أخبار العالمإقتصادفي الواجهةمال و أعمال

الدَين العام الأمريكي …. تحدي اقتصادي كبير يتنظر الحل

آدم الحسن

يرى بعض المتابعين للشأن الاقتصادي من إن الولايات المتحدة الأمريكية تغطي و تسد العجز في ميزان الإيرادات و المدفوعات الفدرالية من خلال إصدار المزيد من عملتها ” الدولار ” دون أن يرافق ذلك أي غطاء و كأن الدولار عملة تطفو في الهواء …. قد يتضمن هذا الرأي جزء من الحقيقة لكنه جزء بسيط جدا فهنالك اجزاء مهمة من هذه الحقيقة , اذ ان تغطية و سد العجز التراكمي للسنين الماضية قد تم بواسطة قروض على شكل سندات لدعم الخزانة الأمريكية , و سنة بعد سنة تراكم هذا الدين العام الأمريكي لصالح بنوك مركزية لدول عديدة و بنوك و مؤسسات مالية لجنسيات مختلفة بالإضافة الى ديون لصالح بنوك و شركات و مؤسسات مالية امريكية .

في هذه المرحلة , صار مستقبل و مصير الدين العام الأمريكي سؤالا يحمل في طياته مخاطر هائلة على الاقتصاد الأمريكي و ارتدادات هذه المخاطر على الاقتصاد العالمي بشكل واسع و شامل خصوصا بعد أن وصل إجمالي الدين العام الأمريكي الى سقفه الأعلى الذي حدده له الكونغرس الأمريكي و البالغ 31.4 ترليون دولار … !
وصول الدين العام لسقفه الأعلى طرح سؤالا خطيرا و هاما …
ماذا سيحصل حال تخلف الولايات المتحدة الأمريكية عن سداد ديوانها من الدين العام … ؟ّ!

صحيح أنه من خلال الدين العام الأمريكي تمكنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة من حل مشكلات الاقتصاد الأمريكي و من خلاله تم ايضا تعزيز مكانة امريكا و هيمنتها الاقتصادية و السياسية على دول العالم المختلفة لكنه في حقيقة الأمر كان ايضا مجرد ترحيل مشاكل الماضي الى المستقبل دون ايجاد اي حلول لها اطلاقا , فما كان يحصل في الفترات السابقة هو استبدال القنبلة المؤقتة ( الدين العام الأمريكي ) قبل انفجارها بقنبلة مؤقتة اخرى اكبر حجما منها و اشد تدميرا لكن وقت تفجر القنبلة الجديدة مؤجل لفترة اضافية اخرى من خلال رفع سقف الدين العام . و حين يصل الدين العام لسقفه الجديد يتم مرة اخرى استبدال القنبلة المؤقتة قبل انفجارها بقنبلة مؤقتة اخرى اكبر حجما منها …. و هكذا …. حتى وصل الدين العام الأمريكي لهذا الرقم الفلكي … !

لا شك انه في حال تخلفت الولايات المتحدة الأمريكية عن سداد ديوانها سيحدث ما يمكن تسميته بالانفجار الاقتصادي العظيم , هذا الانفجار سيشكل تسونامي يكتسح الاقتصاد الأمريكي و معه الاقتصاد العالمي برمته و ستتساقط اركان العديد من البنوك و الشركات و المؤسسات المالية التي لها جذور اقتصادية منتشرة في عموم دول العالم …!

السؤال الأهم هو هل من الممكن أن يحدث مثل هذا الانفجار الاقتصادي …. ؟
الجواب : قطعا ” لا ” اذ لا يمكن لأي ادارة امريكية و لا لمجلس النواب الأمريكي بجناحيه الجمهوري و الديمقراطي السماح بحصول هذا الانفجار لكونه عملية انتحار اقتصادي , و لقد عبر عن ذلك رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن مكارثي بقوله : ” ان التخلف عن سداد الدين العام الأمريكي هو ليس خيارا من بين الخيارات “
من المؤكد أن اعضاء مجلس النواب الأمريكي من الحزبين الجمهوري و الديمقراطي قد اتفقوا على منع حدوث أي تخلف في سداد الولايات المتحدة الأمريكية لديونها ….. لكن كيف … ؟!

هنالك ايضا اراء تعتبر أن تخلف امريكا عن سداد ديونها هو امر حتمي و كل ما يحصل من حلول هي لتأجيل موعد الكارثة الاقتصادية و من بين هذه الآراء رأي رجل الأعمال و الملياردير الأمريكي ايلون ماسك حيث غرد مؤخرا على تويتر بقوله : ” أن التخلف عن سداد الديون في الولايات المتحدة ما هي إلا مسألة وقت فقط ” , كأن ايلون ماسك يقول أن الكارثة الاقتصادية قادمة لا محال و أن حدوثها هو امر حتمي حيث لا حلول لتجاوز الكارثة .

حاليا , يتوجب على امريكا سداد حوالي 2000 مليار دولار كمعدل سنوي من السندات التي يستحق موعدها بالإضافة الى حوالي 1000 مليار دولار فوائد سنوية على اجمالي الدين العام أي أن مجموع المبالغ الواجب تسديدها سنويا هي بحدود 3 ترليون دولار .

سؤال أخر له نفس الدرجة من الأهمية ….
ما هي الخيارات امام امريكا للخروج من ازمة الدين العام و هل هنالك حل جذري ام أن كل الحلول هي حلول مؤقتة … ؟
للخروج المؤقت من كارثة التخلف عن سداد مستحقات الدين العام يقترح الحزب الجمهوري رفع سقف الدين العام بقدر محدود على أن يرافق ذلك تقليص حجم نفقات الحكومة الفدرالية في حين أن الحزب الديمقراطي و الرئيس بايدن يصران على زيادة اكبر في سقف الدين العام و عدم تقليص النفقات الفدرالية .

إن الاستمرار برفع سقف الدين العام و رفع نسبة الفائدة على سندات الخزينة الأمريكية سيصل بالدين العام الأمريكي الى مستويات لا يمكن للاقتصاد الأمريكي عندها الصمود خصوصا و إن العالم يتجه نحو عالم متعدد القطبية الاقتصادية , اذ حتى لو قام الفدرالي الأمريكي برفع نسبة الفائدة على سندات الخزينة سيبقى هنالك خطر حقيقي و كبير سيواجه الاقتصاد الأمريكي , هذا الخطر يتمثل في امتناع دول كثيرة و مؤسسات مالية عديدة عن شراء سندات جديدة لدعم الخزينة الأمريكية .

عند تراجع استعداد دول عديدة لشراء سندات دعم الخزينة الأمريكية سيكون امام الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث خيارات لا رابع لهما :
الخيار الأول : التخلف عن سداد الديون المستحقة و هذا امر اقرب الى المستحيل لأنه سيشكل الكارثة الاقتصادية الكبرى .
الخيار الثاني : يتمثل في نسف النظام النقدي المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا و ذلك بقيام البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي بمنح ما تحتاجه الحكومة الفدرالية من دولارات دون أي مقابل , أي تقديم منحة مجانية و مفتوحة لسد العجز في الموازنة الاتحادية و لتسديد مستحقات الدين العام , و هذا الخيار سيشكل كارثة اقتصادية لكن من نوع أخر , أهم صفات هذه الكارثة هو انهيار الدولار الأمريكي بفقدان مكانته في النظام النقدي العالمي و تراجع قيمته امام عملات دول أخرى بمقدار لم بسبق أن حصل له في الأزمات السابقة و ما سيتبعه من انهيار في النظام المصرفي الأمريكي و تصاعد معدلات التضخم الى نسب غير مسبوقة .
الخيار الثالث : و هو الحل الممكن و الواقعي للخروج من ازمة الدين العام الأمريكي و ذلك من خلال زيادة إيرادات الخزينة الأمريكية من ضرائب و رسوم و منها الرسوم الجمركية على البضائع و كذلك تقليص النفقات الفدرالية و خصوصا النفقات العسكرية و هذا ما سيجعل امريكا تأخذ حجمها الطبيعي و سيحولها الى قطب اقتصادي دولي معتدل الحجم من بين اقطاب عديدة في نظام اقتصادي عالمي اكثر عدلا و هذا ما تسعى لتحقيقه دول مجموعة بريكس .
هنالك مؤشرات بدأت تظهر عن امتناع دول مجموعة بريكس و خارج هذه المجموعة من شراء دفعات جديدة من سندات الخزينة الأمريكية و بدلا عن ذلك تقوم هذه الدول بإجراءات عديدة لحماية اقتصادها و من هذه الإجراءات الاحتفاظ بالفائض النقدي من الكتلة الدولارية على شكل سيولة نقدية , فمثلا تشير الأرقام الى تراجع حجم ما لدى الصين من هذه السندات الأمريكية بمقدار 5 الى 6 مليار دولار شهريا , و رغم أن هذا التراجع لازال بسيطا حيث تمتلك الصين بحدود 1200 مليار دولار من هذه السندات لكنه يشكل انذارا خطيرا للإدارة الأمريكية .

سيبقى خطر تخلف امريكا عن سداد ديوانها قائما و يفرض نفسه على واجهة الأحداث الاقتصادية و السياسية ليس ضمن مشكلات الاقتصاد الأمريكي فحسب و انما سيبرز على الصعيد الدولي كمشكلة كبرى تهدد اركان اقتصاد جميع دول العالم .
و سيبقى خطر انهيار الاقتصاد العالمي قائما لحين التخلص من الدين العام الأمريكي الذي هو بحق عبارة عن قنبلة مؤقتة صنعتها كارتيلات الصناعات العسكرية الأمريكية من خلال هيمنتها على القرار الأمريكي الذي يتسبب في شن الحروب و خلق بؤر توتر في مناطق مختلفة من العالم الغرض منه زيادة الأنفاق العسكري الأمريكي كي تتدفق المزيد من الأموال في ارصدة هذه الكارتيلات … !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى