رأي

الطفولة المعذبة

د. صلاح حزام
كان لدي صديق يحمل الدكتوراه في طب الاعصاب (فقدتُ الصلة به اثناء الحصار وعلمتُ انه يعمل في احدى مستشفيات لندن).
كان طبيباً متفوقاً للغاية، وفي احد الايام دعوته الى بيتي في بغداد لكي يلتقي بصديق آخر لديه ولد يعاني من مرض الصَرَع، لكي يقدّم له الاستشارة حول علاج ولده.
أخذ الطبيب بتوجيه اسئلة محددة لصديقي الآخر تتعلق بحالة ولده المرضية.
كنت استمع الى الاسئلة والاجوبة واستغربتُ من بعض الاسئلة التي لم افهم علاقتها بالموضوع..
قال لي صديقي الطبيب ان هنالك اعداداً كبيرةً من مرضى الصَرَع الصغار الذين لم يتم اخضاعهم للتشخيص الطبي الصحيح ولم يتم تصنيفهم كمرضى يستحقون العلاج..انهم قد يعانون من درجة خفيفة من الصرع. بل يُنظَر اليهم باعتبارهم اغبياءٌ وبطيئو التعلّم ويتعرضون للاهانات والتقريع في البيت والمدرسة من قبل الاهل والمعلمين والزملاء التلاميذ.. يتميزون بالشرود وعدم التركيز وعدم القدرة على المتابعة مما يدفع المعلمين الى معاقبتهم في حين انهم يعانون من نوبة صرَع بسيطة!! يتعرضون للعقاب بدل الحصول على العلاج والرعاية الخاصة، فكيف يكون مستقبل هؤلاء؟
يُخرِجُهم الاهل احياناً من المدرسة ويرسلونهم لكي يتعلّموا مهنة باعتبارهم حالات ميؤس منها في التعليم .. وهناك يتعرضون ايضاً للعقاب من قبل صاحب العمل لانهم اغبياء..
كيف تنمو شخصياتهم وهم مرضى غير معروفين ومطالبون بسلوك سليم وتصرفات متوازنة لايقدرون عليها ؟
هذا نموذج من عذابات الطفولة في عديد من البلدان التي لايمكن تصنيفها باعتبارها متقدمة حتى لو اصبح لديها اعلى ناتج محلي واعلى نصيب للفرد من الناتج واجمل البنايات والشوارع .
التقدم هو العناية بالانسان اولاً واحترامه وليس العناية بالبنايات..
د. صلاح حزام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى