تعاليقثقافة

العلم و الصهيونية

محمد السيد السّكي

نظر ابو سلمة البنغالي بحنق الى التلفاذ وهبّت بداخله عواصف الكره للصهاينة اليهود الذين يشاهدهم وهم يبطشوا باطفال فلسطين ونسوتها بقسوة وعدم انسانية..
وصاح ثائراً وقال : لابد أن انضم إلى تنظيم داعش واذهب لاقتل الأجانب الذين ببلادنا بلا رحمة فهم يرون تلك التعديات على مقدساتنا وأهلنا الملسمين ولا يحركون ساكناً..
وبينما هو في صراع وحديث مع النفس تدركه سنة من النوم تأخذه في رحلة عجيبة حيث يجلس في ردهة استوديو بامريكا استعداداً لتصوير مناظرة معه ومع باروخ الشاب الاسرائيلي، فخلال دقائق سيبدأ البث و كان الجمهور الحاضر هو قطاع عريض من الأمم والاديان..
وما ان بدأت المناظرة حتى سأل شاب قدّم نفسه بأنه شاب من لندن ذات الأكثرية اللادينية وقال للمتناظران : ما الذي قدّمه دينكما وقومكما لنا؟
فهم كل منهما ان يجيب ولكن انقطع الصوت فلا يخرج من افواههم واذ بالجمهور يتناوب شبابه وشيوخه الاجابة..

كل معتقدي الاديان يعتقدون بانهم هم حملة لواء الحقيقة وأنهم هم على حق وما سواهم على باطل. الا اننا كبشر في الدنيا نلهث بطبيعتنا الى اصحاب المنفعة ونحب ان نصعد الى تلك القاطرة التي معها نشعر بالتمدن والحضارة وسمو الإنسانية ونبذ الحيوانية الدونية واعلاء مبدأ الخلافة الإنسانية التي منحها الله للبشر دون باقي المخلوقات..
لقد فطن اليهود الي أهمية وجود صك المنفعة الذي يجعل الأمم في حاجة اليهم فصاروا منذ بداية القرن العشرين العملة الرابحة التي تقدّم للعالم المعرفة و العلوم..
لقد قدم اليهود الألمان المثل في كيفية أحداث بعث جديد صارت لليهود من بعده انفاساً بعدما كانوا في أوربا مضطهدين بل ويصب المسيحيون الأوربيون سخطهم عليهم ولعناتهم ويتشاءمون منهم ويتطيرون كلما مرت بهم موجات مرض الطاعون..
صارت فيزياء القرن العشرين تعرف باسم فيزياء اليهود وصار لليهود نصيباً مقسوماً في جائزة نوبل على امتداد المائة والعشرين عاماً المنصرمة.. فلقد حصل اليهود على مايقرب من ٢٠٠ جائزة نوبل في الكيمياء والفيزياء والطب والاقتصاد والآداب مما يشكل حوالي ٢٥ ٪تقريباً من محصلة جوائز نوبل على مدى التاريخ..
يصرخ اسم باروخ لا ليذكرنا بسفر باروخ الابوكريفا وإنما ليذكرنا العالم به في هيئة عالم المناعة الكبير باروخ بن الصراف اليهودي المغربي الأصل والذي حصل على جائزة نوبل في الطب عام ١٩٨٠ لاكتشافه مجموعة من الجينات مسؤولة عن ظهور أمراض المناعة الذاتية..
ليس غريب علي العالم الذي يبحث عن النافع ان يسمي فوهات كوكب الزهرة على اسم العالمة اليهودية العظيمة جيرتي كوري التي حصلت على جائزة نوبل في الطب عام ١٩٤٧ لمجهودها العظيم في علم الكيمياء الحيوية و اكتشاف الأيض الغذائي للكربوهيدرات..
ولا تنزعج عندما ترى أن اسم السفاح شارون تخلّده أقمار بلوتو فلقد مسكوا ناصية الحصان الكاسب الذي وجد معه العالم مصدر المعرفة والتمدن..
وانى لاشعر بحسرة القاهرة التي يتمتم لها في الخفاء قاهر السماء “كوكب المريخ” قائلاً لها انا الذي حملت اسمه في الأرض فأنا قاهر السماء وانت قاهرة الارض.. يالها من حسرة ذابت دمعتها في كأس لايجد البشر فيه رصيد منفعة تقدّمه لهم أمة الإسلام..
لم يحصد المسلمون سوى عشر جوائز نوبل في حين ان العلوم يزينها اسماء اليهود فهذا اينشتاين وذاك نيلز بور وما ريتشارد فانيمان عنهم ببعيد..
لقد غير اليهود أوراق اللعبة وصاروا أمة مؤثرة في المعرفة وفي الاقتصاد رغم عددهم الذي لا يتجاوز سبعة عشر مليون نسمة؛ ولكن المسلمين رغم عددهم الذي يتجاوز ١.٧ مليار نسمة الا انهم أمة لاتترك النافع في الأرض طبقاً لنفعية العالم وطبقاً لمبدأ الاستخلاف الذي اودعه الله في آدم وذريته..
الاهتمام بالعلم هو السبيل الوحيد لرفعة الأمم والاهتمام بماينفع الناس ويدفع تربينة تمدنهم وفنونهم وآدابهم الي الامام..
وعليك أن ترى ما هو التاثير الايجابي الذي صنعه لاعب الكرة محمد صلاح في النفسية الأوربية والعالمية وما اوجدته الفنون كقوة ناعمة تجعل إذاعة اورشاليم تصدح دائماً باغاني هرم مصر الرابع ام كلثوم وتجعل الاسرائليون يحبّون فن عادل امام..
الا يهتز قلبك عندما تعلم أن بلفور ذلك الذي نذكر وعده للكيان الاسرائيلي عام ١٩١٧ ولا نعلم انه كان في عام ١٩٠٥ من اشد الناس عداوة لليهود والصهيونية بل انه كان ضد هجرة اليهود من روسيا الي أوربا وبريطانيا..
يقول بلفور : لقد صهينني الاسيتون !!
لقد كان للصهيوني اليهودي الروسي العالم الكبير حاييم وإيزمان دوراً كبيراً في أحداث تحول في فكر بلفور، اذ ان حاييم وإيزمان قام بدور عظيم في إنتاج كميات كبيرة من الاسيتون الذي له دور كبير في عملية إنتاج الكوردايت وهي مواد متفجرة تستخدم في الصواريخ والتي كانت لها دوراً هاماً ساعد الانجليز في الحرب العالمية الأولى وضمن تفوقهم..
لم نعد تلك الأمة التي يشتاق الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يرى ثمرة نفعها للناس وان تكون مثالاً يحتذى به في العطاء والتقدم وارساء التمدن القائم على اركان العلم والاخلاق والايمان..
كن على يقين ان البشر جميعاً لابد أن تخرج منهم قاذورات وأشياء مقيتة ولكن يبقى وزن قيمتهم طبقاً لميزان المنفعة الذي ترجح كفته لذلك الثقل الذي يمثل النفعية للعالم.. فان فهم المسلمون ذلك وصاروا ثقلاً في ميزان النفعية وطبقوا صحيح الدين وتخلقوا بأخلاق النبي الخاتم الكريم – عليه الصلاة والسلام – فإنهم سيقلبوا معادلةميزان الأمم وسيكونوا هم الثقل الرابح ولكن بدون قاذورات وفضلات تشمئذ منها الفطرة..

وما ان افاق ابو سلمة البنغالي من نومه حتى صغر في نفسه عندما أدرك الحقيقة وصارت دموعه تنساب على اهل بنغلاديش الذي يطحنهم الجوع وأهل سوريا الذي تدكهم صراعات الاثنية واطماع الحاكم..
لابد من السعي للحاق بركب الأمم ويكفينا ان نعلم ان عدد جامعات أمريكا هو ثلاث أضعاف عدد جامعات الدول الإسلامية وان ميزانية البحث العلمي في إسرائيل اضعاف ميزانية الدول الإسلامية مجتمعة..
لقد نظر ابو سلمة في المرآة فلم يجد نفسه الا شبيهاً بجهلة داعش وسمياً لصبيتهم الطائشين ولم يجد بداً من كسر تلك المرآة التي هي تجسيداً لامتنا هشة الأسنان..

اشتاق لتلك الأمة التي يتقاطر عرق أبنائها في الأرض فيرويها نفعاً و تمدناً وحضارة واشتاق الي وجه تلك الأمة الضاحك الملئ بنور الأخلاق وميراث النبوة وباشراقة الاعمار وضحكات السلام والمحبة والايمان..

وهناك فارق كبير بين صهيونية الاسيتون وصورتنا في المرآة..

بقلم د. محمد السيد السِّكي استشاري تحاليل طبية وكاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى