أخبارثقافة

الطاقة وعقل العالم

سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

أركيولوجيا العدم
العودة المحزنة لبلاد اليونان
٥٢ – النار عقل العالم

“لست أرى إلا التحول والتغير، لا تخدعوا أنفسكم ولا تلوموا حقيقة الأشياء، بل لوموا قصر نظركم إن ظننتم أنكم تبصرون أرضا ثابتة في بحر السكون والفساد .. إنكم تخلعون على الأشياء أسماء وكأنها ستبقى إلى الأبد، ولكن النهر الذي تنزلون فيه للمرة الثانية ليس هو النهر الذي نزلتم فيه أول مرة.”

بالنسبة للمدرسة الإيلية التي تكونت في الجنوب الإيطالي، وبالذات بارمينيدس الذي سندرسه لاحقا، حقيقة الكون هي الكينونة نفسها، أما الظواهر، والأشياء كما ندركها بحواسنا، أي كل الكائنات التي تحيط بنا فليست هي الحقيقة في ذاتها، ولكن حقيقتها الوحيدة تكمن في أنها كائنة ليس غير. جوهر الكون إذا هو هذه الكينونة المجردة والدائمة والتي لا يمكن أن تتحول أو تتغير إلى غير ما هي عليه، فالكينونة شيء مطلق لا تتعلق به أي نوع من الصفات سوى الكينونة وحدها، وكل ما ندركه بواسطة الحواس من جزئيات وتفاصيل تتغير بغير إنقطاع، مثل أغلب الظواهر التي تطرأ على الأشياء المادية، كل ذلك مجرد وهم حسي لا يمكن أن تكون لها علاقة بالحقيقة. هيراقليطس في حقيقة الأمر لا يقول عكس ذلك رغم ما يأكده العديد من الشراح والمؤرخين، ذلك أن هيرقليطس لم يعالج مشكلة الكينونة ولم يفرق بين الكينونة والأشياء الكائنة، بل أعتبرهما شيئا واحدا، ولهذا كان من الضروري أن يلاحظ التغير في حالة الأشياء الظاهرة من البرودة إلى الحرارة، من الرطوبة إلى الجفاف، من الحب إلى الكراهية .. إلخ، ويستنتج بأن الكينونة ليست ثابتة ولا أزلية، وأنها في تغير مستمر، وهذه الصيرورة الدائمة من صورة إلى أخرى هي حقيقة الكون. وربما في هذا المجال تظهر أهمية هيراقليطس، حيث أن الفينومينولوجيا المعاصرة بدورها لا تفرق بين الكائن وظاهرة الكائن.
ويبدو هيراقليطس هنا ما يزال يسبح في عالم “مذهب الوحدة” مثل العديد ممن سبقوه من السباحين، فاللوغوس ليس قوة متعالية أو مفارقة للكون أو للكائنات، بل اللوغوس والكينونة هما شيء واحد، إنه الكل الذي يحتوي كل الأشياء ويضم مجمل الكائنات، وحدة مركزة ومكثفة. النار هي مجرد تعبير عن قوة التغيير المتواصل لكل الظواهر في الطبيعة والتي لا يمكنها أن تستقر على حالة واحدة – ويمكن ترجمة هذا العنصر باللغة المعاصرة بإسم “الطاقة”. وكل هذه الظواهر والحالات المتناقضة تتوحد في النهاية في هذا “الكل” الواحد والذي هو عالمنا الذي نتحرك ونعيش فيه. فالحب والكراهية، الخير والشر، الليل والنهار، الحار والبارد، الجاف والرطب .. كل المتناقضات التي يمكن تخيلها هي شيء واحد وتعود إلى نفس المبدأ، مبدأ الحركة الذي يسمح بهذا التحول الدائم. واللوغوس، الذي حل محل ميثوس هزيود التقليدي القديم هو ما يفسر هذه الحركة الأبدية وغائيتها في نفس الوقت.
هيراقليطس كان فيلسوفا متوحدا ومتشائما لا يثق في الإنساني ولا في الإنسانية، ويرى أن العالم مليء بالتفاهة والغباء، وكان لا يكف عن الشكوى والتنديد ونقد كل ما يقع تحت سمعه وبصره. وقد حاول كما يبدو أن ينقل تجربته الوجودية وخبرته في الحياة مباشرة وبدون وسائط نظرية، ما عدا اللغة المبهمة التي لجأ إليها. ونظرا لصعوبة هذا التمرين فإنه كان مضطرا لإتخاذ موقف التوفيق بين المعرفة التجريبية الناتجة عن الممارسة العملية لمعاينة الأشياء، وبين المعرفة التجريدية المباشرة الناتجة عن الحدس Intuition، الذي أعتبره أفلاطون ومن بعده أرسطو، كتصور فوري للمبادئ الأولى، وبالتالي تعبير عن معرفة أكيدة ويقينية لأن الفكر يصل بواسطته مباشرة إلى محتوياته. ففي نظره، المعرفة التجريبية والمعرفة الحدسية تندمجان وتتوحدان في اللوغوس، الذي يعبر عن الأشياء كما هي في ظاهريتها، واضحة جلية وقادرة على تبرير وجودها وإيجاد الروح أو المبدأ أو القانون الذي يسيرها وينظم حركتها دون ضرورة اللجوء إلى أي شيء خارج عنها. ورغم سمعة هيراقليطس السيئة حول غموضه وصعوبة تعبيراته الفلسفية، إلا أنه نادرا ما يلجأ إلى التجريدات اللغوية أو الرمزية. فعندما يذكر التغيّر، فإنه يعني التغير الحقيقي الذي يحدث في الواقع والذي يمكن ملاحظته بالعين المجردة، مثل سريان الماء ونمو النباتات والأشجار وذبولها وميلاد الإنسان ونموه وموته.
اللوغوس أيضا يتجسد بطريقة رمزية في عنصر النار أو الطبيعة، وهو المبدأ الأساسي الذي يتغير الشيء بواسطته إلى ضده، ولا يجب إعتبار هذا التحول على غرار الديالكتيك الهيجلي: الموضوع ونقيض الموضوع ثم المركب من النقيضين في سيرورة ديناميكية، بل يرى هيراقليطس بوجود طريقين للتغير: من أعلى إلى أسفل، حيث يتحول فيه عنصر النار إلى الماء ثم التراب، وطريق مناقض ومعاكس للأول من أسفل إلى أعلى، حيث التراب يتحول إلى ماء والماء يتحول إلى عنصر النار. يقول عبدالرحمن بدوي بهذا الخصوص في ربيع الفكر اليوناني: “وهنا نرى هيراقليطس كما كان قد قال بهذين الطريقين المتضادين، فإنه يقول بأن الوجود تأتي عليه دورات يفنى فيها ثم يبدأ من جديد الوجود. وهكذا بإستمرار: يوجد أولا العالم ويستمر هذا العالم في التطور حتى ينتهي تطوره إلى حد يفنى فيه كل الوجود، ثم يأتي من جديد وجود آخر يبدأ من حيث أنتهى الوجود الأول، ويكرر تمام التكرار الوجود السابق. وهكذا يسير الوجود في دورات وكل دورة مشابهة للأخرى. وهذا هو مذهب “العود الأبدي” عند هيراقليطس “
هيراقليطس، في حركة فكره وتأملاته التي هي في سريان مستمر بدون توقف، وفي معاينته لعنصر “النار” كمفهوم حاضر ومتواجد في الساحة الفلسفية اليونانية، وجد أنه أكثر تعبيرا وأعمق دلالة على فكرة “التغيّر” المستمر التي كانت الهاجس الذي أستحوذ على ذهنه طوال حياته. لأن النار لا يمكن الإمساك بها أو ملاحقتها أو ترسيخها في صورة أو شكل أو قالب معين، فهي دائمة الحركة ولا يمكن متابعتها حتى بصريا. ومن ناحية أخري النار تغير كل ما تلمسه، فهي متغيرة ومصدرا للتغيير في نفس الوقت. ويبدو الأمر منطقيا وضروريا من أن يعتبر النار هو المبدأ الأول للتكوين، فالكائنات تصدر من النار وتعود إلى النار في نهاية الأمر. ذلك أنه في عملية الإحتراق، والذي يعتبر في نظره أحد الطقوس الرمزية البالغة الدلالة، حيث تتحلل الأشياء بواسطة الحرارة وتتحول إلى أضدادها. وتفقد النار تدريجيا مواصفاتها الفيزيائية كعنصر من العناصر الطبيعية، وتتجرد من ماديتها وحرارتها المحرقة وتصبح المبدأ الأولي المجرد، المبدأ العاقل، تصدر عنه الكينونة وترجع إليه. لأن النار كفعالية حارة ومحرقة وحقيقية، فإنها في نفس الوقت تتميز بالعقل من ناحية، وبالإستمرارية والدوام من ناحية أخرى. وهذا التجريد للعنصر المادي هو ما يسمح لكل ما يوجد ولكلية الكينونة بأن تكون في حالة إتصال وتواصل وإمتداد وصراع مستمر. ويصبح هذا العنصر الطبيعي هو “المبدأ” الأول الذي الذي يسمح بإرتباط الظواهر وتفاعلها مع بعضها البعض، وهيراقليطس يطلق إسم اللوغوس λόγος على هذا المبدأ.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى