في الواجهة

السياسة الخارجية الفرنسية بعد فوز ماكرون بالرئاسة للمرة الثانية

 
عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى
الإنتخابات الفرنسية وفوز ماكرون للمرة الثانية حدث يستحق التأمل ، لما إنطوى عليه من دلالات وإشارات نحو الحاضر والمستقبل ، فرغم تميز المشهد السياسى الفرنسى بالحيرة والتشرزم ، فقد أفرز فى النهاية ثلاثة مواقف رئيسية ، أقصى اليمين الذى مثلته لوبان ، وأقصى اليسار الذى مثله ميلانشون ، والوسط الذى مثله ماكرون ، أقصى اليمين بشعبويته وعدائه للأجانب ورغبته فى الخروج من الإتحاد الأوربى ، أقصى اليسار بالتركيز على التوزيع العادل للثروة بلا عداء للأجانب ولا شعبوية ولكن مع رغبة فى الخروج من الإتحاد الأوربى أيضاً ، وماكرون بسياسات نيوليبرالية إقتصادية أثبتت فشلها وعدم رضى القطاع لأكبر من المجتمع الفرنسى عنها ، لكن بتمسك شديد بالإتحاد الأوربى ووحدة أوربا وإتجاه العولمة ، وهوالموقف الذى كسب به الإنتخابات فى الواقع ، ضد اليمين وضد اليسار، برغم قوتهما، والذى يضعنا أمام خيارات الإنسان الجديدة فى العصور الحديثة ، العولمة ضد الشعبوية
تختلف مسارات التاريخ بين الأمم ، فبعضها مازال يعيش فى العصور القديمة يقاتل القبيلة المجاورة فى إفريقية ، والبعض الآخر فى العصور الوسطى يقاتل حروب الدين والقومية فى الشرق الأوسط ، والبعض الآخر فى العصور الحديثة يصارع من أجل تكسير أغلال الماضى والولوج إلى مستقبل واحد بلا قبيلة ولا دين ولاقومية فى أوربا وفى قلبها الفرنسى ، فى فرنسا التى أنجبت فولتير وروسو وديدرو والثورة الفرنسية ، ومازلت تتقدم مسارات التاريخ وتنتصر على الماضى العنيف القوى، كما تجلى فى فوز ماكرون نصير العولمة والوحدة الأوربية ، حيث لم تعد معارك التاريخ الكبرى إسلام ضد مسيحية ، ولا إشتراكية ضد رأسمالية ، بل عولمة ضد شعبوية ، فقد حسمت المعارك السابقة بظهور مبادىء حرية العقيدة وبالتيارات السياسية الوسطية ، الإشتراكية الديموقراطية والليبرالية الإجتماعية وغيرها ، ولكن بقيت معركة الغابة الإنسانية الكبرى لم تحسم ، العولمة ضد الشعبوية المفترسة
وفى الإحتفال بفوز ماكرون ، ظهر البعد الثانى فى الروح الفرنسى ، فبجانب أعلام الإتحاد الأوربى ، والبعد الأوربى ، ظهر بعد المتوسط ممثلاً فى مغنية الأوبرا المصرية فرح الديبانى ، التى قبل ماكرون يدها ، فى صورة شديدة التعبير عن عمق بعد المتوسط فى الروح الفرنسى ، غنت فرح المارسييز الفرنسى ، كأنها فرنسية ، وإستمع إليها الفرنسيون كأنهم يشاركونها المواطنة ، ولم يكن مصادفة أن تكون فرح مصرية ، فمصر كانت الشريك الأساسى فى مشروع إتحاد المتوسط ، الذى بدأ مع مشروع منتدى المتوسط فى عهد فرانسوا ميتران سنة 1989، ووصل منتهاه المؤقت فى عهد ساركوزى سنة 2007 ، ولم يكن مصادفة أيضا أن يكون فرانسوا ميتران ، السياسى الفرنسى الكبير ، الذى قاد أوربا للتوقيع على معاهدة الإتحاد الأوربى فى ماسترخت سنة 1992، بعد حوالىى عشرين عام من محاولات التقارب الأوربى ، هو نفسه الذى بدأ رحلة إتحاد المتوسط .
فرنسا أمة عظيمة ذات رسالة خالدة ، أنجبت لنا أنبياء العصر الحديث فولتير وروسو وديدرو ، ورعت قيام الإتحاد الأوربى وإتحاد المتوسط ، وصارعت ومازلت تصارع اليمين المتطرف من أجل الحفاظ على أمل البشر فى الوحدة والسلام والتعايش المشترك ، وقد آن الأوان لإن نقوم بواجبنا أيضا نحن شعوب جنوب المتوسط ، حتى تلتقى الأهداف وتتلامس الأيادى الممدودة يوما ،،، مبروك لماكرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى