أخبار العالمأمن وإستراتيجيةفي الواجهة

العالم إلى أين، بعد الحرب الروسية-الأوكرانية؟!

آصف ملحم
باحث وكاتب

إنّ السؤال حول مآلات الأحداث قد يكون سابقاً لأوانه، لا بل هو من أصعب الأسئلة التي يمكن طرحها في ظروف الحرب الدائرة الآن!
ولكن نظراً لأنني شخصياً، مع الكثير من الزملاء الذين عملت معهم، كنا نعلم بأنَّ هذه اللحظة آتيةٌ لا محالة، فيمكنني الادّعاء بأنني قادر على الإجابة عن هذا السؤال الصعب. لذلك، وقبل الغوص في التفاصيل، أستطيع الإجابة عليه شكلاً! فالعالم لن يكون في المستقبل إلا كما تشاء وتريد روسيا وحلفاؤها. وكل من يعتقد غير ذلك فهو واهم إلى أبعد درجات الوهم، لا بل إنه يعيش في عالم غير عالمنا.
ولعل في هذه الإجابة بشرى للدول الفقيرة والضعيفة، التي استفردت بها آلة الحرب الغربية القذرة؛ فلقد كان الاتحاد السوفيتي وستكون روسيا جناح الظل الذي يأوي إلى كنفه جميع المظلومين، فمن لم يستنشق رائحة أشجار روسيا لا يعلم عمق الإنسانية وعلو الأخلاق في هذا البلد العظيم.
فمن هي روسيا؟
في بدايات القرن العشرين، سمّى السياسي والأكاديمي البريطاني هالفورد ماكيندر، وهو أحد آباء الجيوبوليتيك والجيوستراتيجيا، الأراضي التي قامت عليها الإمبراطورية الروسية سابقاً والاتحاد السوفيتي لاحقاً: قلب الأرض. فهذه الأرض محميّة من الشمال بالمحيط المتجمد الشمالي ومن الجنوب بالجبال والصحاري.
ماكيندر في طرحه قال: “من يسيطر على أوروبا الشرقية فإنه يستطيع السيطرة على قلب الأرض”. وقد أُطلِق على نظريته تلك نظرية قلب الأرض.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1942، طوّر نيكولاس سبايكمان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ييل، نظرية ماكيندر وأدخل مفهوم أراضي الطوق، وهي في الحقيقة الأراضي الممتدة من أوروبا مروراً بآسيا الصغرى والشرق الأوسط وإيران وأفغانستان وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا والصين وشبه الجزيرة الكورية، وصاغ سبايكمان نظريته قائلاً:” من يسيطر على أراضي الطوق والشواطئ التي تغلّفها فإنه سيسيطر على قلب الأرض”.
بعد تعرُّض قاعدة بيرل هاربر في جزر هاواي أثناء الحرب العالمية الثانية للقصف الياباني، بدأت الولايات المتحدة بتغيير عقيدتها الأمنية، واعتبرت أنّ أمن الكرة الأرضية كلّها هو جزء من أمنها القومي.
تمّ وقتَها صياغة استراتيجبات دفاعية شديدة الطموح وغير واقعية، قائمة على التفوق العسكري الهائل والجاهزية القتالية الدائمة والقدرة على الانتصار في أي معركة وأي نزاع، أي ببساطة أخذت الولايات المتحدة دور شرطي العالم! إلاّ أنّ الأمريكيين وقتَها لم يفكّروا بأنّ هذا الدور قد لا يعجب الآخرين، كما أنّهم لم يفكروا بأنّ الانتصار في معركة ما تستدعي وجود عدوٍ ومعركة.
وعلى الرغم من أنّ مفاوضات مابعد الحرب بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كان من الممكن أن تؤدي إلى الوصول إلى حلول وسطى، إلا أنّ الولايات المتحدة مضت في طريقها، معتبرةً أنّ العدو المفترض في المستقبل سيكون الاتحاد السوفيتي. والحقيقة، الغاية من اعتبار الاتحاد السوفيتي عدواً هو الطمع بثروات آسيا وأوروبا، لأن نقاشاتِ الخبراء الأمريكيين حول الموضوع بدأت أثناء الحرب، إذ اعتقدوا بأن الاتحاد السوفيتي سيصبح قوة كبيرة في تلك المنطقة الهامة من العالم، وبالتالي لا بد من الحد من نفوذه. بعد ذلك، لاقت نظرية أراضي الطوق قبولاً واسعاً بين المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين، وصار الهدف واضحاً لهم في المستقبل، إذ تكفي السيطرة على أراضي الطوق للسيطرة على قلب الأرض. تمّ بعدها وضع عقيدة ترومان وخطة مارشال في عام 1947، وبوضعهما بدأت الحرب الباردة رسمياً بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، فطفت الخلافات الإيديولوجية بين الطرفين إلى السطح من جديد، وتمّ إقناع الشعوب الأوروبية والأمريكية بأنّ المدَّ الشيوعي سيعبر أوروبا كلّها وصولاً إلى الشواطئ الغربية للمحيط الأطلسي؛ فتأسس في ضوء هذه القناعات حلف شمال الأطلسي في عام 1949 كجزء من استراتيجية السيطرة على أراضي الطوق لإيقاف ما تمت تسميته بالمد الشيوعي.
نحن الآن، نعيش في عصرٍ يتغيّر فيه العالم المحيط بنا بسرعة كبيرة، وفي الكثير من الأحيان لا يمكن التنبؤ بهذه التغيرات. وفي هذا التيار الجارف السريع الماضي في التقدم نحو المستقبل لا يجب أن نفقد القدرة على رؤية الحقائق الراسخة في الصورة الكليّة دائمة التغير؛ أهم هذه الحقائق على الإطلاق هي أنه لا معنى لسيادة الدولة دون اقتصاد سيادي، فالدولة هي الضامن للأمن القومي والاجتماعي والاقتصادي، ولو راجعنا تاريخ جميع الدول الرأسمالية، التي ادّعت وما زالت تدّعي امتلاكها اقتصاد السوق، بغضِّ النّظر عن الفوارق بين هذه الدول، سنجد أن العقيدة الأساسية الراسخة فيها هي ضمان الوحدة بين الدولة و رأس المال و القوى العاملة. تقوم الدولة بوظيفتها على قاعدة قانونية متماسكة، تعكس هذه القاعدة القانونية وعيَ المجتمع. ولقيام الدولة بوظائفها هناك مجموعة من الاحتياجات والمتطلبات التي لا بد من تلبيتها، ونظراً لتعقد وتنوّع احتياجات الدولة يجب أن يكون اتخاذ القرارات الحكومية دقيقاً ومتوازناً. لذلك فإن مفهوم (اقتصاد السوق) أو الاقتصاد غير الحكومي هو فكرة نظرية مجردة ونموذج خيالي وهمي فحسب؛ فبدون عناصر الإدارة والتخطيط الحكومي ما كان ليستقيم هذا النظام أساساً، وجميع الخبراء والمتخصصين في الولايات المتحدة الأمريكية يعترفون بذلك. في النظام الاشتراكي كان التخطيطُ مركزياً بالمطلق وشكل الملكية حكومياً، أمّا في النظام الرأسمالي فالإدارة والتخطيط الحكوميين يرتكزان ليس على الشركات الحكومية بل على آليات جذب الشركات الخاصة لكي تساهم في تلبية احتياجات ومتطلبات الدولة. لذلك فالحديث هنا يدور في الحقيقة عن آليات تلبية هذه الاحتياجات والمتطلبات، وليس عن ثروات وموارد الدولة، أي أنه يدور حول فعالية استخدام هذه الموارد بوساطة نظام إداري-قانوني متكامل وآليات حكومية مثلى.
في الواقع مرت آليات الإدارة الحكومية بالعديد من الأطوار والتغيرات، ولكن منذ خمسينات القرن الماضي استقر النظام الأمريكي على ثلاثة، وهي: النظام الضرائبي، الميزانية الفيدرالية وطريقة توزيعها، نظام العقود الفيدرالي؛ و هذه الثلاثية تجسد طريقة إدارة الحكومة لكل الحياة الاجتماعية-الاقتصادية في الدول الرأسمالية.
في الواقع، يعتبر الاقتصاد العسكري من أهم حقول الإدارة والتخطيط الحكوميين؛ فمسؤولية الدفاع والأمن تقع على عاتق الدولة بشكل أساسي، لذلك يجب أن يكون هذا القطاع مموّلاً ومضموناً وأسواقه جاهزة و وافرة لتصريف المنتجات؛ فهذه المنتجات ذات أهمية كبيرة لدعم الأمن القومي للبلاد.
في حقبة الحرب الباردة، كانت الشركات الصناعية العسكرية تلبي الاحتياجات الدفاعية في الولايات المتحدة عن طريق نظام العقود الفيدرالي، فكانت هذه الشركات كثيرة؛ فسوق منتجاتها متوفر والدولة هي الضامن الدائم له بسبب حالة التنافس بين قطبي العالم في تلك الحقبة.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة وانطلاق محادثات السلام العربية-الإسرائيلية، تقلصت الحاجة إلى الصناعات العسكرية، والرئيس كلينتون نفسه قدّم رؤيته لأمريكا المستقبل أثناء عرض مشروع ميزانية عام 1994 قائلاً: “يجب ألا يكون أولادنا هم أول أسوء جيل بعد آبائهم، لذلك علينا إعادة إحياء الحلم الأمريكي”. والحقيقة أن كلينتون نجح بشكل كبير، فلقد كانت الفترة بين عامي 1993-2000 فترة نجاح تاريخية للولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الاقتصادية؛ فهذه الفترة كانت فترة استقرار اقتصادي لم تعاني فيها الأسواق من ترجحات عنيفة و أزمات اقتصادية؛ كما أن الميزانية بدأت تحقق فائضاً لم تشهده منذ عام 1970. الأسباب الرئيسية لهذا الانتعاش الاقتصادي الكبير هي:
1-انفتاح أسواق الفضاء مابعد السوفيتي أمام الشركات الأمريكية وغير الأمريكية، والتي استطاعت دخولها بشروط سهلة، مما أدّى إلى تدفق كبير للأموال من هذا الفضاء إلى الخزانة الأمريكية.
2- تقليص الإنفاق العسكري، حيث لجأت إدارة كلينتون إلى إعادة هيكلة جميع الشركات الصناعية العسكرية، عن طريق الدمج والاستحواذ، مع المحافظة على الطاقة العلمية-التكنولوجية لهذه الشركات، الأمر الذي أدّى إلى تقليص أعدادها وبالتالي تقليص اليد العاملة والنفقات الإدارية في هذه المؤسسات.
في الحقيقة أدت إعادة هيكلة القطاع الصناعي العسكري إلى تركيز هذا القطاع في أيدي مجموعة قليلة من الأشخاص، الأمر الذي أدّى إلى تقوية صوت اللوبي العسكري في الكونغرس من جهة، كما أنّ منافسة هذه الشركات العملاقة الجديدة أصبحت غير ممكنة على الإطلاق.
في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أنّ الكثيرين في الولايات المتحدة، ممن يتبوّأ مناصب معينة في الحكومة الفيدرالية ينظر إلى الهيئات الحكومية المختلفة كمؤسسات، وظيفتها تأمين احتياجاتها عن طريق التعاقد مع الشركات الخاصة في البلاد. إذ تؤكد إحصاءات القرن الواحد والعشرين أنّ شهية رجال الأعمال لعقد الصفقات الحكومية، سواء العسكرية أو غير العسكرية، كانت مرتفعة جداً وأنها تجاوزت الطاقة الحقيقية للاقتصاد الأمريكي.
مع الدخول في القرن الواحد والعشرين والتفجيرات التي حصلت في أيلول عام 2001، التي أعادت إلى الوعي الأمريكي متلازمة بيرل-هاربر، بدأ الإنفاق العسكري الأمريكي يزداد بشكل كبير، وبدأت الولايات المتحدة تصدير نفسها كشرطي للعالم من جديد، كما كان الأمر عليه بعد الحرب العالمية الثانية. ولبسط نفوذها في بلدان الطوق المحيط بروسيا اتبعت عدّة طرق، أهمها: توسيع حلف الناتو شرقاً، بناء الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، اعتماد القوة الناعمة عن طريق دعم آلاف المؤسسات غير الحكومية، التي ساهمت في التلاعب بوعي الشعوب وتحريض الاضطرابات والصراعات على خلفيات إثنية-دينية وخلق مفاهيم جديدة كالإسلاموفوبيا والإرهاب الإسلامي؛ فاندلعت الثورات الملوّنة، وتصاعدت القوى اليمينيّة المتطرفة في كل مكان. وتحت شعارات الحرية و الديمقراطية أباحت الولايات المتحدة لنفسها فعل كل شيء تقريباً.
هذا النهج الأمريكي الجديد لم يلقَ ترحيباً من قبل العديد من دول العالم، كروسيا والصين والهند وحتى بعض الدول الأوروبية المنضوية ضمن حلف الناتو، إذ بدأت الخلافات تبرز بين هذه الأطراف في العديد من القضايا. ولقد دعت دول العالم الكبرى إلى بناء عالم متعدد الأقطاب يحقق الحد الأدنى من العدالة والتوازن في النظام الدولي، إلا أنّ الولايات المتحدة مضت في هذا النهج السياسي الخارجي دون الالتفات إلى كل هذه الدعوات إلى أن وصلنا إلى الحالة الأوكرانية، التي تحولت إلى حرب مفتوحة بين روسيا والناتو بعد ثلاث ثورات ملونة في هذا البلد.
في الحقيقة، تواجدت القوى اليمينية المتطرفة في كل بلدان العالم ومازالت، ولكن لا يمكنها أن تشكّل تياراً اجتماعياً كبيراً قادراً على قلب المعادلات إلا إذا تلقّى دعماً من جهات خارجية أو داخلية معينة. ففي أوكرانيا- التي نحن بصدد دراستها- كانت هذه القوى السياسية منتشرةً في غرب أوكرانيا، واصطّفت إلى جانب هتلر في حربه ضد الاتحاد السوفيتي، وهتلر نفسه كان يخطط لتحويل غرب أوكرانيا إلى دولة نازية على غرار ألمانيا. وفي عصرنا الحالي، بدأ الفكر النازي في أوكرانيا بالانتعاش بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى أن وصلنا إلى انقلاب عام 2014 على الرئيس الأوكراني الشرعي فيكتور يونوكوڤيتش وتسلّم بيتر باراشنكو بعده، ولقد دعم الغرب هذا الانقلاب.
ابتداءً من ذلك العام بدأت أوكرانيا بالتصويت ضد القرار الذي تقدمه روسيا، مع مجموعة من الدول الأخرى، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول مكافحة تمجيد النازية والنازية الجديدة والممارسات التي تؤدي إلى تصاعد أشكال العنصرية والتمييز العنصري والخوف من الأجانب والكراهية المتصلة بها.
في الحقيقة، منذ عام 2005، والجمعية العامة تصوّت على قرار مكافحة العنصرية والتمييز العنصري، وكانت الولايات المتحدة تصوّت دائماً ضد هذا القرار، تشاركها هذا الرأي كندا، وبعض الدول الصغيرة مثل: جزر المارشال، جمهورية كيريباتي، ميكرونيسيا، جمهورية بالاو. ولكن ابتداءً من عام 2014، انضمّ الأوكرانيون إلى الأمريكيين والكنديين، محل تلك الجزر الصغيرة في المحيط الهادي. ومنذ عام 2016، تخلّت كندا عن دعمها للعنصرية و التمييز العنصري.
وفقاً لرأي ممثلي الولايات المتحدة، يعتبر تمجيد النازية وجميع الأفكار القائمة على الكراهية الإنسانية شكلاً من أشكال حرية التعبير وحرية الكلمة، وهذه هي حجّتهم الدائمة في هذا الموضوع.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد في أوكرانيا، بل ومنذ عام 2014، تحولت النازية إلى سياسة رسمية؛ فلقد استُصدرَتِ العديدُ من القوانين والمراسيم التي أدّت إلى دعم التوجّهات النازية في البلاد. أهمها على الإطلاق الحزمة المعروفة بحزمة قوانين اجتثاث الشيوعية من أوكرانيا، التي أقرّها مجلس الرادا في نيسان عام 2015.
على هذه الخلفية، تمّ بث الحياة في بعض المنظمات النازية، كمنظمة الوطنيين الأوكرانيين، التي كان يقودها ستيبان بانديرا؛ وجيش التمرد الأوكراني، الذي كان يقوده رومان شوخيڤيتش. وتعتبر هاتان المنظّمتان متطرفتين وفق القوانين الروسية.
تطوّرت الحال إلى أبعدَ من ذلك، حيث نشطت في أوكرانيا العديد من المنظمات والأحزاب والتيارات ذات التوجهات النازية، مثل: تريزوب ستيبان بانديرا، القطاع الأيمن، أُخوَة كورتشينسكي، فرقة مُبغضي البشر، وإلى الأخيرة تنتمي كتيبة آزوف المتمركزة في مدينة ماريوبول على بحر آزوف.
جميع المنظمات آنفة الذكر شكّلت الجماعاتِ المسلحة في كل البلدات والمدن الأوكرانية، وهذه الجماعات مارست القتل ضد المواطنين الروس والناطقين بالروسية. كما أنّها ارتكبت أعمالاً إرهابيةً يندى لها جبين الإنسانية في مختلف المدن الأوكرانية، وهذا حدث ويحدث أمام أعين العالم كله.
ولم تقتصر ممارسات نظام كييف على تشجيع هذه المنظمات وممارساتها، بل هناك الكثير من الممارسات الأخرى، أهمها: الضغط والرقابة الشديدة على وسائل الإعلام والإعلاميين، التضييق على الأقليات القومية والتمييز بينها في مجال التعليم والحقوق الاجتماعية الأخرى، ممارسة التمييز بين ممثلي الأديان والمذاهب المختلفة.
أما فيما يتعلق بالجيش الأوكراني، فلقد دأبت النخبة الحاكمة في كييف على إدخال التعديلات تلو التعديلات، سواء في تشكيلاته أو في قياداته، والهدف هو ملاءمته مع معايير حلف شمال الأطلسي، بهدف الانضمام إلى هذا الحلف في أسرع وقت ممكن. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الرئيس الأوكراني السابق، بيتر باراشنكو، قدّم في أيلول من عام 2018، حزمةً من التّعديلات إلى مجلس الرادا. وفي 7 شباط من عام 2019 وافق مجلس الرادا على هذه التعديلات، التي وقّعها الرئيس لاحقاً بتاريخ 19 شباط من العام نفسه، لتصبح نافذةً ابتداءً من 22 شباط عام 2019.
أهم هذه التعديلات:
-تمّ تعديل الفقرة الخامسة من الديباجة بحيث تتضمّن: التأكيد على الهوية الأوروبية للشعب الأوكراني.
-أُضيفت إلى مهمات مجلس الرادا فقرة جديدة، تنص على: تحقيق المسار الاستراتيجي لحصول الدولة على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
-اعتبار الرئيس الأوكراني الضامن، الذي تناط به مهمة تحقيق ذلك المسار الاستراتيجي.
-أُضيفت إلى مهام مجلس الوزراء نقطة جديدة تنصّ على: تأمين ظروف تحقيق المسار الاستراتيجي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
من وجهة نظرنا، ينضوي إدخال هكذا نصوص إلى دستور البلاد على إهانة للشعب الأوكراني نفسه؛ فالدساتير عادةً لا تتحدث عن مسارات استراتيجية معينة، بل عن قواعدَ ناظمة للحياة العامة في البلاد. إضافة إلى ذلك، فهذه التعديلات هي محاولة لانتزاع أوكرانيا من محيطها الثقافي والجغرافي، وإلغاء انتمائها وتاريخها؛ وهذا يتضمّن إعلاناً مباشراً للعَداء لروسيا وشعبها وثقافتها أيضاً. فهذه المسارات السياسية الجديدة لا تتناسب مع تاريخ وثقافة هذا البلد أوكرانيا، كما أنها تتناقض مع مصالحه أيضاً. من هنا نفهم أهمية العمليّة العسكريّة التي تقوم بها روسيا في أوكرانيا؛ فالغاية منها تنظيف أوكرانيا من الفكر النازي الذي تغلغل فيها، والقضاء على المجموعات الإرهابية النازية، التي روّعت الناس في كل مكان.
في الحقيقة، لتقييم الرأي العام الروسي حِيال هذه العملية العسكرية، لا بدّ من الإشارة إلى أن روسيا بذلت الكثير من الجهود الدبلوماسية لحل هذه الأزمة بالطرق السلمية، وفي شهر شباط من عام 2015 تم التوقيع على اتفاقية مينسك برعاية فرنسية-ألمانية، إلا أن الطرف الأوكراني استمر في خرق هذه الاتفاقية. لذلك، في هذه الظروف يصبح السؤال: من سيبدأ الحرب أولاً كالسؤال أيُّهما الأول البيضة أم الدجاجة، إذ لا أهمية لمن يبدؤها أولاً، لأن المُتهم باستمرار هو روسيا.
بالطبع، لا يمكن أن يخلو رأي المرء حيال هذه العملية العسكرية من بعض العناصر الذاتية مهما بلغت درجة موضوعيته، فرأي من يعمل في الزراعة سيختلف عن رأي من يعمل في الهندسة أو الطب. تشير معظم استطلاعات الرأي بأن أكثر من 80% من الشعب الروسي يؤيد العملية العسكرية في أوكرانيا، لا بل أن حوالي 86% من الشعب الروسي يؤيد دخول الجيش الروسي إلى بلدان أخرى بعد أوكرانيا، وهذه البلدان على الترتيب هي: بولونيا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا، هنغاريا، سلوفاكيا، جمهورية التشيك، بلغاريا وفق معطيات مؤسسة Active group البحثية.
في هذا السياق، رصدنا بعض المحاولات الغربية لتزييف هذه النتائج بالقول: إن الشعب الروسي لا يقول الحقيقة في الاستبيانات! من هذه المحاولات ما قام به بعض الباحثين من جامعة هامبورغ؛ إذ جرى التلاعب بالاستبيانات المقدمة للمواطنين الروس بتحويلها إلى ما يشبه التجارب النفسية بغية التأثير نفسياً على المواطن ودفعه إلى الإجابة بالطريقة التي يريدها مقدمو الاستبيان، وهذه أساليب معروفة في علم النفس يعرفها المختصون والباحثون. ورغم كل هذه المحاولات كانت الفروقات ضئيلةً، ولا تتجاوز 15% بين النتائج التي قدمتها المؤسسات الروسية وجامعة هامبورغ، وهذا مثال واضح على حالة اللغط التي يعيشها الغرب حيال الأزمة الأوكرانية، وهذا اللغط على المستويين المعرفي والمادي.
من نافلة القول، لا أحد يريد الحرب، فلا يوجد إنسان سوي يحب منظر الدماء، والحرب كانت ولا زالت آخر الوسائل التي يمكن التفكير فيها لإحداث تغيير ما في المجتمع. لذلك قد نلاحظ في المجتمع الروسي حالة من القلق من المستقبل؛ فأوكرانيا و روسيا ترتبطان بعلاقات تاريخية و ثقافية و أخوية قديمة؛ فأرض أوكرانيا كانت حتى الأمس القريب تسمى بـ كييف-روس أو روس الكييفية. والقلق حالة طبيعية، فمن حق أي إنسان أن يقلق على مستقبله ومستقبل عائلته وبلاده. ولكن مع هذا القلق، ومن ملاحظتي الشخصية، معظم الناس تثق بالجيش الروسي وبأنه سينجز المهمة الموكلة إليه، وتاريخ روسيا خير شاهد على ذلك.
في الحقيقة، إن الغطرسة الأمريكية هي من خلقت البيئة المناسبة لجميع الحركات المتطرفة والإرهابية في العالم؛ والأوضاع في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وأفغانستان والشيشان هي خير الشواهد على هذا. لذلك أصبح واضحاً الآن، أن الغاية من العملية العسكرية الروسية ليس فقط اجتثاث النازية من أوكرانيا، بل إنهاء الهيمنة الأمريكية في العالم! أمام هذا الوضع، بدأت الولايات المتحدة تخسر أسهمها في معظم دول العالم؛ ولا يجب أن يخدعنا التصويت الذي جرى في الأمم المتحدة حول هذه القضية؛ إذ بحسابات بسيطة نجد أن نسبة عدد سكان الدول التي دعمت قرار إدانة العملية العسكرية الروسية لا تتجاوز 40%، وهذه النسبة نفسها أصبحت حوالي 25% فقط عندما تم التصويت على تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان. مع العلم أن الدول الغربية مارست الضغوط والتهديدات على الكثير من الدول الصغيرة والفقيرة والضعيفة لإجبارها على دعم القرارات المقدمة من قبلها؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، أكّد الرئيس الصربي، ألكساند فوتشيتش، أن الدول الغربية هدّدت بلاده بالعقوبات وأجبرتها على دعم القرار بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان! لذلك فإن ما جرى في الأمم المتحدة هو مجرد تهريج حاول الغرب عن طريقه كسب بعض النقاط فحسب، وهم يدركون جيداً هذه الحقيقة.
لمواجهة الوضع القائم، ستستمر الولايات المتحدة بالقيام بأعمال الهندسة الجيوسياسية في عدة مناطق في فضاء الطوق، ولكن وفق تقديرنا لن تنجح هذه المحاولات جميعها، ومع ذلك لا بأس بالمرور عليها سريعاً.
سنبدأ من تركيا، وقد يكون من المناسب حول هذه النقطة أن نبدأ من الأحداث الدامية التي اندلعت في سورية في بداية العقد الماضي؛ إذ تصاعد بعدها الحديث في وسائل الإعلام الغربية على مسألتين رئيستين ترتبطان مباشرة بتركيا:
الأول-المسألة الشركسية،
الثاني-حركة البان تركيسم.
الهدفُ من إعادة إحياء المسألة الشركسية واضحٌ لكل ذي بصر وبصيرة، هو إحياء لثأر عمره أكثر من 150 عاماً، وإذكاء لنيران حقد بين الروس والأتراك على خلفية أحداث تاريخية ميتة ومنسيّة. للأسف استجابت بعض الأقلام المأجورة لهذه الدعوات الخبيثة والمشبوهة وبدأت الترويج لهذه القضايا عبر وسائل الإعلام المختلفة.
أما حركة البان تركيسم فهي حركة تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر، كانت تقودها بعض الأنتلجنسيا الأذربيجانية والعثمانية، و تهدف إلى التوحيد الثقافي والسياسي للشعوب التركية. والشعوب التركية هي تجمُّع إثني-لُغوي، يتكلمون جميعهم لغات العائلة التركية ويشكلون حوالي 40 إثنيةً وعرقاً، ينتشر أعضاؤه في وسط وشرق وغرب وشمال آسيا، وبعض أجزاء أوروبا وشمال أفريقيا، يصل عددهم إلى حوالي 150 مليوناً.
في الحقيقة، لا تنطلي الدوافع الغربية على أحدٍ، فالغرب معنيٌّ بشكل مباشر بخلق حالة من المواجهة مع روسيا والصين عبر أطراف ثالثة، خاصة أن الشعوب التركية تتركز بشكل أساسي في المناطق الفاصلة بين روسيا من جهة والصين والهند وباكستان وإيران والدول العربية من جهة أخرى.
من وجهة نظرنا، لن تفلحَ محاولات الغرب باختراق هذه المنطقة باللعب على الوتر القومي، فالشعب الشركسي وشعوب القفقاز اندمجت في المجتمع الروسي ومن الصعب تحريضها على الشعب الروسي، أما الشعوب التركية، فلقد كانت أذربيجان وتركمنستان وأوزبكستان وقيرقيزستان وكازاخستان جزءاً من الفضاء السوفيتي، وعلاقات هذه الدول مع روسيا والصين في أفضل الأحوال. وعلى الرغم من أن لتركيا مصلحة مباشرة بتوسيع نفوذها باتجاه هذا الفضاء الحيوي الهام، خاصةً في ظل فشل محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فشعار “أمة واحدة في ست دول” تمّ رفعه في أيام رئاسة عبد الله غُل في القمة التي انعقدت في اسطنبول يومي 15-16 أيلول العام 2010، إلا أن تركيا لن تسعى في هذا المشروع إذا كان ذلك سيشكل خطراً على الصين وروسيا وباقي اللاعبين الإقليميين، خاصة بعد انكشاف المشاريع الأمريكية بإقامة دولة كردية في الشرق الأوسط.
أما ملدافيا، التي زارها وزير الخارجية الأمريكي بلينكين في مطلع آذار وعقد مؤتمراً صحفياً مع مايا ساندو رئيسة ملدافيا، فتشير المعلومات إلى أن الغرب يحاول إحياء مسألة جمهورية بريدنيستروفي المالدافية غير المعترف بها، التي تتوضّع على امتداد نهر دنيسترا مع الحدود الأوكرانية. فعقب تلك الزيارة، صدر تصريح من الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا وصف فيه بريدنيستروفي بأنها أراضٍ محتلة روسياً، مع العلم أن القوات الروسية الموجودة هناك هي قوات حفظ سلام. وهذا في الحقيقة محاولة لزج ملدافيا في النزاع بين روسيا وأوكرانيا عبر الإغراءات المالية، التي وعد بها بلنيكن في تلك الزيارة. إلا أن السيدة ساندو أكّدت بأن ملدافيا تسعى إلى حل مسألة بريدنيستروفي مع روسيا عبر المباحثات والطرق السلمية. والحقيقة أن المزاج المعادي لروسيا في ملدافيا غير مرتفع مقارنة مع الوضع في أوكرانيا وجمهوريات البلطيق.
أما فيما يتعلق بإيران، فبالرغم من أن موضوع إيران قد لا يكون مرتبطاً بشكل مباشر بالأحداث الأوكرانية، فإيران امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة بإدانة روسيا، إلا أن الأحداث الدائرة في باكستان الآن تؤكد من جديد على الترابط الكبير بين دول هذا الفضاء الحيوي الهام. لذلك -من وجهة نظرنا- هناك احتمالان:
إما محاولة خلق الفوضى في الداخل الإيراني على غرار ما يحدث في باكستان الآن، وهذا الاحتمال في الواقع ضعيف. أو الدفع بإسرائيل للاعتداء على إيران وبالتالي خلط الأوراق الذي قد يؤدي إلى إضعاف موقف روسيا، وهذا الاحتمال في الواقع سيكون كارثياً، الثابت في هذه القضية أنّ إسرائيل لن تقوم بالاعتداء على إيران خدمةً للولايات المتحدة بل انطلاقاً من مصالحها الذاتية فحسب، فالنخبة الحاكمة في إسرائيل تدرك جيداً موقعها الجيوسياسي وأسباب الدعم الأمريكي لها.
علاوة على ماسبق، تحاول الولايات المتحدة عبر مجموعة من المنظمات غير الحكومية، كالمؤسسة الوطنية للديمقراطية (واشنطن)، المعهد الوطني الديمقراطي للعلاقات الدولية (واشنطن)، منظمة إيسمدي (بشكيك)، مجلس الصداقة الكازاخية الأمريكية(تكساس)، تجمع أصدقاء كازاخستان(واشنطن)، كونغرس آسيا الوسطى(واشنطن)، مؤسسة سوليا (نيويورك)، مؤسسة الصداقة البلطيقية-الأمريكية (واشنطن)، الجمعية الأوروبية للقوميات التركية والقفقازية (إستونيا)، لوغوس (بولونيا) وغيرها الكثير، إضافةً إلى مجموعة من المدونين في الجمهوريات السوفيتية السابقة نشر مواد إعلامية عن القوات المسلحة الروسية، والقيام بأعمال استفزازية أمام السفارات والقنصليات والممثليات الروسية في هذه الجمهوريات. وهذا النشاط تموله بشكل أساسي مؤسسة سوروس.
في الواقع، أثناء توقيع معاهدة حلف الناتو مباشرةً، قال بعض المشرّعين الأمريكيين بأن هذا الحلف سيكون أداةً جيدة في أيدي تجار الحروب هناك، ولقد صدقت نبوءتهم!
بعد الحرب العالمية الثانية، سعت فرنسا وألمانيا إلى ما يمكن تسميته مشروع السلام، الذي يهدف إلى منع حصول حروب في القارة الأوروبية، وبالرغم من أنّ الأمر لم يكن سهلاً إلا أنهما نجحتا في ذلك إلى حد كبير.
والحقيقة أنّ حلف الناتو، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تحوّل إلى أداة لحل المشاكل الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية. ومع دخول القرن الواحد والعشرين وغزو أفغانستان والعراق، بدأت تتصاعد الخلافات الأوروبية الأمريكية داخل حلف الناتو، وجميعنا يذكر المعارضة الفرنسية الشديدة لغزو العراق.
ويبدو أنّ الولايات المتحدة كانت تدرك جيداً حجم هذه الخلافات، فاخترعت مصطلح (أوروبا الجديدة) في إشارة إلى دول أوروبا الشرقية، التي خرجت حديثاً من كنف الكتلة الاشتراكية، مستغلةً حالة العداء التي تصاعدت في هذه الدول ضد روسيا على خلفية أحداث تاريخية تعود إلى زمن الاتحاد السوفيتي، لذلك سعت الولايات المتحدة إلى توثيق علاقاتها مع هذه الدول، التي بدأت بالانضمام إلى حلف الناتو بالتدريج، معتقدةً أن ذلك هو الحل لكل مشاكلها الاقتصادية والسياسية.
والحقيقة أن الأزمة الأوكرانية إضافةً إلى المشاكل الأخرى العالقة كالدرع الصاروخية و مشكلة الشرق الأوسط وتصاعد التطرف الإسلامي والحرب الجورجية-الأوسيتية والحرب على سورية، كانت من أهم التحديات الأمنية التي برزت أمام الأوروبيين في العقدين الأخيرين.
فمثلاً في عام 2018، طالب ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف الناتو، روسيا بالتصرف بشفافية حيال الأخبار التي تؤكد نشرها صواريخ إسكندر التكتيكية في مقاطعة كالينينغراد في قلب أوروبا. كان الرد الروسي وقتها سريعاً على لسان العديد من المسؤولين الروس، الذين أكّدوا عدم استعداد روسيا تبليغ الناتو حول ما تفعله روسيا على أراضيها، فهذا موضوع سيادي.
في الواقع، تستطيع هذه الصواريخ، القادرة على حمل رؤوس نووية، خلال أقل من أربع دقائق الوصول إلى السويد والدنمارك وألمانيا وجمهورية التشيك وبولونيا، إضافةً إلى جمهوريات البلطيق الثلاث: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا. كما أنها قادرة على تجاوز جميع الدفاعات الصاروخية الغربية، لأن هذه الدفاعات تعمل في طبقة الستراتوسفير في حين أن صواريخ إسكندر تطير في الطبقة الأعلى، أي الميزوسفير، وفق مسارات معقدة!
وقتها، صدرت عدة ردود أفعال متباينة، وتحديداً من دول أوروبا الشرقية المحاذية لمقاطعة كالينينغراد. والتي اعتبرت أن نشر هذه الصواريخ سيزيد التوتر في القارة الأوروبية.
المثير للاهتمام، في الواقع، هي التصريحات الأمريكية حيال هذا الموضوع؛ فوفقاً لما نقلته وكالة تاس الروسية، قال جون مايكل، الناطق الرسمي باسم البنتاغون: (بالرغم من أن ذلك لا يخالف أي اتفاقيات ثنائية مع الولايات المتحدة، إلا أن نشر هذه الصواريخ سيؤدي إلى زيادة التوتر بين روسيا وجيرانها). وهذا الكلام في الواقع يشير إلى أنّ الولايات المتحدة غير مكترثة بأمن أوروبا، بل تستغل أوروبا لتنفيذ أهدافها. فكما أن الولايات المتحدة قلقة من تصاعد التوتر بين روسيا وجيرانها، كان عليها أيضاً أن تبدي ذات القلق جرّاء بنائها الدرع الصاروخية عند جيران روسيا.
زادت حدة الخلافات بين جناحي الناتو وبرزت بشكل واضح في تصريحات المستشارة الألمانية ميركل في نهاية عام 2019، التي أكدت أن التعاون في حلف الناتو أدّى إلى تعقيد الأزمة الأوكرانية وضم القرم، ودعت إلى بناء منظومة دفاعية خاصة بأوروبا، كما أن الرئيس الفرنسي ماكرون انضم إلى هذه الدعوة مؤكداً أنّ (دماغ الناتو قد مات).
بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية أصبح الأمن الأوروبي مُهدّداً بشكل مباشر و انتقلت الخلافات الروسية-الأمريكية إلى قلب أوروبا، وأصبحت الحاجة إلى ما يمكن تسميته (السيادة الدفاعية الأوروبية) أكثر إلحاحاً من قبل، والحقيقة أن الكثير من القادة الأوروبيين بدأ بالتفكير في هذا الاتجاه، لأنه -كما أسلفنا- تستغل الولايات المتحدة هذه الصراعات لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية لنفسها فحسب، ونعتقد أنّ أوروبا في الأشهر القادمة ستكف عن التفكير بكونها مجرد (كيان اقتصادي)، فالحرب الروسية-الأوكرانية ستشكل استنزافاً لها أيضاً، وعملية الاستقلال الدفاعي هذه ستؤدي إلى دفن حلف الناتو و إنهاء الهيمنة الأمريكية على القرار الأوروبي.
ولن تكون الأمور في شرق العالم أكثر إيجاباً للولايات المتحدة منها في غربه، إذ أن التدخل الأمريكي والنزاعات التي خلقتها في الجزء الآسيوي من أراضي الطوق أثّر سلباً على التنمية في تلك البلدان. كما أن معظم الدول الآسيوية رفضت أو امتنعت عن التصويت على القرارات التي تدين روسيا في الجمعية العامة، إضافة إلى ذلك، تربط روسيا علاقات صداقة متينة مع معظم دول هذه المنطقة.
علاوة على ذلك، طرح الرئيس الصيني في خطابه الشهير في عام 2013 في جامعة نازاربييف في كازاخستان، مبادرة الحزام والطريق. سيؤدي هذا المشروع العملاق -الذي من المتوقع أن ينتهي تنفيذه في عام 2030-
إلى ربط الصين بستّة ممرات اقتصادية هامة: منغوليا وروسيا، دول الفضاء الأوراسي، وسط وغرب آسيا، باكستان، بعض بلدان شبه القارة الهندية، بلدان جنوب شرق آسيا، ولقد رحّبت العديد من الدول بالمبادرة الصينية.
في الحقيقة، تنبّهت الصين منذ طرح هذه المبادرة إلى أهمية الروابط الثقافية والتاريخية والاجتماعية على طول هذه الممرات الاقتصادية الهامة، فالطريق ليس مجرد ممر تجاري تعبره الحافلات والبضائع، بل إنه سيؤدي إلى عملية ربط ثقافي بين معظم دول العالم القديم، لذلك طرحت في عام 2013 مشروعاً تعليمياً مجانياً للطلبة الدونغان في الجامعة الشمالية الغربية في محافظة غانزو، بهدف إعادة ربطهم بأصولهم القومية. ولقد أكّد المتخرجون من هذه الجامعة بأنهم سيكونون رسلاً على طول طريق الحريرـ
لذلك نلاحظ أن الولايات المتحدة حاولت عرقلة هذا المشروع عن طريق إثارة الصراعات الإثنية والمذهبية في المناطق التي يعبرها هذا الطريق، وخير مثال على ذلك هي أحداث الشغب والمواجهات المسلحة التي اندلعت في بداية عام 2020 بين إثنية الدونغان ذات الأصول الصينية والإثنية الكازخية في بعض قرى محافظة جامبيل جنوب غرب كازاخستان، فهذه المحافظة تقع في منطقة المثلث الصيني-الكازخستاني-القرقيزي، الذي يشكل نقطة الربط بين معظم طرقات هذا المشروع، وفي هذه المنطقة تحديداً يقطن معظم مُسلمي الدونغان.
من المؤكد أن روسيا ستقود المعركة على جميع الأصعدة حتى تحقيق النصر، والمعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن القتال في الميدان، لذلك ستكون مجموعة بريكس أولى جبهات المواجهة الاقتصادية، فهذه المجموعة تشكل تكتلاً اقتصادياً قوياً خارج إطار المجموعة الصناعية السبعة، فدول البريكس ذات مؤهلات اقتصادية كثيرة تجعلها قادرة على المبادرة والمنافسة في العديد من المجالات. وهذا الرأي تدعمه العديد من الحقائق:
-40% من الأراضي الروسية و20% من الأراضي الصينية هي أراضٍ عذراء.
-38% من غابات العالم تتركز في روسيا والصين والبرازيل.
-تعتبر جنوب أفريقيا منطقة تعدين مهمة عالمياً، وهي ذات موقع استراتيجي عالمي بإشرافها على المحيط الهندي و الأطلسي.
-تختزن أراضي روسيا جميع عناصر الجدول الدوري، كما أنها الأولى من حيث احتياطات النفط والغاز والمنتجات الزراعية.
-تشكل الهند مصدراً هاماً لتكنولوجيا المعلومات.
-تحتل الصين موقعاً إنتاجياً وديموغرافياً متقدماً ومتطوراً.
أمام هذه الأرقام فلا عجب أن يتعرض تكتل بريكس إلى ضغوطات من قبل الولايات المتحدة، وهذا الأمر تنبّأ به الكثير من الخبراء منذ عام 2020.
علاوة على ذلك، تتوافر ضمن تكتل بريكس مجموعة من الأجهزة المالية والاقتصادية القادرة على حماية أعضائها من الترجحات الشديدة في أسعار صرف العملات والأزمات الاقتصادية، أهمها:
-بنك تنمية بريكس الذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب بدعم المشاريع الاقتصادية المشتركة.
-و ترتيبات الاحتياطي الاحتمالي لبريكس، وهو ينافس صندوق النقد الدولي.
كما تمّ تطوير نظام دفع لمجموعة بريكس منذ عام 2015 ليكون بديلاً عن نظام سويفت، وهو نظام دفع متعدّد الأطراف ومتعدّد الجنسيات، يوفر إمكانية الدفع بالعملات الوطنية، وهذا ما سيخلق ضمانة أكيدة لـ “بريكس” ويوفر قدراً أكبر من الاستقلالية.
وفي عام 2017، تمّ وضع خطة بريكس بلس، والتي تقضي بضرورة ضم أعضاء جدد، وهناك العديد من الدول التي ترغب بالانضمام إلى هذا التكتل.
في ضوء الحقائق السابقة، نعتقد أن عمليات التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني ستتسارع ضمن هذا الفضاء على قاعدة التخصص التكاملي لمنع الاحتكاك والمنافسة غير المجدية. والحقيقة إن منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس تشكلان النواة السياسية والاقتصادية لهذا التكتل، فأعضاء منظمة شنغهاي التسعة يشكلون حوالي 42% من سكان العالم، كما أن الدول الرئيسة في المجموعتين هي الصين والهند وروسيا. وستكون عملية الاندماج الاقتصادي سهلة نظراً لتنوع الموارد والتقارب الجغرافي والربط الطرقي الذي تسعى إليه الصين. إذ أن جميع دول هذا الفضاء تدرك جيداً أن زعزعة استقرار أي دولة من دولها ستؤثر على أمن الدول الأخرى، لذلك ستسعى جاهدة إلى تحصينه واستقراره، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الهيمنة الأمريكية في هذه المنطقة، واندحارها بعيداً عنها.
= = =
هامش:
تم إلقاء هذه المداخلة في الندوة رقم 53 للمنبر التقدمي الديمقراطي الفلسطيني المستقل.
يمكن متابعة الندوة كاملةً على اليوتوب، الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=eNz-Xb7f2vk

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى