أمن وإستراتيجية

الحرب بين العصور

الحرب بين العصور أحمد فاروق عباس

هدفت دول الغرب الكبرى فى العقود الثلاثة الأخيرة إلى تقويض سيادة الدول ، والوصول إلى وضع تكون فيه قدرة الدولة على التحكم فى سلطة القرار فيها صورية ، وقد تم العمل على الوصول إلى ذلك بعدة صور ..

  • فى الاقتصاد .. أصبحت المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولى ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولى لها سلطة تتسع باستمرار على شئون المال والإقتصاد في أغلب بلاد العالم ، ثم جاءت العولمة وحرية حركة الأموال والبشر والسلع لتجعل هامش المناورة أمام الدولة شديدة التضاءل ..
  • وفى الرياضة .. أصبحت الاتحادات القارية والفيفا لها الكلمة العليا فى كل شئون كرة القدم ، ولم يعد لاتحادات الكرة المحلية من عمل جدى ، حتى معاقبة المسئ لا تستطيع قول كلمة الفصل فيه ، وأصبحت كل شئون اللعبة فى يد الفيفا تقرر فيها ما تشاء ..
  • لم تصبح سلطة القرار فى الدولة صورية في مجال الاقتصاد أو الرياضة فقط ، فقد أصبحت السلطة السياسية للدولة على أرضها وحدودها تتعرض لتحديات بالغة الخطورة ، وظهرت جماعات وتنظيمات دينية وعرقية جعلت بقاء الدول نفسها محل تساءل ، وتجد هذه التنظيمات الدينية والعرقية دعما مستترا من القوى الكبرى في الغرب ، حتى وان ادعت علنا أنها تحاربها ، فهذه التنظيمات تستخدم وسائل للانتقال – بحرية أو جوية – للغرب سيطرة كاملة عليها ، وتستخدم لجلب الأنصار قنوات فضائية أو وسائل التواصل الاجتماعي وكلاهما فى قبضة الغرب تماما ، وتستخدم لنقل الأموال النظام البنكى العالمى ، ويصل السلاح من مصادر متعددة إليها لتحارب به دولها بمنتهى السهولة !!

والنتيجة أن سلطة الدولة ضعفت مع كل هذه المخاطر الكبرى ، ووصلت دول كثيرة لم تستطع تحمل الضغط الشديد متعدد المناحى إلى أن أصبحت – بفعل فاعل وبقصده – دولا فاشلة !!

وهناك ناحية أخرى لم يلتفت إليها كثيرين ، وهى الحرب النفسية الشديدة على فكرة الدولة وعلى تاريخها ، ففى مصر تعرضت فكرة الدولة إلى هجوم شديد ، وتم تغذية الحرب الأهلية بين التيارات السياسية المصرية ، وأصبح أنصار الفترة الملكية فى حرب مستعرة مع الفترة الناصرية وأنصارها والعكس ..
ودخل أنصار عبد الناصر فى حرب صفرية مع الفترة الساداتية والعكس ..
ودخل الجميع فى حرب ضروس مع فترة حكم مبارك !!
ومع نهاية فترة حكم الرئيس السيسي سينضم وتنضم فترة حكمة إلى حرب العصور التى تشهدها مصر منذ عقود !!

ليس المهم ذكر إيجابيات أو سلبيات كل رئيس ، فكل حكم فى الدنيا له محاسن وله مساوئ ، وذلك من طبائع الأمور ، ولكن المهم هنا أن حرب العصور مع بعضها تلك استخدمت بدهاء شديد لتقويض فكرة الدولة نفسها ، فكل ما يأتى منها – من الدولة – سئ وكل من حكمها سيئون !!

نجح من عمل على ذلك فى مسعاه ، لدرجة انه عندما قررت القوى الكبرى بعث الحياة فى صور تجاوزها الزمن للتنظيم السياسي مثل نظام الخلافة بقيادة الأتراك وجدت من يستمع إليها ويدافع عنها !!

ولدرجة انه وُجد من يطالب علنا بهدم الدول وتدميرها على رؤوس أهلها بحجة أنه يجب بناءها من جديد ، وقد وجد من ينادى بتلك الأمور من يستمع إليه ويتحمس لخرافاته !!

لم يلتفت أغلبنا فى سبيل الانتصار للعصر الذى يهواه أن فكرة الدولة نفسها فى أعين كتل مهمة من الشعب أصابها الضرر من جراء هذه الحرب الضروس …

وأن من يعمل على تغذية هذه الحرب لا يهمه مصر الملكية أو مصر الجمهورية ، ولا أيهم أفضل عبد الناصر أم السادات أم مبارك أم السيسي ..
ولكن يهمه أن يضع في عقول أبناء مصر أن دولتهم – وهى للغرابة أقدم دولة فى التاريخ – دولة فاشلة ، وتستحق تقويضها وبناؤها من جديد ، وأين ؟ فى عصر شديد الخطورة ، تنتهى فيه الدول وتذهب إلى المجهول بمنتهى البساطة ، وفى زمن لن تجد اثنين من المصريين يتفقان على رأى واحد !!

الدولة كفكرة وكمعنى هى موضوع الحرب وليس هذا الرئيس أو ذاك ، أو هذه الفترة أو تلك ، فتلك كلها قضايا من الماضى ، ومن يعمل على إنهاء الدول وتفتيتها يهمه الحاضر والمستقبل ، وان استخدم الماضى وسيلة لذلك ..

هل معنى ذلك أن الدول ورؤساءها كيانات مبرأة من الخطأ ؟!
لا طبعا ..
ولكن الدولة فى العالم كله أصبحت الصيغة الارقى للتنظيم السياسي ، ورؤساء الدول بشر فى نهاية الأمر ، ممكن الإختلاف معهم أو تأييدهم في هذه السياسة أو تلك ، مع معرفة أنه هناك هامش للخطأ معروف ومعترف به فى كل دول العالم وأولها الدول المتقدمة ، التى دخل رؤساؤها في حروب عالمية مات فيها عشرات الملايين ، أو احتلوا دول بناء على كذبة ( أمريكا والعراق ) ….

والابقى من الحرب بين العصور هو وضع كل عصر في إطار زمنه وضمن ظروف عصره ، ومعرفة أن التجارب تتراكم والمعرفة تزداد مع مرور الزمن سواء للأفراد أو للدول ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى