أحد من الجوع. ويكفي أنّه كان يقدّم لهم الخمر من طرف القراصنة الأتراك، ويزورهم القناصلة ويمنحوهم اللّباس والمال، ويزورهم القساوسة ويمنحوهم الطعام، ويتم التفاوض بشأن إطلاق سراحهم.

يمكن للعاقل بعدها، أن يقارن بين وضعية الأسير الأوروبي لدى القراصنة الأتراك بالجزائر، ووضعية الأسرى الجزائريين لدى سجون الاستدمار الفرنسي، والتي كتبت عنها كثيرا، وأطلقت عليها -وما زلت، وأظلّ-، وصف… صناعة التعذيب.

القراصنة الأتراك ليسوا قدوة ولا مثالا، ولا يأخذ منهم في كيفية التعامل مع الأسرى، وهم قوم همج بربر شداد غلاظ، لايعرفون شفقة ولا رحمة. وقد صدق الأسير الهولندي في صفحة 28، حين وصف القراصنة الأتراك بالجزائر، فقال بالحرف -وحسب ترجمتي-: “هذا البلد الذي لايرحم”.

للأمانة، بعد الانتهاء القارىء المتتبّع للكتاب، قارن بين وضعية الأسرى الأوروبيين لدى القراصنة الأتراك بالجزائر، مع وضعية الأسرى الجزائريين لدى الاستدمار الفرنسي، فوصل لهذه القاعدة: هذه فنادق وليست سجون.

وللتدليل على ذلك، يكفي أنّي دوّنت بخط يدي على صفحة 30 من الكتاب، وقلت بالحرف: “كانت العملية على الشكل التّالي: أسر الأوروبيين من طرف القراصنة الأترك. ثمّ تدخل الدول الأوروبية عبر القناصل المتواجدين بالجزائر لإطلاق سراح أسراهم. ويحدث هذا دون ضجيج، ولا قطع العلاقات، ولا تهديد، ولا ضغوط”.

الأسير الأوروبي لدى القراصنة الأتراك من عوامل استدمار الجزائر:

ممّا وقفت عليه وأذكره لأوّل مرّة، أنّ الأوروبيين الذين وقعوا أسرى وعبيدا، لدى القراصنة الأتراك، نقلوا أسرارا عن الجزائر والقراصنة الأتراك، واستغلّت فيما بعد لاحتلال الجزائر، وكانوا إحدى عوامل احتلال الجزائر، بالإضافة إلى الدبلوماسيين الذين نقلوا كلّ صغيرة وكبيرة عن الجزائر. وأنصح في هذا المجال بالذات، -وكمثال بسيط-، قراءة كتابين، وهما:

الأوّل: كتاب: مذكرات: “وليام شارل، قنصل الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر 1816-1824″، تعريب، وتعليق، وتقديم الأستاذ: إسماعيل العربي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع, 1982، من 350 صفحة

ويتحدّث عن الدبلوماسيين الجواسيس من أوروبيين، والولايات المتحدة الأمريكية، ودورهم في استغلال نقاط ضعف الدولة العثمانية، لاحتلال الجزائر، وهي في غفلة عن أمرها،

الثّاني: كتاب: “الديوان الإسبرطي” للأستاذ: عبد الوهاب عيساوي Abdelouahab Aissaoui، دار ميم للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى، السداسي الثاني، 2018، من 387 صفحة.

واستطاع الكاتب، أن يرسم وببراعة، وصدق، وأمانة، كيف عاد الأسير الفرنسي مع الجيش الفرنسي المجرم المحتلّ ليحتلّ الجزائر، ويقدّم للجيش المجرم المحتلّ كلّ الأسرار التي وقف عليها، وهو أسير لدى القراصنة الأتراك.

الأتراك المجاهدين بداية، والقراصنة نهاية

عاتبني صديق: “للإشارة فقط كانوا مجاهدين مش قراصنة؟”.

أجيب: أتحدّث عن أواخر الحكم العثماني بالجزائر، حيث كانوا قراصنة، والقرصنة -يومها- لم تكن عيبا، ولا شتيمة، وكانت مظهرا من مظاهر المجتمع الدولي، وبدرجات متفاوتة، وظاهرة صحية.

لست ضدّ القرصنة المتّبعة من طرف القراصنة الأتراك، فقد كانت ظاهرة دولية.

وسؤالي: لماذا عجز القراصنة الأتراك، من الاستفادة من الثّورة العلمية يومها، والمتمثّلة في الاكتشافات والاختراعات الأوروبية يومها؟.

حين نتحدّث عن القراصنة الأتراك، نتحدّث أيضا عن القراصنة الأوروبيين.

من الظلم البيّن، حصر الأوروبي مفهوم القرصنة في القراصنة الأتراك، دون القراصنة الأوروبيين. ومن الظلم أيضا، نفي القرصنة عن القراصنة الأتراك، واعتبارها جهادا وليس قرصنة. مع العلم، القرصنة -حينها-، ظاهرة دولية معترف بها، ويمارسها الجميع؟.

الشلف – الجزائر

معمر حبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى