أحوال عربيةأخبار العالم

الشرق والغرب وفلسطين الغائبة الحاضرة

سوما حساين

فلسطين الغائبة الحاضرة في كثير من الفعاليات، رفرف علمها في مدرجات ملاعب المونديال الذي تم تنظيمه في دولة قطر، وكأنه يُعبر عن حضورها رغم غيابها عن الحدث، فقد رفعه الكثير من جماهير المشجعين وبعض اللاعبين في المونديال من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، وكأنها محاولة لتعزيتها ومواساتها بسبب غيابها الذي كان حاضراً في عقولهم المزدحمة بالأخبار المضللة عن أحقيتها في الوجود. فلسطين التي لم يغفل عنها العرب يوماً ولو أن بعضهم يتجاهلون مظلوميتها، فهي تفرض نفسها بشدة كجرح دامي في خاصرتهم. وهي التي لم يغفل عنها الغرب يوماً لأنها لا زالت تذكرهم بماضيهم وما اقترفوه في حق الشعوب وحقها عندما قرروا إزالتها من الوجود، فهم الذين أبو أن يتخلوا عن إستعمارهم للدول العربية من خلال تآمرهم على زرع كيان صهيوني في قلب المنطقة العربية، الذي شرذم جسد الوطن العربي ونخر فيه كسرطان قد ينموا وينتشر. وما حدث في مونديال قطر ما هو إلا انعكاس للمجتمعات الغربية بين لنا بأن الغرب ليس إلا عبارة عن تاريخ قاسي ومُزيّف مليء بالنفاق والتضليل وقلب الحقائق.

وكان اختيار قطر كدولة راعية للمونديال وضعها تحت دائرة الضوء فأبهرت العالم بما صنعت، ففرضت ثقافتها العربية الإسلامية على العالم وأظهرت له حقيقة عالم الشرق الذي شوّه الغرب صورته، كما بين لنا د. إدوارد سعيد في كتابه الإستشراق. وكانت الصدمة الكبيرة الغير متوقعة لدول الغرب ما شاهدوه من التقدم الحضاري المُبهر، ولامسوا بطريقة مباشرة الإنسانية في الأخلاق العربية الأصيلة والشهامة والكرم العفوي الذي لم يعتادوه في بلادهم. إنه تصادم بين الحضارات الشرق على أرضهم والغرب كضيوف، وهذا جعل صورة الغرب المُتحضر تهتز في عيون الكثيرين ممن شاهد أحداث المونديال، فقد عراهم وأظهر صورتهم الحقيقية وفضح تخبطهم ورضوخهم لقوانين شاذة بإسم الحرية المزيّفة والرأسمالية المتسلطة، وقد اكتشفوا أنهم مجرد عبيد لقوانين مرسومة لهم تدعي الحرية المتعولمة للهيمنة عليهم وعلى العالم، وهذا نتاج الثقافة المزيفة المُفبركة التي فرضتها عليهم حكوماتهم بإسم الحضارة.

لقد بات أمراً ليس سهلاً تصحيح هذا التضليل والتظليل الكبير على نكبة فلسطين وسط هذا الكم الهائل من النفاق السياسي والإعلامي الذي تارة ما يَعتبر فلسطين بوصلة للسلام والعدل وتارة يقوم بتهميشها، أو ربما اعتبرها البعض ورقة تهديد أو كرة يوجهها حيث يشاء ويشوطها نحو الهدف المراد الوصول إليه، لقد أصبحت فلسطين أداة للتأثير والمساومة فيما بين الدول، وقد تناسوا جرحها النازف الذي لم يتوقف يوماً عن السيلان إلى الآن، وقد أصبح من الضرورة البحث عن طرق لترمم هذا الجرح ووقف النزيف، ومحاولة العمل على تصحيح ما علق بالتاريخ الفلسطيني والعربي من أضاليل وأكاذيب تعمّد الغرب على خلقها، وظلّت تُبث في أدمغة الناس طوال العشرات من السنين الماضية عن طريق الإعلام بشتى أشكاله، وذلك لتشويه صورة العربي ووصمه بالتخلف والرجعية وتصويره كبدوي جاهل لا يعرف للحضارة معنى.

الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان فكلٌ جُبِل بطريقةٍ مُغايرة عن الأخرى ولكل ثقافته المُختلفة، فالغرب قائم على مظاهر القوة والاستبداد والتظاهر بالحضارة، والشرق قائم على الجوهر الفطري البسيط الذي لا يعرف النفاق والمظاهر إلا من تأثّر بظاهرة الحضارة، والغرب لا يهمه سوى المصلحة المادية وأن يُظهر للعالم بأنه أصل الحضارة والتقدّم، حتى وإن بنى حضارته على معلومات كاذبة ومزيفة، وكم من الضلالات والاكتشافات التي بينت لنا بأنها كانت مجرد أكاذيب وخدع مُلفقة، ابتداءً من الخرائط المزيفة التي تُضخم مساحات الدول الغربية وتُحقر دولنا العربية، وانتهاءً بصعودهم على سطح القمر الذي شكك بها بعض علماء الفيزياء، ونفاه المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك (Stanley Kubrick).

عالم مُتحضر بنى حضارته على كثير من الأكاذيب والأضاليل بأفلام ممنتجة في استديوهات هوليود وصحراء نيفاذا. والدليل على نفاق العالم الغربي وقسوته هو ما عاناه الشعب اليهودي في دول أوروبا حتى منتصف القرن العشرين من اضطهاد وعنصرية وقتل. وفي عصر النهضة وعندما انتهى استعمار الغرب للدول العربية والإفريقية التي امتصوا دمائها وخيراتها بأشكال متعددة، وجدوا أن خير سبيل للتخلص من الشعب الذي لا يُشبههم (اليهود) هو زرعه كوتد بين دول الشرق العربية، وهذا سوف يبدو للعالم عمل إنساني وهو إيجاد وطن بديل لشعب الله المُختار والمحتار أين يستقر لجني الأموال. لقد أصبح الغرب يعاني من رهاب العنصرية ضد السامية وأصدروا الكثير من القوانين لتجريمها، كنوع من التكفير عن ذنبهم بحق اليهود أو ربما ليُظهروا إنسانيتهم للعلم ولشعوبهم المقموعة بطريقة غير مباشرة، وكذلك لتنظيف صورة المستعمر القاتل الدموي من أذهان أبنائهم والعالم، صورة الإجرام والوحشية التي مارسها المستعمر الغربي لعقود طويلة، خلال فترة إستعماره لدول المشرق العربي ودول إفريقيا، وكذلك خلال فترة التطهير العرقي التي شهدتها دول أوروبا.

وللأسف فقد أصاب رُهاب “العنصرية ضد السامية” شعوب المنطقة العربية، من المثقفين المتشبثين بأذيال الحضارة الغربية، فقد أصبح الكثيرون يتجنبون ذكر إسم فلسطين في كتبهم وندواتهم لئلّا يظهروا معادين للسامية وغير حضاريين، وقد نسي الجميع أن الشعوب العربية هي شعوب سامية، وقام الكثير من الناشرون والكُتاب والمترجمون بشطب إسم فلسطين من الكتب والمناهج المدرسية، حتى كتاب هيرادوت التاريخ لم يسلم منهم فقد استبدلوا إسم فلسطين بإسم سوريا، فإذا أراد أحد المؤرخين أو المترجمين التحدث عن تاريخ فلسطين يقول “منطقة جنوب سوريا” أو “جنوب غرب آسيا الصغرى” أو ” الساحل الشرقي للبحر المتوسط” أو “الضفة الغربية وقطاع غزة”، وكأن إسم فلسطين صار لعنة أو ذنب بحق من يتلفظ به، وكأن محوها من الكتب والخرائط سوف يلغي وجودها من الذاكرة، ولكن ذكر إسم فلسطين يعني السيادة ونفي الإسم يعني نفي السيادة والوجود على الأرض. ونجد أن الصمت هو المطلوب لعدم انتقاد اليهود الصهاينة على ما ارتكبوه من جرائم في فلسطين ولا زالوا يفعلون، فنحن نرى يومياً ما يفعله المستوطنون وجيش الإحتلال من قتل وتنكيل وتدمير ضد الأهالي في فلسطين.

ونحن نرى أنَّ الكثير من المؤرخين الغربيين الغير حياديين يستمدون معلوماتهم التاريخية من قصص كتاب التوراة، وللأسف فقد تبعهم بعض المؤرخين العرب الذين يعتبرون كُتاّب الغرب هم المرجع الصحيح للتاريخ، وكل ما يصل للشرق من معلومات وكتابات غربية فهي علوم موثوقة وعليهم الأخذ بها دون بحث وتدقيق، وهؤلاء الأقلية من الكُتاب والمُثقفون المنبهرون بثقافة الغرب المُزيفة يجهلون الحقيقة أو لا يريدون رؤيتها، وهم مخدوعون بحضارة الغرب وينقلون عن كُتّابها ومؤرخيها دون تمحيص أو تقييم لما يردهم، وهذا نتيجة الإستعمار البغيض الذي جثم على صدورنا لعقود طويلة (إعجاب المغلوب بالغالب والضعيف بالقوي الحاكم)، حيث حرص المستعمر الغربي خلال فترة إستعماره على نشر الجهل والتخلّف وإثارة العنصرية والنعرات بين الناس، وذلك بالتمييز بين الطوائف والطبقات الاجتماعية عملاً بمقولة (فرّق تسُد)، وهذا ناهيك عن سياسة الترهيب والتقتيل والقمع والعنصرية ضد الشعوب المُحتلة.

ولم ننسى أن المستعمرين الغربيين لم يتركوا خيراً في البلاد العربية إلاّ نهبوه أو استغلوه لأبعد الحدود، ونعلم أن المستعمر الغربي قام بنهب الكثير من المكتبات العربية القيّمة أثناء الحروب الصليبية، وقد قاموا بترجمة الكثير من الكتب الأدبية والعلمية ثم نسبوها لأنفسهم، وهذا ما بيَّنه لنا الباحث التركي د. فؤاد سيزكين الذي كان يدرس في جامعة غوتيه في فرانكفورت الألمانية، حيث اكتشف المئات من المخطوطات العربية القديمة في شتى أنواع العلوم العربية كالطب والفلك والجبر والرياضيات والكيمياء والجغرافيا وغيرها من معارف موجودة في مكتبة الجامعة، وقام الدكتور الباحث فؤاد سيزكين بدراسة مئة وأربعين مخطوطة منها، ثم وثقها وردها إلى أصولها العربية وعمل على طباعة تلك المخطوطات باللغة الألمانية مع توضيح أصولها العربية، وفي هذا السياق قام الباحث سيزكين بتقديم أطروحة دكتوراة عن عالم الكيمياء العربي المسلم جابر ابن حيان تتضمن موسوعة في علم الكيمياء والزراعة وعلم النبات، وأصدر كذلك كتب تتحدث عن مخطوطات العرب في الطب والصيدلة والبيطرة وعلم الحيوان وعلم النجوم وعلم الجغرافيا والخرائط وعلم اللغة والنحو وغير ذلك من العلوم.

وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى التي تُبين لنا قيام كُتّاب غربيون مشهورون بانتحال كتب عربية قديمة، بعدما قاموا بترجمتها ووضع أسمائهم عليها دون ذكر إسم مصادرها العربية الأصيلة، مثل الكاتب الإيطالي الشهير دانتي عندما نشر كتابه المعروف بـ “الكوميدية الإلهية” سنة 1308 ميلادية، والتي نقلها أو اقتبسها من كتاب رسائل الغفران للشاعر العربي أبو العلاء المعري، وقد كتب أبو العلاء رسائله الشهيرة سنة 973 ميلادي أي قبل كتاب دانتي بحوالي ثلاث مائة وخمسون سنة. وكذلك تم التحايل والغش والخداع في المُكتشفات الأثرية والدراسات التاريخية لتخدم مصالحهم، وهذا لا يعني أن جميع الشعوب الغربية عنصرية ومتحايلة، ولكن الطبقة المُسيطرة هي المُتحكمة في الشعوب والعقول وهي من تكتب التاريخ وتتخذ القرارات. فقد عانى العالم الغربي القديم من التخّلف والصراع والحروب الأهلية خلال عصور الظلام، وعندما نهض من ظلامه بنى حضارته على ما غنمه من حضارة الشرق العربي في شتى المجالات العلمية والأدبية التي سلبها من مكتبات بغداد والأندلس والإسكندرية وغرناطة، ويحرص الغرب على إنكار جذوره وأساس تقدمه ليفوز بالحضارة والقوة والهيمنة، ولكن حضارته قد تنهار في أية لحظة إذا تخلّى عن القيم والأخلاق وأنكر الحقائق الصحيحة والسليمة وظلَّ يكيل بمكيالين.
بقلم سوما حساين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى