أخبارأخبار العالمأمن وإستراتيجيةفي الواجهة

الحرب العالمية الثالثة ..هل باتت أمرا واقعا ؟

هل التحذير من حرب عالمية ثالثة هو في مكانهِ أم مُبالغٌ فيه؟

عبد الحميد فجر سلوم
كاتب ووزير مفوض دبلوماسي سابق/ نُشِرَ لي سابقا ما يقرب من ألف مقال في صحف عديدة

في المناظرة التاريخية بين مرشّحَي الرئاسة في الولايات المتحدة، الجمهوري دونالد ترامب، والديمقراطي جو بادين، يوم الخميس 27 حزيران/ يونيو 2024، تحضيرا للانتخابات الرئاسية في 5 تشرين ثاني / نوفمبر 2024، اتّهم ترامب جو بايدن بأنه سيدفع البلاد إلى الحرب العالمية الثالثة.
فكان ردُّ بايدن أنه إذا أردتم حربا عالمية ثالثة اجعلوا ترامب يفوز ليشجع بوتين على الاستمرار وينقل النزاع إلى دولة أخرى.
وحمّل ترامب نظيره بايدن مسؤولية نشوب الحرب في أوكرانيا قائلا لو كان هناك رئيس حقيقي يحترمهُ الرئيس بوتين لما غزا بوتين أوكرانيا.. وأضاف: كان بايدن سيئا في أفغانستان وبوتين راقبَ هذا وراقب عدم الكفاءة، وعندما شاهد بوتين ذلك قال إنه سيذهبُ ليغزو أوكرانيا فهذا حلُمه.. وقال لقد أعطى بايدن 200 مليار دولار لأوكرانيا، ووصف الرئيس زيلينسكي بأنه افضل بائع لأنه كلما جاء إلى واشنطن يحصل على المليارات.. ثم قال لبايدن ما كان يجب أن تُنفق هذه المليارات.. وأضاف ترامب أن شروط بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا غير مقبولة..
**
إذا هكذا بهذه البساطة هو تفسير ترامب للحرب في أوكرانيا، إنها سقوط هيبة الرئيس جو بايدن..
طبعا الجانبين الأمريكي والأوروبي يتجاهلان كل مخاوف روسيا وأسباب إندلاع هذه الحرب الرئيسة من المنظور الروسي، وهو بالأساس قيام الجانبين بتوسيع حلف الناتو نحو الشرق منذ العام 2004 رغم تحذيرات موسكو، وهذا ما أوضَحهُ الرئيس بوتين منذ خطابهِ أمام مؤتمر الأمن في ميونخ في شباط 2007، خلافا للتعهدات الغربية بعدم القيام بذلك، ومستشهدا بتصريحات أمين عام الناتو بين عامي 1988 و 1994 مانفرد فرنر، الذي شهِد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، والذي صرّح في خطابٍ له في بروكسل في 11 أيار 1999 قائلا:(حقيقةَ أننا مستعدون لعدم نشر قوات للناتو خارج أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية يمنح الاتحاد الروسي ضمانة أمن راسخة).. ثم تساءل بوتين: أين هي هذه الضمانة؟.
وانتقد بوتين في ذاك الخطاب هيمنة القطب الواحد واحتكار الولايات المتحدة للقرار في العلاقات الدولية، وشدّد أن تحديث الناتو لا يكون بالتوسع وهذا لا يضمن أمن أوروبا بل يشكل استفزازا خطيرا يقلل من مستوى الثقة المتبادلة.. وتساءل بوتين: ضد من هذا التوسُّع؟.
**
مساعي توسيع الناتو شرقا التي لم تتوقف، وما حصل من تطورات على الساحة الأوكرانية منذ 2008 ورفضِ بوتين علنا وبشكل صريح ومباشر انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.. ثم ما حصل من تطورات على الساحة الأوكرانية (ولسنا بصدد الحديث عنها الآن فهي طويلة) إلى أن حصل الانفجار الأول في آذار عام 2014 بضم جزيرة القرم، ومن ثم فوز فولوديمير زيلينسكي بالانتخابات الرئاسية عام 2019 وتوجههِ الصريح نحو الناتو، كل ذلك أدى للانفجار الثاني وهو الحرب في أوكرانيا في شباط 2022، والتي وصفتها موسكو بالعملية العسكرية المحدودة..
فمنذ ضمِّ جزيرة القرم في آذار 2014 دارت أعمال عسكرية في شرق أوكرانيا بين قوات تابعة للحكومة في كييف وبين موالين لموسكو واعتبرتهم كييف انفصاليين، وأسفرت عن مقتل أكثر من 13 ألف شخص.. وأعلن كلٍّ من إقليمي لوغانسك ودونيتسك في الشرق الاستقلال عن أوكرانيا في أيار /مايو 2014 ..
**
بعد وصول زيلينسكي إلى الرئاسة وقّع عام 2020 على استراتيجية الأمن القومي الجديدة لأوكرانيا والتي تنصُّ على تطوير شراكة مُميّزة مع الناتو بهدف الحصول على عضوية داخل الحلف..
كما وقّع على مرسوم ينصُّ على (استراتيجية إنهاء الاحتلال وإعادة دمج الأراضي المحتلة لجمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي ومدينة سيفاستوبولس).. وهذا ما أثار حفيظة الرئيس بوتين ونشر مقالا عن الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين كشعب واحد، وهذا ما اعتبروه في الغرب أفكارا إمبريالية، ورؤية مُشوّهة لأوكرانيا الحديثة وتاريخها..
**
روسيا تجادل أنه كان على حلف الناتو أن ينتهي بنهاية حلف وارسو، وتنتهي الأحلاف العسكرية، ولكن حقيقة ما حصل هو العكس تماما.. فقد تعزّز الناتو بشكل كبير وتوسّع شرقا ليشمل كافة الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي في شرق أوروبا، ودول البلطيق السوفييتية السابقة، ومضى نحو بلدانٍ في خاصرة روسيا كما جورجيا وأوكرانيا..
الرئيس بوتين معه الحق في الخشية على أمن بلادهِ القومي، والعمل على تعزيز قوة روسيا وهيبتها وضمان كرامتها واستعادة دورها التاريخي، ولكن البُلدان الأخرى تقول أنه من حقها أيضا أن ترسم سياساتها وعلاقاتها بكل حرية وبِما يُحقِّق مصالحها كبُلدان مستقلة ذات سيادة، ودون وصاية من أحد..
وبين هاتين العقيدتين، يدور كل هذا الصراع اليوم في أوروبا، بين روسيا وبين خصومها..
وتوخيا للموضوعية، فلا يمكننا الإغفال أن دول وشعوب أوروبا الشرقية، كانت لديها بالأساس الرغبة الكبيرة في الذهاب نحو بروكسل، للإنضمام للناتو، وللاتحاد الأوروبي.. وهذه تجربة عشتها شخصيا في بودابست في النصف الثاني من الثمانينيات حينما كنتُ في السفارة، وكان لي احتكاك جيد مع المجريين، لاسيما طلاب الجامعات.. فقد أستغربتُ حبهم الشديد للغرب، وانبهارهم بهذا الغرب، وحُلمهم بأن يكونوا جزءا من هذا الغرب.. وكنتُ أناقشهم وأقول لهم الغرب ليس بهذه الصورة الوردية التي في أذهانكم، وأنا عشتُ في أمريكا، ولديهم مشاكل كثيرة وعنصرية، وتفاوت طبقي كبير، إلا أن الدعاية الأمريكية والغربية كانت مهيمنة على عقولهم..
**
لا شكّ أن فكرة استمرار الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هي فكرة استعمارية صرفة.. وفكرة توسيعه باتجاه الشرق هي فكرة عدوانية..
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي حاولت روسيا لسنوات طويلة أن تتكيّف مع حقيقة استمرار الناتو، وأن تتفاهم معهُ، بل في حزيران 2000 وبعد فترة وجيزة من رئاسة بوتين لروسيا، طلب خلال لقاءٍ جمعهُ مع الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، انضمام روسيا للحلف، ولكن الولايات المتحدة تجاهلت ذلك.
كانت روسيا حينئذٍ قد وصلت لأدنى درجات ضعفها، وسادها الفساد والفوضى وانفقدت المواد التموينية، وانهار الاقتصاد الروسي، وباتت تُعرَضُ للبيع أهم الأوسمة التي حاز عليها كبار الضباط، وكان كل شيء يُباع، حتى أن مبنى وزارة الخارجية التاريخي الذي بناهُ ستالين وسط موسكو بِيع لشركة أمريكية..
وبيعت الأسلحة والمصانع وغيرها.. وكل ذلك كان في عهد بوريس يلتسين الذي حكم من 1991 وحتى 1998، وقام بِنقل الاقتصاد الروسي من الاقتصاد الاشتراكي الموجّه إلى اقتصاد السوق الحُر، فطبيعي كانت كل تلك الفوضى والأزمات.. وكان مدعوما من الولايات المتحدة..
ثم قامت الحركات الانفصالية في بعض الجمهوريات الإسلامية في شمال القوقاز الروسي، وأخمدها بوتين..
الغرب اعتبرها فرصة تاريخية للانقضاض على روسيا، ومحاصرتها وإضعافها.. ولكن بوتين مأخوذا بإرث روسيا التاريخي وكرامة شعبها، وقف بوجه كل ذلك، وبدأت رحلة الصراع مع الغرب تتصاعد..
**
اليوم الصراع على أشدِّهِ في أوكرانيا.. وحقيقة الأمر أن الحرب في أوكرانيا هي حربٌ مع الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.. والرئيس الأمريكي جو بايدن يتّفق تماما مع وجهة النظر الأوروبية أنه إذا انتصر بوتين في أوكرانيا فسوف يتمدّد بعدها لخارج أوكرانيا.. ولذلك كان كل هذا الغضب الأوروبي، وهرولة بعض الدول التي عُرِفت بحياديتها تاريخيا للانضمام لعضوية الناتو كما السويد وفنلندا..
**
لا يوجد مشكلة لدى روسيا انضمام أي بلد في محيطها الجغرافي للاتحاد الأوروبي وإنما المشكلة في الانضمام للناتو، بسسب نوايا الناتو محاصرة روسيا، وربما الهدف الأخير هو تفتيت الاتحاد الروسي كما تفتت الاتحاد السوفييتي، وهذا ما أكّدهُ الرئيس بوتين ووزير خارجيته في أكثر من تصريح..
**
الحرب في أوكرانيا تركت تداعياتها على العالم كله، لاسيما على أوروبا واقتصادها، وعلى التضخُّم وانخفاض قيمة اليورو، وعلى عناصر الطاقة في هذه البُلدان التي كانت تستوردها من روسيا..
وخلقت تحالفات جديدة في وجه الولايات المتحدة، من روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية..
والجميع وصلَ إلى نقطة يصعب بها التراجُع، حتى لا يُفهَم أنه ضعفٌ وهزيمة..
فالرئيس الأمريكي بايدن إن تراجع فسوف ينهزم في الانتخابات القادمة حتما، لاسيما بعد إنفاق 200 مليار دولار على أوكرانيا.. ولذلك هو ماضٍ في سياسته بدعم أوكرانيا، بالمال والسلاح، بل أخذ في التصعيد مؤخرا بالسماح لأوكرانيا باستخدام السلاح الأمريكي في ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، وليس فقط داخل الأقاليم التي ضمّها الرئيس بوتين لروسيا.
ومقابل هذا التصعيد جاءت زيارة الرئيس بوتين لكوريا الشمالية في 19 حزيران، وإبرام اتفاقية تعاون استراتيجي شاملة، بما فيها الدفاع العسكري المشترك..
ومن ثم زيارة فيتنام في 20 حزيران وإبرام 15 اتفاقية، ولكن ليس بينها اتفاق دفاع مشترك.. الأمر الذي أغضب الولايات المتحدة من هانوي..
**
الاتحاد الأوروبي ماضٍ أيضا في عقلية المواجَهة.. والتعيينات الأخيرة في المفوضية الأوروبية، وفي أمانة الناتو تشير إلى ذلك..
فقد تم تعيين أورسولا فون دير لاين مُجدّدا رئيسة للمفوضية الأوروبية، وهذه معروفةٌ بتشدُّدها من بوتين ودعم أوكرانيا..
كما تم تعيين رئيس جديد للمجلس الأوروبي وهو أنطونيو كوستا، رئيس وزراء البرتغال السابق، والداعم بقوة لأوكرانيا، وسبق أن أرسل لها دبابات ليوبارد الألمانية الصنع..
وتم تعيين رئيسة وزراء استونيا السابقة كايا كالاس مسؤولة عن الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد، وهي داعمة بقوة لأوكرانيا وكانت تطالب بتقسيم روسيا، وبمصادرة كل الأصول الروسية في الغرب وتحويلها لمساعدة أوكرانيا..
ومن جهةٍ أخرى جاء تعيين رئيس وزراء هولندا السابق مارك روته أمينا عاما جديدا لحلف الناتو، وهو حليف كبير لأوكرانيا ومعادٍ بقوة للرئيس بوتين..
إذا كل ذلك يشير أن لغة المواجهة والتصعيد هي السائدة.. إلى متى؟. لا أحدا يمكن أن يتكهن.. وربما إن فاز الرئيس ترامب بالانتخابات الأمريكية القادمة، فقد تتغير بعض المعادلات، فهو لن يكون داعما لأوكرانيا كما بايدن، وسيكون الشخص الأفضل للرئيس بوتين، ولكن الأسوأ لنا ولإيران وللصين..
ولكن هل سيسير الاتحاد الأوروبي على خطى ترامب في أوكرانيا؟.
التصريحات السابقة تقول كلّا.. فهُم ماضون في مواجهة روسيا في أوكرانيا بغض النظر عن موقف ترامب.. وهذا ما جعل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، المؤيد لبوتين، يصرخ غاضبا: إن الاتحاد الأوروبي يدفع القارة نحو الحرب (مع روسيا)..
فهل ستقع الحرب فعلا؟. أعتقد من الجنون التفكير بذلك، لأن المسألة لن تتوقف عند حدود الأسلحة التقليدية، وإنما سوف تتجاوزها إلى أسلحة الدمار الشامل، وهذا يعني تدمير العالم وفي المقدمة روسيا وأوروبا وأمريكا، فلديهم من الأسلحة النووية ما يُدمِّر العالم خمس مرات بدقيقة واحدة.. ولذلك ما يمنع الحرب المُباشَرة هو أمرٌ واحدٌ: “توازُن الرُعب”، إلا إن وصل الجنون لمرحلة فقدان العقل تماما..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى