أخبارأخبار هبنقة

العلكة وربطة العنق

العلكة وربطة العنق

محمد حسن البشاري

عند قراءتي لرواية العلكة لمنصور بوشناف خلال الأسبوع الماضي تذكرت موضوع ربطة العنق (القرواطة) في ليبيا فهي مثل العديد من الأشياء الأخرى تعرضت للمنع أو الازدراء من القذافي مثل العلكة أو أكثر فتذكرت بأنني في سن الطفولة كنت أحب أن ألبس ربطة عنق سوداء قصيرة على شكل فراشة مربوطة مسبقا وجاهزة للبس بخيط مطاط (أستيك) أضعها حول رقبتي مع بدلة الأطفال الرسمية في عيد الفطر خصوصا وفي بداية السبعينيات تفاجأنا بعبارة:”خانق روحه بالقرواطة ، ناسي مصدرها بعباطة” ينادي بها المتظاهرون في كل مكان من الاتحاد الاشتراكي الى الشوارع والمدارس وبمناسبة وبغير مناسبة فلم أعرف السبب وراء غضب الجماهير من ربطة العنق ولا أعرف الى الان مصدرها وبطبيعة الحال عرفنا أن هذا الهتاف كان من وحي القذافي نفسه وصار على نهجه كل الثوريون فظلوا بدون لبسها فترة طويلة الا بعضهم ممن وجدوا أنفسهم سفراء أو وزراء أو مدراء تنفيذيين في المؤسسة الوطنية للنفط أو غيرها من الشركات خصوصا الأجنبية منها وظل الاوفياء للقذافي من أبناء عمومته والمقربين منه لا يلبسونها حتى مقتله.
وبالنسبة لي ظللت أشعر بنقص كبير لعدم معرفة عقدها ولم ألبسها الا بعد شرائي لبدلة من مصر في شهر سبتمبر من عام 1989 وبعد إهدائي لربطة عنق عليها شعار الخطوط الهولندية KLM من نسيبي في عام 1990 بعد تقدمي لخطبة شريكة الحياة (وهو خالها) طلبت منه عقدها وظللت ألبسها وسط اعجاب كل الموظفين معي في الشركة ولم أتعلم عقدها حتى بعد تمضيتي لأكثر من ستة شهور في دورة تدريبية في بريطانيا بعد حفل الزفاف مباشرة في فبراير 1992 وفي كل الحالات كنت أستعين بمن يعرف عقدها وأكون حريصا على خلعها بعقدتها لألبسها ثانية وهكذا ولم أتعلمها الا بعد سكني مع نسيبي في بريطانيا في أبريل 1995 الذي تعلمت منه نوعين من العقد في جلسة سريعة احداها بسيطة وسريعة لم ترق لي والأخرى معقدة ولكنها جميلة استمريت في عقدها الى الان و من ذلك الوقت كنت أشتري أي ربطة عنق تعجبني ويكون سعرها مناسبا والطريف في الامر أن واحدة كنت قد اشتريتها سابقا في عام 1992 بسعرها الأصلي بدون تخفيض فيها لأنني كنت قد اشتريت البدلة التي كان فيها تخفيض يصل الى 50% على الأقل وقميص ملائم لها وكنت حريصا على شراء ربطة العنق من الجزء الذي لا يحتوي على التخفيض من أكبر محل في بورموث Beales Flagship Store وكنت ألبسها في الاجتماعات أو المناسبات الهامة مثل الأعياد وحضرت عيد الأضحى عام 1995 في ليدز – بريطانيا فلبست البدلة المذكورة مع ربطة العنق تلك وعند خروجي من المسجد بعد صلاة العيد قال لي أحد الدكاترة :”كيف يا محمد تلبس في القرواطة هذه؟” – “كنها ؟” –”تي هذه حرير وهي حرام ” – “فخلعتها وقرأت مكوناتها وفعلا كانت حرير 100%” ولم ألبسها قط الى ان رجعت الى ليبيا في نهاية العام لجلب العائلة معي فأهديتها الى نسيبي الذي أهداني سابقا ربطة عنق KLM ومن ذلك الوقت صرت أركز كثيرا على مكونات ربطة العنق قبل شرائها بحيث لا تحتوي على أي نسبة من الحرير الى حوالي عام 2000 تقريبا عندما دخل أحد الزملاء الى مكتبي في رأس لانوف فوجدني أصلي الظهر فجلس ينتظرني حتى فرغت من الصلاة وكنت أضع قلم الحبر الجاف وهو هدية من الشركة يحمل شعارها وذهبي اللون في جيب القميص لأتفاجأ به يقول: “كيف يا محمد تصلي بقلم الحبر وهو في جيبك ؟” – “كنه شنو فيه؟” فقال لي : “هذا مغطس في الذهب ولا يجوز الصلاة به على الأقل” فنزعته ووضعته في الدرج” وما أن انتهينا من الحديث وخرج حتى كتبت في مفكرتي: “مناقشة الوالد في القرواطة و البيرو” ضمن موضوعات أخرى أعتدت على تدوينها كلما هممت بالنزول الى بنغازي لمناقشتها معه فقد كان مستشاري الأول في الدين وفي السياسة والاجتماع والتاريخ وفي كل المواضيع التي تصادفني في حياتي وفعلا في أول نزول الى بنغازي وبعد أن انتهيت من تناول وجبة الغذاء مع الوالد وفي انتظار شاي ما بعد الغذاء الأخضر أريته القلم متسائلا: “شنو رأيك في هذا يا باتي” – وبدون أن يغير من اتكائه على جانبه الأيسر ودون أن يلمسه قال: “كنه شنو فيه” – “هذه باركر” وكنت أعلم حبه لهذه الماركة متوقعا أن يأخذه مني ولكنه لم يفعل وظل مستندا على مرفقه واضعا يده على خده فحكيت له قصة القلم وربطة العنق فقال لي :”يا محمد الحرام هو نقاش مثل هذه المواضيع و عموما فلبس الحرير يكون حراما اذا كان يحيط الجسد أما القرواطة أو المنديل فلا بأس بهما والقلم اذا كان مغمس في الذهب وهذا ما أشك فيه لا يوجد ما يفيد تحريمه” هكذا بكل بساطة أفتاني الوالد الذي درس الى السنة الثالثة الابتدائي في جالو خلال الحكم الإيطالي بالإضافة الى الكُتّاب بطبيعة الحال إلا أنه لم يكف يوما عن الاطلاع على شتى المواضيع والديني على وجه الخصوص وتم الدفع به للإمامة في جامع النخلة القريب من محله الصغير في سوق الجريد الى أن أممه القذافي في 19/05/1981 ومكوثه في البيت بعد رفضه للعمل فيه كموظف والسؤال الذي يلح عليّ في كل الأمور المشابهة لماذا يفتقد المتعلمون الذين أفنوا أعمارهم في الدراسة في أكبر الجامعات ليس في ليبيا فقط بل وفي جميع أنحاء العالم المتقدم وفي جميع المجالات وتبوء أكبر المناصب هذا الحس الطبيعي Common sense فليرحمك الله يا والدي رحمة واسعة فقد كنت نبراسا لي ولغيري وافتقدك في كل وقت وحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى